السبت 29 فبراير 2020 م - ٥ رجب ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : الأمة في عام آخر

أصداف : الأمة في عام آخر

وليد الزبيدي

تدخل الأمة عاما آخر لا نسميه جديدا ومن الصعوبة أن ننعته بالكئيب وقد يدوخ الكثيرون في التوصل إلى تسمية تتساوق وهذا العام الذي دخل بسياقاته المعتادة ودون استئذان، فهو يدور في فلك لا نتدخل في تحديد مدياته ولا نعرف كيف تكون مآلاته.
هل نحن في عام جديد أم في عالم متجدد أو ندور في فلك لا نعرف أين يقف ومتى تتدهور أحواله ومن يتحكم بمصيره وكيف يتم توجيه بوصلته؟ وهل ثمة بوصلة أو بوصلات؟
قبل قرن من هذا التاريخ استيقظت الأمة على أحداث جسام، إذ لم تكن هناك دولة ذات استقلال في هذه الأمة، لكن ذلك لم يمنع مفكريها وعقلاءها من تلمس الطريق الصحيح في خوض محنة رسم المستقبل، صحيح أن الأفكار كانت مشتتة والآراء لم تثبت على ناصية واحدة والرؤى لا تخلو من بعثرة، لكن السياقات كانت متقاربة بطريقة أو أخرى لأن الجراح كانت عميقة وغائرة وبالمقابل جرى البحث عن الحلول التي يمكن أن تسهم في إنقاذ هذا الإرث الكبير، وتركزت الجهود في اتجاه واحد تمثل في نهاية المطاف بتشخيص دقيق لمسارات أمة أضاعت البوصلة لمئات السنين وبقيت تتدحرج مثل بيضة لا مستقر لها.
سبق ذلك شعور عميق لدى بعض النخب الفكرية بضابية المستقبل واحتمالية الضياع والدخول في تيه قد يتشابه في فحواه ومعناه مثلما تعرض له الكثير من الأمم التي دخلت في معترك لم تكن نتائجه محسوبة وأفضت إلى كوارث بدرجات مختلفة.
تلمس البعض من النخب والمفكرين ومنذ أواخر القرن التاسع عشر خطورة أن تبقى الأمة في مكان يبعد كثيرا عن تلك التي حققتها النهضة الأوروبية على الأقل على الصعيدين الفكري والصناعي، والذي أطلق عليه عصر النهضة بعد العيش لقرون عديدة في دياجير الظلام، فحرك هؤلاء الساكن في ظرف صعب ومعقد جدا، ولم تكن لديهم الأدوات والإمكانات التي من شأنها النهوض بما يريدون والوصول إلى الأهداف التي يطمحون، وبرز أكثر من اتجاه على هذه الصعد وكان لكل ذلك الدور الأهم في بلورة الاتجاهات الصحيحة في المراحل اللاحقة.
وبعد تشكيل الدولة في الكثير من دول الأمة برزت أصوات تتحدث وتبحث وتؤشر إيجابيات وسلبيات شكل الدولة، مستندة إلى تجارب الدول ومستعينة بما تضمه صفحات التاريخ من دروس وعبر، وبدون شك أنتجت كل تلك الدراسات والأفكار والطروحات العديد من المسارات التي سار في ركبها الكثير من الأجيال التي عاشت المحن والمصائب والتحولات أيضا.
لكن وكما أعتقد أن المحنة الأكبر التي نعبش حاليا في عام آخر لهذه الأمة وليس العام الجديد، أن المفكرين وأصحاب الرأي قد تشتتوا وتوزعت اهتماماتهم على فحوى الأخبار اليومية أكثر من وضع استراتيجيات بعيدة المدى.

إلى الأعلى