السبت 22 فبراير 2020 م - ٢٨ جمادى الأخرة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : حكمة قابوس.. سر إلهي (2)

شراع : حكمة قابوس.. سر إلهي (2)

خميس التوبي

مرت الحكمة العمانية بالعديد من المحكات والاختبارات الداخلية والإقليمية والدولية، فكان النجاح دومًا حليفها بتقدير امتياز، عكس هذا النجاح حالة الارتياح لدى الأطراف التي كانت بحاجة ماسة إلى هذه الحكمة لكي تتمكن من التقاط أنفاسها، واستعادتها بصورة طبيعية.
وإزاء هذا المحيط المتلاطم بأمواجه الهادرة، ووسط تسوماني ما يسمى بـ”الربيع العربي”، ووسط الضغوط الهائلة التي مورست بطرق وأشكال شتى لكي تتخلى عمان عن حكمتها، وتدخل في أحلاف ومحاور، كانت سياسة النَّفَس الطويل، وطريقة الغوص في أعماق السياسة، وإجادة فنون السباحة في عمق هذا المحيط بمثابة محركات لتتمكن عمان ـ عبر القيادة السياسية الواعية والموثوقية الصادقة، والالتفاف الكامل، والإيمان المطلق لدى الشعب العماني ـ من جعل التوازن المتكئ على الحياد الإيجابي مع التمسك الثابت بالقيم والمبادئ التي أكدها وأصَّلها جلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله ـ والثوابت التي أرساها، الحصن الشامخ لعمان.
وعلى الرغم من أمواج المد العالية، والرياح العاتية فإن أشرعة الحكمة حافظت على قوتها وصلابتها ومواجهتها الشدائد والضغوط، ولم تنحنِ صواريها، وأثبتت في كل مرة أنها أقوى من كل هبة ريح عابرة، ما مكن سفينة الحكمة العمانية من التعامل مع أصعب الملفات وأعقدها، وإنقاذ من كانوا على شفا المواجهة والاقتتال، وبرهنت على تمرسها وعلو كعبها وذلك بفضل ما أوتي جلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله وطيب ثراه ـ من ذكاء حاد وعبقرية فذة، حيث توالت محطات النجاح إقليميًّا ودوليًّا، وحين نسوق أمثلة على هذا السر الرباني الذي تمثل في حكمة جلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ فهي للتدليل وليس الحصر، فمن ذلك حين حشدت الولايات المتحدة أساطيلها في مياه البحر الأبيض المتوسط ومعها بريطانيا التي أكدت وقوفها مع الولايات المتحدة والمشاركة في تنفيذ عدوان عسكري على سوريا على خلفية فرية استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين في الغوطة والمعدة من قبل معشر المتآمرين على سوريا لتبرير العدوان والتي عدَّ الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أنه إذا ثبت أن الحكومة السورية هي التي استخدمت السلاح الكيماوي فإنها بذلك تكون قد تجاوزت الخطوط الحمر، ويومئذ كانت الحكمة العمانية بتوفيق المولى جلت قدرته أن يسري سرها في أوصال مركز صنع القرار البريطاني، فيعلن البرلمان البريطاني رفضه المشاركة في الحرب والعدوان، لتتحطم على صخرة الحكمة إرادات تجار الحروب ونزواتهم، وتلجم ألسنة مروجي الفتن وزاهقي الأرواح وسافكي الدماء. والمشهد ذاته يتكرر في مياه الخليج العربي التي بلغت مستوى عاليًا من التسخين والغليان، ويتحول الخليج ـ جراء احتدام المواجهة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية على خلفية برنامجها النووي ـ إلى برميل وقود لا ينقصه سوى فتيل، فتأتي الحكمة العمانية بردًا وسلامًا على الخليج ومياهه لتعود إلى درجتها الطبيعية وذلك بترتيب الاتفاق النووي بين إيران والمجموعة الدولية (5 +1)؛ أي الخمسة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي وألمانيا، فضلًا عن الترتيبات والوساطات التي تقوم بها السلطنة بين الفينة والأخرى بتوجيه سامٍ من لدن جلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله ـ للإفراج عن معتقلين وأسرى في اليمن والجمهورية الإسلامية الإيرانية وفي الولايات المتحدة وغيرها. وكذلك الحال مع الملف الليبي والملف اليمني لم تغب الحكمة العمانية عن القيام بدورها وتقريب الفرقاء إلى كلمة سواء، وإيصالهم إلى منتصف الطريق، وتشجيعهم على تغليب مصلحتهم الوطنية.
إنها أمثلة لكنها في الوقت ذاته دروس في كيفية حفظ التوازن للسفينة وركابها، وفن القيادة الواعية، والبرهنة للجميع على أن السياسة ليست صنوًا للتشدد والحروب والصراعات والقتل وإراقة الدماء، بل هي رديف لخفض الجناح والأخذ باللين وإقناع الآخر بالوسائل الأخرى غير الحروب والفتن حتى يستبين درب السلامة لنفسه ولأمته، ووسيلة للتنمية، وزرع شجرة وارفة الظلال تؤتي ثمارها كل حين يستظل بها الجميع في أمن وسلام ووئام وتعاون وإخاء واستقرار، وينعمون بخيراتها، والسياسة العمانية الحكيمة هي جعلت من عمان قبلة للأمن والسلام والاستثمار.
من المؤكد أن الذين عايشوا تفاصيل الأدوار التي لعبتها الحكمة العمانية في ظل عهد جلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله ـ يفتقدون برحيل المغفور له بإذن الله القيمة الرمزية والمكانة الحقيقية لشخصية برزت على المسرح الدولي، وحجزت كرسيها الوثير وبما تمتاز به من ثقل كبير وكاريزما عرفها العالم أجمع، وبما تتحلى به من قدرة عالية على إدارة الملفات ووضع الحلول.
إنها صفحات مجيدة ومشرقة من صفحات التاريخ العماني الحديث تدعو لقراءتها، بما تفيض من جوانب إنسانية راقية في التعامل والتصالح مع النفس ومع الآخر، والحفاظ على علاقات طيبة مع الجميع، والتزام الحياد الإيجابي والنأي عن المشاحنات التي تعكر الصفو وتهدد الأمن والسلم والاستقرار في العالم، وبذل كل جهد ممكن لتجنيب البشرية ويلات الحروب والصراعات وما ينجم عنها من تهجير وتشريد وحرمان وفقر وجهل ومرض، وارتكاب أبشع الجرائم بحق الإنسانية.
لذلك لا غرو أن تتصدر صورة جلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ أعرق الصحف العالمية وتفرد له مساحات واسعة لتسرد مناقبه ومآثره، وتعدد إنجازاته، ومواقفه المشهود لها بالحكمة والرشد السياسي، معبرة عن حزنها العميق لفقد العالم والإنسانية هذه القامة السياسية الحكيمة.

khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى