الأحد 23 فبراير 2020 م - ٢٩ جمادى الأخرة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي

بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي

كاظم الموسوي

هل ستستمر اللعبة الديمقراطية في المملكة المتحدة حول الخروج من الاتحاد الأوروبي، أم انتهت اللعبة؟ وهل ستخرج المملكة سالمة من التداعيات الخطيرة التي يجري الحديث عن مطالب اسكتلندا وأيرلندا الشمالية حول البقاء؟! ومن يقرر المصير؟ ماذا يبقى من الفوضى السياسية التي شهدتها المملكة منذ استفتاء حزيران/ يونيو 2016 الذي حصل فيه مؤيدو الخروج من الاتحاد الأوروبي على 52 بالمئة من الأصوات، وأصبحت هذه النسبة هي الفصل والحجة “الديمقراطية”؟ وكيف ستكون عليه العلاقات الثنائية بين المملكة أو مكوناتها والاتحاد؟ من الرابح ومن الخاسر في كل ما يحمله “البريكست”؟ ولماذا يصر اليمين البريطاني خصوصا عليه؟!
أسئلة كثيرة تبقى، رغم أن الأمور الآن باتت واضحة، حيث حسمت الانتخابات التشريعية المبكرة الأخيرة ما كان مصدرا للتوتر والأزمات في هذا الشأن. كيف حصل هذا “الانقلاب” في الرأي العام ولماذا؟ الحكومة المحافظة تواصل إتمام “المهمة”! باستكمال الإجراءات الروتينية، حيث يتم عرض النص على مجلس اللوردات قبل أن توافق عليه الملكة إليزابيث الثانية، بعد أن أنجزت الأساس في موافقة مجلس العموم البريطاني، على مشروع قانون “البريكست” بأغلبية 330 صوتا مقابل 231 صوتا معارضا.
هيمن حزب المحافظين على مجلس العموم بزعامة رئيس الوزراء بوريس جونسون، وحققوا مصادقته على النص الذي يرسي اتفاق «بريكست» في قانون، والأهم بعد أن يقرّ البرلمان الأوروبي “البريكست” في 29 كانون الثاني/ يناير، أي قبل يومين من موعد «بريكست».. وما أن يصادق على الاتفاق تصبح المملكة المتحدة في 31 كانون الثاني/ يناير عند الساعة 23,00 (توقيت لندن وجرينتش) أول دولة عضو مؤسس تغادر الاتحاد الأوروبي.
خروج المملكة من الاتحاد الأوروبي (بريكست) بعد ثلاث سنوات ونصف سنة من الجدل والتوتر في هذا الملف قررته أخيرا الأغلبية التي فاز بها حزب المحافظين في انتخابات كانون الأول/ ديسمبر، بإقراره رغم معارضة الأحزاب الصغيرة. وتمت الموافقة على المشروع بعد ثلاثة أيام من النقاش، لم تتخللها النقاشات الحادة والتوتر الذي سبق الجولات السابقة من نقاش «بريكست» في مجلس العموم. ويمكن لمجلس اللوردات أن يؤخّر إقرار القانون عبر النقاش، لكنه لا ينقض نتائج التصويت في مجلس العموم. وقال وزير «بريكست»، ستيفن باركلي، إنه يرحب بـ”التدقيق البناء” من مجلس اللوردات، لكنه يأمل ألا يحاول الأخير تأجيل مشروع القانون. وفي هذه “المهمة” ضاعت الأصوات المليونية التي هدرت في الأشهر الأخيرة قبل الانتخابات داعية لاستفتاء ثان والبقاء في الاتحاد. ولكن الانتخابات المبكرة الأخيرة حسمت ذلك، بغطاء لعبة الديمقراطية، مع أن جوازات السفر أعدت قبلها بأشهر بدون اسم الاتحاد الأوروبي.
ينظّم اتفاق «بريكست» الذي تم التفاوض بشأنه مع بروكسل الخطوط العريضة للخروج، وخصوصا ضمان حقوق المواطنين الأوروبيين وتسوية معضلة الحدود داخل أيرلندا. ويهدف ضمان المرور بسلاسة إلى علاقة مستقبلية بين الطرفين لا يزال يتعين تحديدها. وتبدأ من يوم إعلان الخروج فترة انتقالية تستمر حتى نهاية 2020 بغرض تمكين بروكسل ولندن من الاستعداد لعلاقة المستقبل. وسيستمر البريطانيون خلالها في تطبيق القواعد الأوروبية والاستفادة دون مشاركة في المؤسسات الأوروبية ودون الحق في القرار داخلها.
