السبت 29 فبراير 2020 م - ٥ رجب ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / القصيدة الآنية مثار جدل !

القصيدة الآنية مثار جدل !

النص الشعري بين ارتجال الحدث ورهان الصدى
كتب ـ خميس الصلتي:
القصيدة الشعرية الآنية، مثار جدل بين الشعراء والنقاد، خاصة تلك التي تواكب الحدث، وتحت ظروف شتى، حيث أوجدت آراء متناقضة حولها، فهناك من يصر على هيمنتها وأثر حضور قيمتها، وهناك من يراها عابرة لا تمثل إلا اللحظة، وقد لا تشكل إرثا شعريا لكاتبها، ثمة أسئلة كثيرة تتمخض عن هذا الجدل، قمنا بتوجيهها إلى مجموعة من الشعراء تمثلت تلك الأسئلة في (هل قدرة الشاعر على مواكبة الحدث بنصٍّ شعري دليلٌ على براعته؟ أم ذلك يؤدي به لكتابة نصٍّ آنيٍّ بعيدٍ عن الجودة الفنية؟ وهل للمتلقي دورٌ في مواكبة الشاعر للحدث، لوجوب أنْ يكون الشاعر في بؤرة الحدث، والمتلقي غير معنيٍّ بالنصوص الفنية العالية لأن المتلقي ذو مستويات متعددة؟ وهل الكتابة الآنية ستذهب مع خفوت ذلك الحدث، ثم ستصير عبئًا على تاريخ الشاعر الكتابي، والشاعر تبقى منه نصوصه بعد خفوت وهج الحدث؟

أدباء حسب الطلب
حول قدرة الشاعر على مواكبة الحدث بنصٍّ شعري وما إذا كان ذلك دليلا على براعته أم يؤدي به لكتابة نصٍّ آنيٍّ بعيدٍ عن الجودة الفنية يقول الشاعر يونس البوسعيدي: البراعة كلمة جدلية، لأنّ النظر لها يتمّ من زوايا نقدية وزمانية وثقافية مختلفة، هكذا كيف تحكمُ على البراعةِ؟، والجدل هنا بُعدٌ فنيّ فلسفيّ، لذلك فالاحتكامُ إلى منظورٍ واحدٍ فيها لا يدلّ على براعةِ الحاكم، لنختصر الحديث لأني أعرفُ أنّ لُب الحديث هو عن مواكبة الشاعرِ للحدثِ الآنيّ، وهذه المواكبة تطلّبها الحدثُ والمتلقّي ذو المستوياتِ المتعددة، وأيضًا فرضتها سرعة الأحداث واتساعُ مساحة المتلقّين “بغضّ النظر عن جودتهم” ، ومع اختلاف جودةِ المتلقي يكون النص بضاعةً بجوداتٍ مختلفة، ولأنّ الشاعر في بؤرة الحدثِ وتسارعهِ فإنّ الجودة الفنية في كتابة النص اختلفت قِيَمُها واختلف تقييمُها، وأظنّ أنّ الحدث سيتلوهُ حدث، وكل حدثٍ سيرسبُ في الذاكرة الجمعية، فلو ركب الشاعرُ مركبَ السرعةِ الفيزيائية التي ستخفتُ بعد أمد، فكذلك نصوصُهُ ستكون خامدةً بعد أمدٍ قريب، في حين أنّ الذاكرةَ تظلّ ملتمعةً فتحتاجُ إلى نصّ يلتمعُ في الأمد والأبد.
وما إذا كان للمتلقي دورٌ في مواكبة الشاعر للحدث، لوجوب أنْ يكون الشاعر في بؤرة الحدث، والمتلقي غير معنيٍّ بالنصوص الفنية العالية لأن المتلقي ذو مستويات متعددة، يشير الشاعر يونس البوسعيدي: نعم، صار وضعنا هكذا للأسف، نحنُ في زمن السرعةِ التي أفرزتْ أدباء حسب الطلب، وكتابةً حسب السِعْر الرخيص، وأقول مع الاعتذار أنّني أظنّ أننا في زمن الترهل المعرفي لكننا محاصرون بمتلقٍ لا يُراهَنُ على أكثرِهم.
وفيما يتعلق ما إذا كانت الكتابة الآنية ستذهب مع خفوت ذلك الحدث، ثم ستصير عبئًا على تاريخ الشاعر الكتابي، والشاعر تبقى منه نصوصه بعد خفوت وهج الحدث، هنا يشير البوسعيدي إلى أن الشاعر لو يعي أنّه سيكون ذا تاريخٍ كتابيّ يُستقى منه كما استقى هو من التاريخِ المعرفيّ لغيرِهِ، لتأنّى، ويضيف : زيادة المتابعين في وسائل النشر الحديثة، لا توفر صمام أمان من مطرقة الناقدِ الحقيقي. لكن سوق عكاظ غيّر جِلْدَهُ ، فالنابغةُ مات، وصار النابغة يحسبُ جودة النص باللايكاتِ في تويتر والفيسبوك وغيرها، وهذا أشعرَ الشاعرُ بجماهيريته في الحدثِ الآنيّ، وأنه أبدع أمام ذلك التصفيق.

الشعور ليس معيارا صادقا
في ذات الإطار تتحدث الدكتورة وفاء الشامسية عن قدرة الشاعر على مواكبة الحدث بنصٍّ شعري وما إذا كان ذلك دليلا على براعته، أم ذلك يؤدي به لكتابة نصٍّ آنيٍّ بعيدٍ عن الجودة الفنية فهنا تشير الشامسية: الشاعر يحركه الشعور الذي يمتطي صهوته ليعبّر عنه، فرحًا كان أو حزنًا، ولكن لا يمكن أن نعتبره معيارًا صادقًا نقيس به شاعرية الشاعر، وجودة شعره الفنية. فمثلما يعبّر بعض الناس عن حزنهم بالبكاء والنواح، نجد البعض الآخر يقف مشدوهًا دون أن يبدي أي ردة فعل، رغم اعتصار داخله بالألم. كذلك الشاعر في تعامله مع الحدث- بغض النظر عن ماهيته- فمنهم، أي الشعراء، من يستطيع أن يسرج خيل شعره ليعبّر عن هذه الحدث منذ الساعة الأولى، ومنهم من يتطلب الأمر منه أيامًا ليصل إلى مرحلة الإنتاج، والبعض قد لا يكتب شيئًا، ولا يعتبر ذلك قصورًا في موهبة الشاعر، بل يفسّره الشاعر بأنّ اللغة ليست قادرة على اختزال مشاعره التي تتأجج في داخله؛ فيظل محجمًا عن الكتابة، نتيجة المشاعر المضطربة، والأفكار المشتتة في تعاطيه مع هذا الحدث. وفيما يتعلق ما إذا كان للمتلقي دورٌ في مواكبة الشاعر للحدث، كونه غير معنيٍّ بالنصوص الفنية العالية هنا تشير الدكتورة الشامسية: بداية علينا أن نتفق على وجود شعر المناسبات، ووجود شعراء لا يكتبون الشعر إلا بوجود مناسبة أو سببٍ يدعوهم لذلك. وطالما اعتاد الشاعر هذا النمط من الدافع للكتابة، فسيجد نفسه مضطرًا لوضع نفسه في بؤرة الحدث مدفوعًا بعوامل نفسية مردّها خارطة الطريق التي رسمها لشاعريته. وأحيانًا نجد أن المتلقّي يلعب دورًا مهمًا في إخصاب الحركة الشعرية، وتواتر القصائد في حدث ما، خصوصا إذا كان هذا المتلقي متواصلا بشكل مباشر مع الشاعر، ويظل يذكره بين الفينة والأخرى بضرورة الكتابة، والمشاركة في الحدث. أما في إطار الكتابة الآنية والتي يراها البعص بإنها ستذهب مع خفوت الحدث، ثم ستصير عبئًا على تاريخ الشاعر الكتابي تقول الشامسية: الأمر كله متعلّق بالمعالجة الشعورية في تلك اللحظة لهذا الحدث، وطالما أن لحظة مخاض القصيدة قد آنت فتأجيل ولادتها خطرٌ عليها، وعلى الشاعر. إن العلاقة بين الشاعر والقصيدة علاقة شائكة، ولا يحدد نسق هذه العلاقة إلا كيفية تعامل الشاعر مع الأحداث التي تثيرها والتي تعتبر محكّاً أساسيًا لكتابة القصيدة.

ترجمة لحالة نفسية
في ذات السياق وحول تفاصيل القصيدة الآنية ومضامينها وقدرة الشاعر على مواكبة الحدث بنصٍّ شعري وما إذا كان ذلك دليل على براعته، يقول الشاعر منتظر الموسوي: الشعر هو ذلك الكائن الذي يتشكل من خلال ترجمة الحالة النفسية للشاعر، ويمكن لتلك المشاعر أن تتشكل وتتكون في لحظة الحدث فتُنتج قصيدة عملاقة. أرى بأن ذلك ليس دليلاً على البراعة الشعرية. أهمية الحدث للشاعر قد تكون هي المؤثر الأول والتي من خلالها يمكنه أن يرسم نصاً باذخاً. ولكن في الوقت نفسه قد لا يتمكن شاعر آخر من كتابة نص شعري لمواكبة حدث ما إلا بعد أن يعيش كل الحالات النفسية للحدث ويستشعر الألم والوجع. قد يتميز شاعر عن آخر -على كل حال- بامتلاك الأدوات الشعرية اللازمة لصياغة قصيدة الحدث وهذه مهارة قد لا يمتلكها كل الشعراء. وذلك لا يدل بالضرورة على أفضلية شاعر على آخر. ويضيف الموسوي: أرى بأن المتلقي في هذه الأيام قادر على تقييم جودة النص الشعري ولكن ذلك لا يعني أن الشاعر عليه أن يخيط قصيدته على ما يتناسب مع المتلقي. وظيفة الشاعر هي ترجمة أحاسيسه ووظيفة المتلقي هي انتقاء ما يتناسب معه. في نهاية المطاف، كل من الطرفين سيجد ما يبحث عنه. تطويع النص من أجل أن يكون ملائما لما يريده المتلقي قد يشوه القصيدة وينتج كائناً بشعاً لا يمت للشعر بصلة. وحول الكتابة الآنية والتي يراها البعض إنها ستذهب مع خفوت الحدث، ثم ستصير عبأً على تاريخ الشاعر الكتابي يقول الشاعر منتظر: كل ما يكتبه الشاعر يبقى معلقاً باسمه وعليه أن لا يلوي نصه مهما كان السبب. ذلك سيضمن للشاعر بقاء وهج النص مهما كان الحدث.

الكتابة الحقيقية لا تخفت
الشاعرة الدكتورة عائشة الفزارية تقترب منا وتلخص تفاصيل القصيدة الآنية ومضامينها وقدرة الشاعر على مواكبة الحدث بنصٍّ شعري وهنا تشير: تختلف الأحداث التي يكتب عنها الشاعر حسب أهميتها، هناك أحداث كبرى هي التي تشعل جذوة الشعر في وجدان الشاعر وتكتبه قصائد تقطر إبداعاً، وثمة أحداث آنية يواكبها الشعر ويكتب عنها بحسب تأثيرها السريع عليه لكن الشاعر الحقيقي لا يكتب إلا شعراً حقيقياً يضاف لتاريخه الأدبي.
وحول دور المتلقي في مواكبة الشاعر للحدث، لوجوب أنْ يكون الشاعر في بؤرة ذلك تضيف الفزارية: الشاعر كائن رقيق شفاف يتأثر بكل ما حوله وعندما يكتب يعطي اهتماماً لمن يكتب له و يراعي مستواه وذائقته ولا يجوز له أن يكتب دون مراعاة ذلك إلا في النصوص الفلسفية التي يسبح فيها بعيداً عن الجميع لكن تبقى نصوص الأحداث لها خصوصية ومعظمها جماهيري خطابي لأنه يخاطب الجمهور.
أما فيما يتعلق بذهاب كتابة القصيدة الآنية بمجرد خفوت الحدث، تقول الفزارية: الكتابة الحقيقية لا تخفت، ما يخفت هو النظم السطحي الذي يخلو من ماء الشعر، والشاعر الذي يحترم نفسه وشعره لا يكتب إلا ما يظل مشرقاً رغم مرور الزمن

تصنّع على المنصة!!
من خلال التساؤلات أعلاه يشارك الشاعر ابراهيم السوطي بحديثه في شأن قدرة الشاعر على مواكبة الحدث بنصٍّ شعري وما إذا كان ذاك دليلا على براعته أم ذلك يؤدي به لكتابة نصٍّ آنيٍّ بعيدٍ عن الجودة الفنية وغيرها من التساؤلات المطروحة وهنا يقول: نحن لا نستطيع أن ننأى بأنفسنا حين نمشي على الشارع أو نجلس على الرصيف في انتظار سيارة أجرة أو نذهب بعيداً إلى جانب البحر فنتجاهل صوت اصطدام لحادث سير وصرخة أم تهرع لطفلها وبالطبع سوف يعبر هذا الحادث من خلال شراييننا إلى غرفة القلب ومن خلال أعصابنا إلى جميع ممرات الذاكرة، غير أنه من السخف أن أخترع كل هذا وأتقمصه وأختصره في قصيدة جديدة. من السخف أن لا أزور إسبانيا واكتب قصيدة لمصرع رجل بقرنيْ ثور أو أن أريد في مستشفى وأخبركم بمعزوفات موسيقية لبيتهوفن عبر سماعات أذن ذات تقنية عالية. وبالطبع أسأل نفسي ما هو وضع المتلقي وأنا ألقي عليه هذا السخف فهل تكفي الكلمات لتضعه موضعي وتحمله من مقعده في مسقط لتنزله في مدريد؟!، وماذا عني أنا؟! في ظني سوف أكون بحاجة إلى المزيد من التصنع على المنصة كما كنت على طاولة الكتابة، فإذا نجح كل هذا فأنا ممثل بارع ولست شاعراً. في رأيي الشاعر لن يكون إلا شاعراً وكل ما كتبه من تلبيات لطلبات الآخرين فهو نجاح لحظي لمناسبة معينة كموت صديق صديقي الذي لا اعرفه فأرثيه بقصيدة باكية. وفي ذات السياق يضيف السوطي: في ظني إن لم يفكر الشاعر في أن يكون شاعراً فقط فلن يكون الحبر دَمَاً ولن تكون الكلمات والحروف شظايا زجاجة تساقط من القلب وعلينا أن لا نستخف بالإنسانية التي لم تأتِ لتكون كرسيّاً تجلس على كرسي.

الشعر مرآة عصره
للشاعر خليل الجابري رأي قد لا يناقض الشعراء الذين تطرقوا حول القصيدة الآنية وتفاصيلها وهنا يشير: الشعر مرآة عصره، و”الشاعر ابن بيئته” كما يقال، قد تحلّق بنا هاتان العبارتان نحو فضاءات رحبة لما لهما من دلالات واسعة تتجاوز حدود الشعر والشاعر وبيئته الأم التي ولد وعاش فيها، فالشاعر بلا شك يتأثر بالإطار الذي نشأ فيه ويؤثر فيه، فنجد أن محاكاة النص الشعري لعناصر البيئة التي نشأ فيها الشاعر ومفرداتها وهموم الإنسان وأحداث عصره وقضاياه المختلفة ضرب من من ضروب التأثير المباشرة للبيئة على شاعرها، ويضيف الجابري: في رأيي أن موكبة أحداث العصر وقضايا الأمة والإنسانية جمعاء كل ذلك مما ينبغي أن يكون حاضرا في شعر الشاعر، غير أن الشاعر أحيانا يهرب من واقعه المكتض بأحداث عصره الرتيبة فيخلق له واقعا افتراضيا يجد فيه مساحة أرحب للحرية والتعبير دون قيود.
كما أنه ليس من الضرورة أن مواكبة الشاعر لأحداث عصره دليل على براعته وفحولته في الشعر، فنجد بعض الشعراء سرعان ما يهرعون للكتابة بمجرد رؤيتهم أو سماعهم أو معرفتهم عن حدث طارئ وقد لا يوفّقون في إخراج نصٍ شعريٍّ يعبّر عن ذات الحدث ويصفه وصفا بارعا، مشتملا على مقومات النص الشعري: الفنية واللغوية والأسلوبية والدلالية.
وحول ما إذا كان للمتلقي دورٌ في مواكبة الشاعر للحدث يقول الشاعر خليل الجابري: أرى طبيعة الشخصية والأهواء الذاتية لدى المتلقي هي المقياس الذي يحدد نظرة المتلقي في مدى مواكبة الشاعر لأحداث عصره، فالمتلقون للشعر باختلاف مستوياتهم ينظر كل منهم للشعر من الزاوية التي تعنيه وتستهويه، فنجد أن بعضهم يهتاج لشعر الحماس والفخر، ويطرب بعضهم للوصف، وتقر عين الآخرين للغزل والنسيب، ويميل بعضهم للشعر القومي والسياسي، وهكذا في سائر أغراض الشعر. وعلى الصعيد اللغوي مثلا نجد علماء اللغة البصريين يقدمون امرئ القيس، والكوفيون يقدمون زهيز بن أبي سلمى، وأهل الحجاز يميلون للأعشى، في استشهاداتهم ومسائلهم النحوية خاصة واللغوية عامة، وما ذلك إلا لاختلاف ذائقتهم وخدمة لمسائلهم اللغوية.
وما إذا كانت الكتابة الآنية ستذهب مع خفوت الحدث يقول الشاعر خليل الجابري: من الطبيعي أن القصيدة ستخفت وتتضاءل بمرور الحدث غير أنها ستكون بين رهانين: الأول: ستشكل عبئًا على تاريخ الشاعر الشعري إن لم تلق عناية كبيرة منه في محاولة جادة لتجويدها ومعالجتها فنيًا وجماليًا فيتلقاها بكل سهولة ويسر مشرط الناقد فيصب عليها أليم نقده وتجريحه، الثاني: تكون لوحة مشرقة في جبين الدهر، وهي تلك القصيدة التي لاقت من شاعرها العناية الفائقة من التجويد.

إلى الأعلى