الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عندما تفصح المادة عن مكنوناتها ـ الهاشمي الجمل نموذجا

عندما تفصح المادة عن مكنوناتها ـ الهاشمي الجمل نموذجا

فن الخزف هو فن الزمن المنفتح على المستقبل حيث يثبت اللحظة بمادة من أقوى المواد وأكثرها صلابة هي مادة من رحم الأرض ونسلها ،فن عريق عمر الإنسان والأرض كريم وبخيل في ألا ينصاع إلا لمن أتقن أساليب ترويضه وتطويعه من خلال البحث المستمر والدائم عن قدرات المادة في التشكل وأيضا في اكاسيده وما تضفيه من ثراء وقوة للعمل وبهذا تفرز المادة عن مكنوناتها ويكشف الفنان ما بذاته ،تعلق بالتراث وانفتاح ومعاصرة ولنا في الخزاف التونسي الهاشمي الجمل خير دليل على ذلك فنان معروف في الساحة الفنية التونسية و في عدة دول في الخارج منها اسبانيا و التي اجرى فيها عدة تربصات و معارض جماعية و فردية اضافة الى العديد من المعارض الاخرى حيث يقول صديقه و رفيق دربه الخزاف التونسي محمد اليانقي في هذا السياق “عاش الهاشمي الخزف وعايشه منذ عدة عقود قضاها بين ارض الوطن وارض الفردوس تراث وحداثة ،صناعة تقليدية نهل من ينابيع البربر والعرب …تشبع بفن تونس وتراثها مزيج بين هذا وذاك ،طبق شهي …تستصيغها النفس وتحلق،تنضج بالدفء وتتفاعل فيها المواد ….تفاخر بثرائها وتصدع بثراء مرجعياتها .نهل من معين تراث البربر من وشمهم وعلاماتهم ورموزهم لتحل في لحم المادة الطينية فتسكن في أحشائها في أديم اللوح “.
خزفياته تصاهر بين التراث والحداثة بين اللون والملمس تعانق بين الناتئ والغائر في المية عذبة ،في عمق بليغ، وإفصاح صريح تتفاعل مواده بفعل النيران وتستقر تارة وتتمرد أخرى، كأنها رجع صدى لما كابدته هذه المواد و ما استوعبته من تدخلات وإضافات أشكال وكتل تلوح لنا سابحة في فضاء اللوح ، كأنها جاءت وافدة من أعماق بعيدة تراث بربري حي لا يموت، واستقرت على سطح خزفياته بعد مكابدة وانتفاض وصراع خامات ومواد عدة زخارف ورموز بربرية تضايفت تزاوجت وتعانقت في حميمية فسادت بينهم ألفة ووفاق غمر سطح اللوح زخارف وأشكال هندسية مثلثات وشكل الهلال كان حاضرا يتوسط اللوح إيذان برغبة في معرفة الغيب أو انتظار غائب سيعود..زخارف في تناسق لافت غمرته بدورها النار وأضفت سحرها فتحولت ألواحا تضرب باستلهاماتها في عمق الماضي ضامنة صفة الخلود والبقاء مستعيدة زمن الماضي البعيد رافعة تحدي المعاصرة .
خزفيات فيها من الطاقة والثراء ما يدفع المادة اللينة إلى معانقة الصلابة والديمومة خزفيات أخضعها لقدراته وإبداعاته اعد لها العدة الكاملة لتتكامل وتتفاعل ،تكامل عناصر مستقاة من تراث الأجداد وفق رؤية فنية معاصرة ومواكبة للتطورات الحديثة حيث ارتقى الهاشمي الجمل بالخزف الحائطي من الزخرفي إلى اللوح الفني لوح مسطح وعميق فضاء واسع للتعبير ولاستثمار وتطوير الزخارف الموروثة حيث التقت إبداعاته بتراث الأجداد والأندلس حيث يقول الهاشمي الجمل “اقتبست جل أعمالي من الأعمال التقليدية…” وبفنانين أمثال خوان ميرو، ارتيقاس و تابياس.
علامات ذات ألوان نقية ومتدرجة من النقي إلى الهادئ متقاربة درجاتها الحرارية متباينة قيمتها الضوئية تتخللها خطوط سوداء متقاطعة في أسفل اللوح ودقيقة متتالية في الأعلى لتكون شكل المثلث المتجه إلى الأعلى رسوم مجردة هشة رقيقة في شكل زخارف هندسية، مربعات هي الأرضية محاطة بأنصاف دوائر تذكير بشكل الهلال تحيط باللوح وتحتضنه في حميمية مطلقة لإدخال المحمل في الجملة التشكيلية ويكون بالتالي العمل كل لا يتجزأ. حلة نابعة من أعماق التراث البربري الزاخر بالرموز والمحفوف بالدلالات العميقة، مساحاته مخففة من الألوان النقية الهادئة فإذا بالفخاريات تبدو متسامية متعددة الأبعاد تحتضن ثنائية المحمل و الرسم مادة طينية مشاركة سطحها حاملة للعلامة ومعبرة عن طبائعها.
احتوت خصائص جمالية جسمت ربما بحث فناننا المتواصل على إيجاد تمظهرات جديدة لفن الخزف توازن كبير في حركة عناصر العمل على سطح اللوح ،تناسق وإيقاع ،زخارف متجاورة تارة ومتلاحقة حينا أخر تتكاثف في زاوية لتخفّ في أخرى، تاركة للعين مساحة للراحة وللتيه حركات زخرفية بديعة تضفي جمالية تلقائية جناها من موروث تقليدي تشبّع به ، اشبع من خلاله أعماله جمالية نسجتها علامات بربرية هي النقطة و المربع والمثلث …أنتجت بدورها زخارف أخرى إما بتكرارها أو بالتلاعب باتجاهاتها ، فالعلامة التشكيلية لديه هي أشكال هندسية يتلاعب بها بخفة يخلق من خلالها عالمه الخاص من الرموز البربرية تتناسق وتتباين على مستوى السمك و الحجم ، انسجام وتوافق بديع بين الشكل والخلفية أشكال متعددة ومتقابلة لتوليد نتائج بصرية زخرفية مثيرة تتناثر هنا وهناك على سطح اللوح بتحكم ودراية الفنان المقتدر.
