الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / موت الدولة الوطنية العربية

موت الدولة الوطنية العربية

د.أحمد القديدي

” .. لا تقل خريطة سوريا عن جارتها العراق خطرا ولا فوضى فنحن نشهد عاجزين كيف تخضع مدينة سوريا من المفترض أن تكون تحت سيطرة الدولة السورية (عين العرب) لتقاتل بلا هوادة بين الأكراد وجنود داعش بينما تربض حول المدينة دبابات و مدرعات الجيش التركي بلا تعليمات واضحة من حكومة أنقرة! لأن تركيا بعد انتخاب رجب طيب أردوغان أصبحت في حيص بيص حقيقي…”
ـــــــــــــــــــــــــــ

افتحوا يا قرائي الأعزاء أمامكم الآن خارطة جغرافية للعالم العربي في أكتوبر 2014 فستدركوا كما أدرك الخبراء والمحللون أن الدولة العربية بمفهومها الوطني والتي رسمت حدودها منذ معاهدة سايكس بيكو سنة 1916 إلى مرحلة تحرير الشعوب العربية من الاستخراب مرورا باستقلال لبنان عن سوريا الكبرى واستقلال السودان عن مصر هذه الدولة العربية هي اليوم في حالة احتضار ولعلها تموت في الأشهر أو السنوات القليلة القادمة فانظروا من حولكم قلب الشرق الأوسط التقليدي بجناحيه شام الأمويين وعراق العباسيين ثم اقلبوا النظر إلى اليمن مصدر كثير من قبائلنا الموزعة من الخليج الى المحيط وبعد ذلك ارفعوا عيونكم إلى الإقليم المغاربي بليبيا التي كانت تربط جغرافيا وحضاريا بين مشرق الأمة ومغربها وستتأكدون من أن رمال أمتنا تتحرك وتذروها عواصف عاتية. في العراق (ماكو دولة) ولا أبالغ حين أقول أنه (ماكو دولة) منذ يوليو 1958 حين انقلب عبد الكريم قاسم بكتيبة من الجيش على الملك فيصل وأعدمه هو وأسرته ورئيس حكومته نوري السعيد رحمهم الله جميعا ونجا بجلده وزير الخارجية في عهد الملك محمد فاضل الجمالي وجاءنا الى تونس في ضيافة بورقيبة وحمايته وطالما تحادثت معه وكان من الأصدقاء الخلص وهو من الموقعين على ميثاق منظمة الأمم المتحدة سنة 1945 باسم مملكة العراق وأحيانا يقول لي: ” أهملنا ربما مراقبة الجيش حين قيل لنا أن بعض الضباط يلعبون الورق في سهراتهم ويلتقون فلم نعر الأمر أهمية بينما هؤلاء كانوا يعدون انقلابا من صنف عبد الناصر لكن بشكل دموي”. ومنذ ذلك التاريخ دخل العراق أزمات سببها انعدام الدولة وضياع ثقافة المؤسسات ليفتح حكامها أبواب تحزيب السياسة وفي الحقيقة تخريب السياسة لأن التماسك القديم تحت راية ملك من أولاد الشريف حسين عوضته طواغيت متعاقبة ومتناسلة بعضها من بعض فاندثر مفهوم الحكم المركزي وهو الأفضل بعلاته ورشحت على السطح أشباح الطائفية والتطرف تملأ الفراغ وتنذر باستبداد “القائد الأوحد والزعيم الملهم”. وها نحن اليوم بإزاء عودة التدخلات الأجنبية من كل حدب وصوب تحمي مصالح شعوبها وتدرك بأن لا حول لنا ولا قوة بل لا سيطرة لنا على مصائرنا.
ولا تقل خريطة سوريا عن جارتها العراق خطرا ولا فوضى فنحن نشهد عاجزين كيف تخضع مدينة سورية من المفترض أن تكون تحت سيطرة الدولة السورية (عين العرب) لتقاتل بلا هوادة بين الأكراد وجنود داعش بينما تربض حول المدينة دبابات و مدرعات الجيش التركي بلا تعليمات واضحة من حكومة أنقرة! لأن تركيا بعد انتخاب رجب طيب أردوغان أصبحت في حيص بيص حقيقي ومعقد فتركيا من ناحية هي عضو في حلف الناتو الذي تتزعمه أميركا وهو يملي عليها تحركا يخدم مصالح دول الناتو ولا يخدم مصالح تركيا كقوة إقليمية ومن ناحية ثانية تم إنتخاب أردوغان على أساس برنامج سياسي واستراتيجي يقوي ارتباط تركيا بمحيطها المشرقي أي الإسلامي بل إن بعض الفصائل المتطرفة تنادي بالخلافة لأردوغان استحضارا لروح الخلافة العثمانية وهي بالطبع سياسة غير واقعية رغم شحنتها العاطفية والروحية. فأردوغان اليوم مثل دباباته المعطلة على تخوم عين العرب معطل وفاقد للمبادرة لأنه يعتبر كل تدخل عسكري سريع هو بمثابة هبة أوكسجين تطيل عمر بشار الأسد وتمد لأي أنفاس نظامه! أما المؤكد فهو أن سوريا تعاني أيضا من موت الدولة الوطنية المركزية وتلتحق بنادي الشعوب الفاقدة للمؤسسات.
