الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تجليات

تجليات

حامد بن مكتوم الجنيبي يقلد الغنادير أوسمة الجمال بقصائده الغزلية

في منطقة (الكحل) بولاية الجازر، التقينا بشاعرين هما الشاعر سعيد بن ياسر الذي نشرنا مقتطفات من قصائده في العدد قبل الماضي، وكذلك الشاعر حامد بن مكتوم الجنيبي، وقد أضافا لعملنا التوثيقي جمالا ومتعة لروعة قصائدهما وأسلوبهما الشعري الآسر. وكنّا قد نشرنا مقتطفات من قصائد الشاعر الكبير سعيد بن ياسرنالت صدى طيبا في الوسط الشعبي. في هذه المساحة سننشر مقتطفات من قصائد شاعر آخر هو الشاعر حامد بن مكتوم الذي يتميّز بلغة شعرية بدوية جميلة وبعاطفة صادقة تبوح بأسرارها في كل بيت. وهو لا يختلف عن معظم شعراء الوسطى بتميّزهم بالشعر الغزلي وجرأتهم الكبيرة بالتصريح بمشاعرهم الصادقة.

الشَعر الأبيض والقلوب الخضراء

الغزل العذري والعاطفة الحقيقة تجعلان من أيما قصيدة؛ قصيدة مؤثرة. يتابع المتلقي تفاصيلها كلمة كلمة، بل إن المستمع يتجاوب حتى مع تأوهات الشاعر أثناء القائه، لنقرأ قصيدة الشاعر حامد بن مكتوم الجنيبي كما القاها بلهجته البدوية ولكنة سكّان الوسطى:
قد لي(1) من زمانٍ وين مبعد مساره
حيث هو طير قلبي ما يشلّه (يناحه)
وإلا باب المحبه ما يريد استماره
من سُلوبي(2) وعزمي داخلنّه صراحه
صادني عين حرٍٰ فوق عالي وكاره
والخدود الشعايل نور شارق صباحه
نور خدِّه يسالي من علاية خِداره
احسْ شمس الظهيره ما ( توايب) كفاحه
داجر العود فرعٍ حالينه مزاره
كن بدرٍ تجلّى فوق عبرٍ لساحه
رمش عينه تثيرٍ لو بصُمّ الحجاره
ولو ما اخْفي بنفسي متْعبني جراحه
غير قلبي يخفِّي ما يبيّن سِراره
تحت مود العواطف مبعداتٍ .. متاحه
ريم، ريم البوادي ما خذته الحضاره
الكرامة (طريجه) والوفا والسماحه
من مزون المخايل رب ( تسجي) دياره
هل من راس عاله لين خطمة ملاحه
المزون اتركد هلها بانغزاره
والسيول اتعبّر بالغثا واجتياحه

يقول الشاعر حامد قبل أن يلقي قصيدته متذكرا المرأة التي كتب فيها القصيدة: ” أتذكرها في زمانها تصب قهوة عليّ (واجفه”) .
مساء ليلة (اليمعة) مسيّر جدى(3) (الايواد)
محبٍّ أحبَّه حسب ظنِّي وتفكيري
لي من اشوفه يغيب الهم والاْنكاد
ارتاح له لو على الْفؤاد تاثيري
احبَّه زياده على الْمجموع والأفراد
واحبَّه على اللي يحتّ الأرض ويطيري
هيَّه تِسَمَّعَتْ قول الناس والحسّاد
ونبّهت جيشك على جيشي بتحريري
(ييتك) مسيّر وعاني من ديار بْعاد
وكويتني (ينب) ايديك المصاهيري
تفاجأت من ضربه (إلاها)(4) على الفؤاد
كفى شرَّها لو صابت إنسان من غيري
(بيتم)(5)مبهوت ما عنده عزوم شداد
ضربه تدمّر ساير الجاش تدميري
والله يا زين ماني ع الخطا معتاد
ولا في اتجاهي كان اتغيّرت عن سيري
ع الشمس والنور وإلهٍ خلق الْعباد
ما قلت في ذاكي ( اليدين)(6) تقصيري
يا غير بالكرم (والمايوب) والاوهاد
وحسنٍ بديعٍ يقصّر عنْه تعبيري
من هيبتك تشهر خطرها مثل عدّاد
وعينك تخدّر شراييني تخديري
(عجيد) (اليوازي)على السهله رعن بْتّاد
رعن في فياضٍ مبعدات (المجا فيري)
سقى ديرتك من حايبٍ مدهمٍ مسواد
ضرب وين خضرات العرابي المصاغيري
من راس عاله ووقّف ضربته بالساد
سهله على الله صعباتٍ معاسيري
تعدّى من عمان ما يحتاج له روّاد
حلاة الفياض بزاهياتٍ مزاهيري
هذا وصلّوا ختام القول والانشاد
ما طاف مسلم على الكعبة بتكبيري

