الخميس 27 فبراير 2020 م - ٣ رجب ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / مؤتمر برلين .. حضر الجميع وغابت ليبيا

مؤتمر برلين .. حضر الجميع وغابت ليبيا

فوزي رمضان
صحفي مصري

طالما كانت ليبيا مجرد بئر نفط، يتقاتل حولها كل ذي نفوذ، فإن الحل سينعدم، طالما اجتمعت دول العالم لإيجاد حل سياسي فقط للخروج بليبيا من مستنقع الانهيار فإن الفشل سيكون هو المصير. ليبيا أزمة مفتعلة وحلول غائبة، ومساعٍ غير حميدة.. ليبيا حيث ساقها القدر نحو عالم جشع، وضمائر ملوثة، وقوى متنطعة، وكأنها لم تبلغ سن الرشد بعد، فباتت تحت الوصاية الدولية.
لبيبا جرح مغلق على تقيحات وصديد، ويعلم الجراح ذلك، كيف لليبيا الحل السياسي ويمرح في ترابها أكثر من 280 ميليشيا مسلحة تعمل بالأجر، تمارس كل أنواع الابتزاز والقتل والنهب؟ ميليشيات تمتلك القرار السياسي نفسه، وتتحكم في الأرض، إذن على ماذا اجتمع المؤتمرون في برلين؟
إذن عن أي حل وجماعات الإسلام السياسي التي أسقطت في غالبية دول الشرق الأوسط ما زالت منتعشة في ليبيا رغم فشلها في كل الانتخابات الليبية؟ عن أي حل تتوقعون ونفس سيناريو برلين أجاده من قبل ممثلون في مؤتمر أبوظبي ومؤتمر الصخيرات، ولا حلول تمت، ولا عادت ليبيا، بل تمزقت أكثر وتناحرت أكثر؟ رفض المجتمع الدولي تشخيص الأزمة، أو تعامى عن الحل، أو تغافل عن العلاج الممكن. نعم لا حل إلا بحل كافة الميليشيات، وتسليم أسلحتها إلى الدولة، خلاف ذلك فلا حل. طالما يتناحر أبناء الوطن الواحد فلا حل، إذا لم يتفقوا على أرضهم ويتفاهموا، فهل ينتظرون الحل من الطامعين؟
في مؤتمر برلين تسعى الدول الأوروبية التي تراجع دورها في ليبيا إلى استعادة زمام الأمور، خصوصا بعد فشل المحادثات التي رعتها الدولتان في موسكو، التي غادرها حفتر فجأة، دون التوقيع على وثيقة وقف إطلاق النار.
مؤتمر برلين عندما تمارس ميركل لعبة الشطرنج في اختيار دول الحضور، أغفلت تونس دولة الجوار التي أطلقت تساؤلات عدة عن الجغرافيا والتاريخ وعمق الروابط، ومنفذ النازحين من ليبيا، أغفلت دولا داعمة لحكومة الوفاق، ودعت دولا داعمة لمعارضيها، أغفلت المغرب ودعت الكونغو. لماذا لم تدعَ سلطنة عمان كوسيط شريف ونزيه، ولها السبق في الوساطات الشريفة والنزيهة؟ إذن هناك تكتل أوروبي على استبعاد كل الدول التي لم تحسم موقفها من الأزمة الليبية، وأيضا يبدو أن هناك اتفاقا أوروبيا على سحب ملف ليبيا من دول بعينها.
البيان الختامي لمؤتمر برلين يركز على وقف إطلاق النار والمحافظة على آبار النفط ـ الهدف والغاية ـ إصلاح قطاع الأمن، واستعادة احتكار الدولة لقوة استخدام القانون، والعمل على دمج أفراد الميليشيات تحت سيطرة القوات الليبية الموحدة، طبقا للرؤية المصرية ومحادثات القاهرة.
القوى الدولية تسعى ومعها القوى الإقليمية لجني الثمار وتأكيد المصالح، أمراء الحرب لم يكتفوا بما جنوه من خيرات، وما تسببوا فيه من ضحايا وخراب الإنسانية، تجتمع في برلين إن لم يكن من أجل كعكة النفط، فمن أجل كعكة إعادة الإعمار لدولة مهدمة، منهارة بنيتها التحتية والفوقية، والمطلوب عقود بأكثر من نصف تريليون دولار لتعود ليبيا دولة كما كانت.
المجتمعون شغلهم الهدنة ووقف تسليح طرفي النزاع، وحماية النفط، لكن لم يشغلهم إهدار أموال الشعب الليبي على يد دول الابتزاز والميليشيات المسلحة، لم يشغلهم شعب يعاني أزمة في الصحة العامة، وانخفاض خزانات المياه الصالحة للشرب، بعد تدمير أكثر من 101 مليون قناة توزيع للمياه.. تركوا ليبيا أعواما ستة مسرحا للنهب والابتزاز، كان بيدهم الحل، كانوا يمتلكون قرار الحسم، لكن لشيء ما في نفس يعقوب، تركوا ليبيا.
ليبيا ودول الجوار المستهدفة بالمرتزقة الإرهابيين لا ينقذها سوى الوحدة والاتفاق على صون التراب الليبي، لا ينفعها سوى تحالف عربي ضد أي مستعمر أو تدخل أجنبي في الشأن الليبي، الحل بيدها (ما حك جلدك مثل ظفرك فتولى أنت جميع أمرك)، الداخل الأجنبي في الحل الليبي إما طامع أو صاحب مصلحة، أو لتصفية حسابات، أو من أجل توازن قوى، أو من حريص على أمنه، جميع الاتفاقيات ساقطة قبل أن توقع ليبيا الشعب، ليبيا الأرض والصمود، ليبيا عمر المختار، لم تستدعَ من قبل لأية طاولة مفاوضات.

إلى الأعلى