وافتحوا يا قرائي الكرام صفحة اليمن لتوقنوا من موت الدولة الوطنية بعد جهود عقود بذلها اليمنيون لبنائها وشد لحمتها وتوحيد شطريها فإذا باليمن يفقد دولته التي هي عروته الوثقى بعد الله وإلا كيف نفسر هذا الانتشار السريع للحوثيين من مجرد ميليشيات شيعية في شمال البلاد إلى قوة احتلال ممنهج للعاصمة ولأهم المدن اليمنية تحت شعارات استعادة الدولة وحماية المواطنين والتبشير بعهد جديد! فالذي يدور على الساحة اليمنية شديد الرمزية على موت الدولة وتعويضها بالفصائل المسلحة ذات الإنتماء القبلي أو الطائفي وقد تبخرت أحلام بل أوهام الجيل السابق الذي التف ذات يوم 26 سبتمبر 1962 حول المشير عبد الله السلال ليطيح بحكم الإمام البدر وبدأت حرب أهلية بين الجمهوريين والملكيين انتهت إلى حالة من الانشطار الخفي والنوايا المبيتة والانقلابات المتعاقبة و هذه حال اليمن اليوم بين جيرانها تعيش أزمة دولة وتتقاذفها أعاصير العنف.
وإذا قلبتم البصر نحو المعضلة الليبية في شمال إفريقيا فستجدون تأكيدا لنظريتي المتواضعة القائلة بموت الدولة الوطنية وقد إعتقدنا بسذاجة وقلة دراية بأن طي صفحة القذافي ستكون طالع سعد وتدشين عهد وستبشر بإقامة دولة المؤسسات وحكم الدستور والقانون خاصة وأن الاعتبار ب43 سنة من حكم قائد الفاتح العظيم كانت تستدعي من الشعب الليبي استخلاص العبرة الأسطع وهي أن دولة الشخص إلى زوال وأنه لا بقاء إلا لدولة الناس جميعا ولكن الذي حصل هو تعويض حكم مجنون بلا حكم وتأبيد حالة الانفلات التي عمت البلاد زمن الثورة بالعجز عن جمع الأسلحة المكدسة وإجبار المواطنين على الامتثال للقانون فتفاقمت ظاهرة (البيك أب) الحامل لمدفع رشاش أو (أر بي جي) و استقلت كل قبيلة بإدارتها ونفطها وموانئها ومطاراتها ونحن في تونس قمنا بواجب استضافة إخوتنا الهاربين من جحيم العنف وتحملنا مصائب الأسلحة المهربة وتفاقم التهريب المسلح وتسرب الإرهاب من حدودنا وارتكب حكامنا المؤقتون سامحهم الله (وعاقبهم الشعب في الانتخابات القادمة!) فسلموا البغدادي المحمودي رئيس الحكومة الليبية إلى عصابات مجهولة تدعي الشرعية و لم يجيروا من استجار بهم فاقتيد الرجل إلى ما سماه حكامنا المؤقتون “عدالة ليبيا الشقيقة” وأرجو من الله ألا يقتل الرجل على أيدي سجانيه ونحن لا نعرف سجانيه إلى اليوم فيكون دمه موزعا على رقاب الذين سلموه في غفلة من ضمائرهم والله يعلم لماذا وكيف لأن تقاليد بلادنا منذ عهد الملوك هي أن نجير المستجير بنا حتى يبلغ مأمنه كما أمر الله خشية عقابه تعالى وهو أحكم الحاكمين. هنا أيضا في تونس رغم نجاحنا في اجتناب المهالك فإن الدولة الوطنية مهددة بأخطار عودة الاستبداد أو الانفلات الاجتماعي أو الخطر الليبي القريب منا يزعزع أمن التوانسة. لنكن جميعا موقنين بأن لا أمن ولا تقدم ولا مستقبل إذا ما انفرط عقد الدولة الحديثة العادلة والمتمسكة بالهوية وإلا سوف تحتضر الدولة و معها شعوبنا في انتظار هبة حضارية نفيق بها من سبات أهل الكهف !

إلى الأعلى