في تقديمه للقصيدة القادمة يقول الشاعر حامد:
“انا اول بكريتني بنت، وفرحوا بها كل أهلي وربعاني، ورسلت لي حرمه عقد ذهب هديه حق البنت. وتم العقد عنديه، وغاب على البنيه يوم عادت تسير.. وعقب وترسل لي الحرمه عقد ثاني ..قلت انا كيف الحرمه ترسلي وانا ما أقول شي، وكتبت هذي القصيدة:”
(يات) الهديه يابْتها(7) سيدة السيدات
وعند استلام الهديه فتّح إرسالي
وعن شبكتي قلبي عطا الفكر معلومات
والشِعر شارك في محلّي وترحالي
نشكرك شكرًا جزيلا شخصكم بالذات
وافي نسب من نسب صناديد (وريالي)
من لابةٍ بين القبايل لهم رايات
يأكّد على تاريخهم صدق الافعالي
كسّارة الخصم بالزوفات والنوبات
تاريخ من سجَّل عن الناس لْسجالي
وموفّق الله والأعمال بالنيّات
الله يوفّق لعبده خير الاعمالي
عساك يوم الصاعقة والعباد شتات
يظلّكم تحت ظله ربك العالي
أما الجمال اليوسفي يدهش النظرات
مالك مثايل على الوصوف تنقالي
ولا اقدر اميّز لك بحسْنك على الزينات
غير كان ليلة قمر عاشر مِ الهلالي
(يسجي) ديارك من مسندم على هركات
رحمه من الله بلا ضجّه وزلزالي

غربٍ على شرق يأخذ في المقيل (امبات)8
ومزون المخايل شِلالي يركز شْلالي
هذا وعفوًا اذا زليّت بالابيات
شيبه وجدني زمانٍ طاوي حبالي

لقد فتح لنا الشاعر حامد بن مكتوم قلبه ونبش الماضي السحيق في ذاكرته، فهي فرصة للذكرى، فرصة لملامسة الجرح والتأكد من شفائه أو استمرار النزيف، يقول الشاعر:
قم يا نديبي توكل ع الذي كنّه
تيّار غيمٍ سرى في امر ماموره
مرفاق خالد (صديجٍ) مستخصنّه
لا اصطك سير المصالب ما عنْه دوره
من لابةٍ تفزع علينا اذا مِنّه
سوء البلا وجّه علينا بناحوره
قولْ له زميلك يعاني لي مشقنّه
رعبوبةٍ سيد الغراشيب غندوره
انِي(9) بفنّي وكل عالم على فنّه
وكلٍ على مستواه يعزّم بشوره
ما (ياز) لي عقب محبوبٍ مودنّه
وعلى شاشة القلب دائم تظهر الصوره
وراك يا بعد روحي تخطّي الظنّه
لماذا تثير الفؤاد وتكسر شعوره؟
سببت في روح مسلم (يعلك) الجنه
وقدّمت له للمنيّه كان ماخوره
لكنّ.. عادي احبَّه ما اصَبِر عنَّه
ولو جفاني وزاد (اليور) في يوره
احب العشاشيق واعشق لي تودّنه
وأحب سِنْة الولادة واعشق شهوره
لو ما المسافه اشوفه قلت مكفنَّه
روح الغريم وترجع النفس مسروره

