الأحد 27 سبتمبر 2020 م - ٩ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / سَلْطَنَة عُمان.. دولة الثوابت السياسية والمواقف التاريخية

سَلْطَنَة عُمان.. دولة الثوابت السياسية والمواقف التاريخية

محمد بن سعيد الفطيسي

بالرغم من التقلبات الحاصلة في النظام العالمي، خصوصا على مستوى سياسات الدول وعلاقاتها مع بعضها البعض، وما يلاحظ على تلك البيئة شديدة المخاطر سريعة التقلبات، خصوصا على مستوى الصداقات والعداوات، ما زالت سلطنة عمان من الدول القلائل على مستوى العالم التي تمكنت من المحافظة على تلك المسافة الفاصلة ما بين المتغيرات والثوابت، لتواصل الاستمرار على تاريخ مشرق استثنائي في ما يتعلق بسياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية.
خمسة عقود من الثوابت السياسية جعلتها محطة عالمية ومفترق طرق للعديد من الملفات الدولية الشائكة، وصنعت لها المكانة الدولية اللائقة التي ينظر إليها العالم عبرها كوسيط نزيه ومحايد يمكن الوثوق به لحل الكثير من الأزمات والمشاكل، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط، وقد كانت سلطنة عمان بالفعل على حجم تلك الثقة والمكانة الدولية.
أما اليوم فتؤكد عمان التي أسس نهضتها القائد المؤسس حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم “طيب الله ثراه” أنها دولة للمؤسسات. نعم… ليس من السهولة القول بإمكانية ثبات السياسة الخارجية والتوجهات الدولية لدولة ما بعد رحيل زعيم مؤسس وقائد حكيم بحجم المغفور له بإذن الله تعالى، خصوصا أننا نتحدث عن دولة بمكانة سلطنة عمان السياسية والأمنية والجيوسياسية، وفي ظل وجود محيط جغرافي تختلط فيه أشد الملفات الساخنة في البيئة الدولية الراهنة، وهي في ذات الوقت تجاور بعض أخطر تلك الملفات الساخنة، كالحرب في الجوار اليمني والملف النووي الإيراني وقرب التنظيمات الإرهابية من محيطها الإقليمي…إلخ.
على أن تلك المخاوف الطبيعية وبالرغم من قساوة وحجم الحدث الجلل برحيل القائد المؤسس للدولة العمانية الحديثة، فقد ثبت بالدليل القاطع تبدد الكثير منها في نظر المحيط الدولي جراء حكمة التغيير وهدوء التحول والقدرة الإدارية التي تمت بها السيطرة النفسية والسياسية والأمنية من قبل الشخصيات الوطنية التي تعلمت في المدرسة القابوسية، فتقدمت ركب قيادة الفترة الانتقالية، والتي تمت بفضل الله العلي القدير وحكمة القائد والأب الراحل بكل يسر، ولا شك في ولاء وعرفان تلك الشخصيات الوطنية التي تولت تنظيم وإدارة هذه المرحلة.
وقد كانت للكلمة التي ألقاها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق أل سعيد المعظم “حفظه الله” في ما يتعلق بالشأن الخارجي الفصل في تحديد الخطوط العريضة لمستقبل السياسة الخارجية العمانية، خصوصا أنه أكد في بداية كلمته قائلا “أعزه الله”: إن عزاءنا الوحيد وخير ما نخلد به إنجازاته هو السير على نهجه القويم، والتأسي بخطاه النيرة التي خطاها بثبات وعزم إلى المُستقبل، والحفاظ على ما أنجزه والبناء عليه؛ هذا ما نحن عازمون بإذن الله وعونه وتوفيقه على السير فيه والبناء عليه.
لذا يمكن التأكيد للعالم بأسره أن سلطنة عمان هي ذاتها لم تتغير ولن تتغير، لأن المدرسة القابوسية في ما يتعلق بالسياسية الخارجية العمانية هي مدرسة ثوابت تاريخية، وثوابت كتب لها النجاح طيلة خمسة عقود لا يمكن بحال من الأحوال أن يتم تجاوزها أو الاعتلاء عليها. وهو ما أكد عليه جلالة السلطان هيثم بن طارق “أعزه الله” في الكثير من الملفات المتعلقة بالسياسة الخارجية العمانية، وهي على النحو الآتي:
أولا: إن السياسة الخارجية العمانية سوف تسير على خطى السلطان الراحل من خلال التأكيد على ثوابتها التي سارت عليها في عهد القائد المؤسس لنهضة عمان الحديثة “طيب الله ثراه”.
ثانيا: من أبرز ثوابت السياسة الخارجية العمانية استمرار النهج السياسي القائم على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير واحترام سيادة الدول وعلى التَّعاون الدولي في مختلف المجالات، وهي ذات المبادئ التي أسست عليها السياسة الخارجية العمانية منذ سبعينيات القرن الماضي.
ثالثا: “البقاء كما عهدنا العالم في عهد المغفور له بإذن الله تعالى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور داعين ومساهمين في حل الخلافات بالطرق السلمية، وباذلين الجهد لإيجاد حلول مرضية لها بروح من الوفاق والتفاهم”.
رابعا: في ما يتعلق بالعلاقات العمانية الخليجية أكد جلالته أنه “سيواصل مع الأشقاء قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الإسهام في دفع مسيرة التعاون لتحقيق أماني الشعب الخليجي ولدفع منجزات مجلس التعاون قدمًا إلى الأمام”.
خامسا: وعلى المستوى العربي أكد جلالته “أعزه الله” “سوف نستمر في دعم جامعة الدول العربية وسنتعاون مع أشقائنا زعماء الدول العربية لتحقيق أهداف جامعة الدول العربية والرقي بحياة مواطنينا، والنأي بهذه المنطقة عن الصراعات والخلافات، والعمل على تحقيق تكامل اقتصادي يخدم تطلعات الشعوب العربية”.
أخيرا: وعلى الصعيد الدولي “فستواصل عُمان دورها كعضو فاعل في مُنظمة الأمم المتحدة تحترم ميثاقها، وتعمل مع الدول الأعضاء على تحقيق السلم والأمن الدوليين ونشر الرخاء الاقتصادي في جميع دول العالم، وسنبني علاقاتنا مع جميع دول العالم على تراث عظيم خلَّفه لنا السلطان الراحل عليه رحمة الله ومغفرته، أساسه الالتزام بعلاقات الصداقة والتعاون مع الجميع واحترام المواثيق والقوانين والاتفاقيات التي أمضيناها مع مختلف الدول والمنظمات”.

إلى الأعلى