معلوم تم تأجيل ثلاث مرات لـ«بريكست» الذي كان مقررا في الأساس في آذار/ مارس 2019، وخسر رئيسا وزراء وعدد من الوزراء مواقعهم في تلك الفترة التي أريد لما بعدها سلاسة أكثر واتفاقات أوسع، وهذا ما ستعمل عليه لندن وبروكسل خلال العام الحالي، تبدو الفترة حتى نهاية 2020 قصيرة جدا للتفاوض في اتفاقات تبادل حر أو اتفاقات أمنية التي تحتاج عادة إلى سنوات لتكون نافذة. ويرفض جونسون أي تمديد للفترة الانتقالية لما بعد 2020، وهي إمكانية واردة في اتفاق «بريكست».
وحسب الوكالات، كرر جونسون ذلك لرئيسة المفوضية الأوروبية اورسولا فون دير لين، التي استقبلها في لندن، داعيا إلى بدء التفاوض «بأسرع ما يمكن». لكن إزاء ضغط الجدول الزمني، لمحت رئاسة الحكومة البريطانية إلى إمكانية الاكتفاء باتفاق جزئي «إذا تعذّر التوصل إلى اتفاق شامل بحلول نهاية 2020». ونبهت رئيسة المفوضية الأوروبية إلى أن المباحثات ستكون «صعبة» وأنه سيكون من المستحيل الاتفاق على «الصُعد كافة» دون تمديد فترة المباحثات، وقالت: «علينا اختيار الأولويات». وحذرت من أن الاتحاد سيبقى حازما بشأن مبادئه «دون منافسة منصفة في مجالات البيئة والعمل والضرائب ومساعدات الدولة، لا يمكن الحصول على دخول رفيع المستوى لأكبر سوق مشتركة في العالم».
سباق القرارات والإجراءات بين لندن وبروكسل سيتواصل، فقد بدأت الأخيرة أعمالا لتحديد الخطوط الحمر وأهدافها في المفاوضات. وستوجه هذه المباحثات المفوضية المكلفة لتقدم للدول الأعضاء ولاية التفاوض التي تتيح لها التفاوض باسم الدول ويمكن أن يتم اعتماد هذا التكليف مع نهاية شباط/ فبراير المقبل.
في الوقت نفسه، كشف جونسون عن خطته لتعديلات تشريعية تحظر على الحكومة أي تمديد للفترة الانتقالية التي تمتد لـ11 شهرا، وتبدأ فعليا بعد31 كانون الثاني/ يناير، وتتضمن الاستمرار في الاتحاد الجمركي الموحد للسوق والاتحاد الجمركي. ووصف جونسون هذا الترتيب بأنه حالة من «التبادل»، ولكنه يوفر وقتا للمفاوضات حول العلاقات المستقبلية. وينص اتفاق الانسحاب على أن يوافق المسؤولون في اللجنة المشتركة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة على تمديد تلك الترتيبات لمدة سنة أو سنتين «إذا لزم الأمر». لكن جونسون يصر على أن الفترة لن تستمر إلى ما بعد 31 ديسمبر 2020، معتبرا أن 11 شهرا توفر وقتا كافيا لإجراء صفقة تجارية «رائعة»!
وكانت رئاسة الوزراء البريطانية مصرة على التوقيتات المعلنة، بإنهاء عضوية البلاد في الاتحاد في 31 كانون الثاني/ يناير، وبذلك، سيكون أمام الحكومة حتى نهاية الفترة الانتقالية في 31 كانون الأول/ ديسمبر للتفاوض على اتفاقية تجارة حرة مع بروكسل. لكن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين اعتبرت أن فترة انتقالية مدتها 11 شهرا غير كافية للتفاوض على صفقة شاملة. واقترحت تسلسل المحادثات، مع إعطاء الأولوية للقضايا التي لا يوجد فيها تراجع دولي، أو اتخاذ تدابير أحادية الجانب لتجنب حافة الهاوية. فيما أعربت شخصيات بارزة في الاتحاد، بينها كبير المفاوضين ميشيل بارنييه، عن تشككها في إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال الفترة الانتقالية. ووصف نائب رئيس الوزراء الأيرلندي سيمون كوفني، خطة جونسون لجعل تمديد هذه الفترة غير قانوني بعد 11 شهرا بأنها «غريبة»، وفق ما نقلته وكالات الأنباء.

إلى الأعلى