تردّ بالجسم مرتاحه ومطمنّه
ترتاح له وتْعالج علّة كسوره

بحور وأوزان متنوعة:
على بحر الهجيني ألقى علينا الشاعر قصيدة جميلة وزنها ( فاعلاتن فعولن)، سنلاحظ خفة إيقاعها وسلاسته مع تناغم الكلمات وسمو معناها:

داخل(اليوف) ضجّه والكرى ما هنى لي
زاد بالجسم روعه وارتعب من ظلالي
ولا شعوري تميّز الغرب م الشمالي
يا مسبب جروحي يا عليمٍ بحالي
عارفني أحبّك من سنينٍ دوالي
ما خفيته عليكم الشقاء لي مضى لي
يتضح لك ( يوابي) من خفايا مجالي
ما تغيّر تْجاهي ماضيات الليالي
خايلٍ بك مخالي لا تخيّب مخالي
انت ساكن فؤادي أنت أول وتالي
أنت والله احبك أنت ما عنك غالي
ما توازن غلاتك شامخات (الجبالي)
لو تحطّى بكفه يا بهيج الجمالي
زاد وزنه غلاتك م الحجر والرمالي
جايبٍ بات يبهج مندهم بالشلالي
اتّراكم مزونه والرواسي موالي
عم هيتام يوده والفضاء والمجالي
تم سيله وديمه مِ الضحى ع الزوالي
الله يسمع دعايه يا رفيع المجالي

كما ألقى الشاعر حامد بن مكتوم قصيدة مربوعة على نفس البحر السابق، ونضمن منها بعض المقاطع حيث تمثل تنوع الأوزان والبحور التي يكتب عليها شعراء الوسطى:
باسم ربي بدينا خالقٍ مهتدِينا
شكر(وايب) علينا للإله القدير
ماهرٍ بالقصائد واعتبرها عوايد
بفكراتٍ ركايد ومعنايٍ عسيري
استغل (الجوافي) من صميم الخوافي
كالجواهر صوافي من لجّاجٍ عسيري
لي مهيّج غرامي مطلق القوس حامي
لين بادن عظامي ما استطعْت المسيري
حيث لنّه تحدّى اطلق السهم يدّى
بو جديلٍ تعدّى فوق متنه نثير
هو بحول التسلي ساهرٍ مستعلي
ذكرتني بخلي لي هواها عبير
كرس ترفا بلاده بالتي والهياده
لا هبوبٍ زياده ولا هوايٍ كثير
مستصفّه بصفاتي حب مدة حياتي
راسخٍ لي بذاتي واعتماد النظير
(جد لي) من زماني حاد له مِ الغواني
كاينٍ في كياني ما حداني نذير
كامل الوصف حدّه لا زعيمٍ يضده
يشبه الشمس خدّه لي سماها منير

حينما يفتح الشاعر ذاكرته الغنيّة بالمواقف والأحداث الجميلة، فإن هذه الذاكرة لا تتوقف عن قراءة تلك المواقف الموثقة بالقصائد.. فالشاعر يدوّن تجربته الوجدانية ليقرأها ببهجة أمام الحضور، يقول شاعرنا في قصيدة عشق عميقة:
من كثر شوقي الْموجودي
لي جداه (10) النفس طربانه
الملايا (11) باتوا رقودي
ومهجتي بالسوق مشتانه
بالتجدِّي ناسم النودي
وين هب الريف ذنّانه
حيث ان الجفن مسهودي
والتولّه فوق خزّانه
مسني في ضامري زودي
والحشا (ميروح) شريانه
بس في هيتام مقصودي
شوف يرجع قلبي إيمانه
انت يا بو خصر مجلودي
اتخذت الروح مجّانه
بو هدايب نعّس وسودي
يسحرك من بيّت (12) عيانه

وان جلس في يملة الخودي
مظهره مرفوع له شانه
لو سقاني سم مغلودي
ما اعتبرها مِنَّهم خيانه

من قصائد الشاعر حامد بن مكتوم الكثيرة التي تستحق ان نوثقها في هذا البحث، نضمن بعضا من أبيات اخر قصيدة ذكرها في اصبوحتنا معه، سنلاحظ انه يعطي بعض المفردات معانٍي جديدة يحددها السياق الدلالي:
مضى ساري الليل في حسره على المشتاق
وليل الخلي في لحظة الإنس مسروره
بي(13) أحور العين بي من عم ع الآفاق
وتاضي غياهيب الدجى شعة نحوره
يا سْلالة المجد يا شمسٍ على مشراق
ويا شبه بدرٍ يزيح الداج في نوره
أصفى من العاج واصفى صافي الأوراق
جماله فوّضه ربه باحسن الصوره
قلبي يتوق (وخافجي) بالخفا خفّاق
والعين جدها من وزى الصوع مسحوره
ان قلت وصفي اشوفك عن كلامي ساق
وإذا عنيتك ترد النفس مكسوره
رماني على قلبي مثل رمية التفّاق
وخلى فوادي ما تملكنه شعوره

محبٍ مسوي لي على فرقته حرّاق
وغضبٍ عن الرغبه اعانيه وازوره
احبّه على الدنيا وكل ما عليها لاق
وعليه من ما خلق الله بكونه وجمهوره

بعد أن استمعنا لقصائد الشاعر حامد بن مكتوم الجنيبي، وتعرفنا على تجربته الشعرية الزاخرة بالعاطفة والصور الحسيّة التي تستمد جوهرها من الطبيعة البدوية الفاتنة، توجهنا مباشرة إلى الشاعر سعيد بن ياسر فكان لنا معه جلسة مطولة ألقى خلالها العديد من القصائد المتنوعة التي سننشرها الأسبوع القادم بإذن الله..
ملاحظة:
الكلمات التي وردت بين قوسين اصلها حرف الجيم مثل (الجمعه، جناحه، ….) ولكن في لهجة سكّان المنطقة فإنهم يقلبون الجيم في معظم الكمات إلى ياء فتصبح (اليمعه، يناحه)، وكذلك القاعدة السابقة تنطبق أيضا على حرف (القاف) الذي يقلب إلى جيم مثل ( تسقي، طريقه) سنلاحظ أن الشاعر نطقها ( تسجي، طريقه)، علما ان الكاتب قام بنقل الكلمات كما رويت..

شكر ومحبة:
أسجّل شكري وامتناني لكل من ساهم في اخراج هذا العمل، وأخص بالذكر الشاعر حمود بن علي الجنيبي والشاعرة صالحة المخيبية.. كما أنوّه للمتابع الكريم بأن العدد القادم سيتضمن عودة من جديد لنشر قصائد الشاعر سعيد بن ياسر..

الهوامش :

1- (قد لي) بمعنى صار لي ..
2- (سلوبي) يقصد اسلوبي..
3- (مسيّر جدى) أي ذاهب باتجاه، والتسيير هي إحدى عادات أهل الوسطى في زيارة أقاربهم والتواصل في ما بينهم.
4- (إلاها) الكلمة غير واضحة في التسجيل ونقلها الكاتب كما استمع لها..
5- (بيتم) اي سيبقى..
6- (اليدين) أي الجدين ..
7- (يابتها) بمعنى جابتها..
8- (امبات) أي يبقى من الليل حتى الصبح..
9- (انِي) أي أنا ..
10-(لي جداه) الذي له..
11-(الملايا) يقصد الملأ أي الناس وقد جمعها الشاعر لضرورة الوزن.
12-(بيّت) اي أغمض عيونه..
13-(بي) تؤدي مفردة بي نفس وظيفة في .. أي في أحور العين ..

إعداد ـ حمد الخروصي
twitter : @hamed_alkharusi

إلى الأعلى