اللون بمختلف درجاته وقيمه هو ما يساهم في تجريد الشكل والخلفية ، خطوط هندسية و أخرى غنائية لوح بمثابة المسرح الذي تلتقي فيه حركات ورقصات مصممة بإحكام وبإخراج فيه حنين كبير من صلب الفنان إلى الماضي إلى عاداته رغم سفره واستقراره مدة طويلة باسبانيا وتشبعه بفنهم إلا أن قناعاته وتمسكه بجذوره شاءت دون التخلي عن هذا الثراء فعاد مشبعا بالمعرفة ولكنه استغلها لتوظيف تراثه لشحن فضاءاته فرسم من خلاله و أنجز خزفيات رسمت شخصيته المتفردة .
أعطى محمل العمل أهمية كبيرة، خصوصية أضفت على خزفياته طابعا مميزا ترقص فيه العلامات و الرموز الهندسية بعفوية تعطيها المادة حضورا وبعدا جماليا إضافيا ،تلتحم فيه مع محملها ،يكتب من خلالها الفنان تفاصيل رحلته الطويلة و الشاقة والممتعة في نفس الوقت. أيضا رحلة هذه الرموز المتنقلة من الحرف التقليدية إلى مساحة العمل الفني بأصالته رموز وعلامات ترحل من هويتها القديمة لتنفض عنها غبار السنون ولتتجلى برؤية جديدة تعكس إبداعات خزاف يسكنه حب الفعل في المادة ،فتصبح معه أساس العمل الفني ومؤثثه حيث تتشكل وتصبح هي الزخرف قطع طينية ذات ملامس مختلفة قصت و ألصقت في تناسق وانسجام ارتقى بها ونفى عنها صفتها القديمة لتولد من جديد وتحمل دلالات ومعاني إضافية وتتبادل علاقات جديدة فيما بينها، انحناءات والتفافات هي مادة تشكيل تصاغ محورة مطوعة معبرة عن خصوصية تجربة ذاتية ذات ملامح مميزة معتمدة مادة الطين و خصوصياتها كمادة يتوحد من خلالها الإنسان كجسد وتاريخ بالأرض.
فيفعل فيها ويبرز قدراته وإبداعاته فجاءت الدلالات والرموز مع هذا الفنان متباينة بين غائر وبارز لمحاورة العين لتتذوق إيقاعات الحركة بالمادة وتوليفاتها من هندسة التراكيب وحتى الإطار وقع دمجه في العملية وأصبح عنصرا تشكيليا.. مادة فاعلة تتشكل ويتشكل من خلالها المحمل الذي تسكنه العلامة والزخارف و تصاهره بتباين تدخلات الفنان عليه ، علامات في انفصال عن معانيها و دلالاتها القديمة لاستغلال تعبيراتها و جماليتها الخطية في صور مختلفة.
علامات و رموز تلبس السطح وتلك المساحات الفارغة ليست اعتباطية فتصميم الحركة لدى الهاشمي الجمل ليس تصميم الأشكال والزخارف و حضورها فقط بل هو أيضا تصميم للفراغ الذي سيتم وضعها فيه . حين وضعها في فراغ أخر تختلف قراءاتها أي أن المساحات الفارغة هي لا تعد فضاء خاويا بل هي عنصر فاعل و مؤسس في خضم البنية التشكيلية، فتكون المساحة الفارغة ذات بعدين هي حاو لمجموعة عناصر تشكيلية تتبادل علاقات جمالية فيما بينها وهي محتوى هي فراغ وهي ملئ ،هي فضاء يحتضن التكوين وهي عنصر أساسي في هذا التكوين يستحيل بدونه قراءة ألواح الهاشمي الجمل التي ينصهر فيها المحمل مع العناصر المكونة له في تناغم تام يعكس شخصية الفنان المتميزة تنساب علاماته وخطوطه ألواحا ورسوما بالمادة ووفق نمط منظم يتلاعب من خلاله الفنان بين ثنائية الكتلة والفراغ ولعل ما زاد العمل جمالية هي تلك الملامس المتعددة التي أضفاها الفنان على علاماته لتحضر في حلة جديدة.
تختلف من خلالها القراءات وتتعدد بين الألواح الطينية والأعمال الثلاثية الأبعاد فتضفي على العناصر المكونة للعمل حيوية وقدرات إضافية، وتفرض علاقات حوار بين العناصر المكونة للعمل الواحد فتأخذ بالتالي هوية جديدة وتتكلم لغة تجريدية لها قدراتها المتميزة حيث تتجلى بطرق مختلفة باختلاف المواد المستعملة في التعبير.وان لم تحضر بنفس الكثافة في الأعمال الثلاثية الأبعاد إلا أن الزخارف والحياكة المنوّعة دائما تثري الشكل العام ،والذي لم يبتعد كثيرا عن الأشكال التقليدية ولكن بذكاء ودهاء كبيرين وظّفها لصالحه ،ونحن أمام أعماله تدهشنا قوته في تجريد الشكل العام دون الانسلاخ منه بين الفعل في المادة الطينية وأيضا في أعماله المرسومة يحاول دائما خلق حوارات تشكيلية متميزة من خلال حركة زخارفه، هي تارة متراكمة وأحيانا متباعدة ومتتالية مكونة أشكالا مختلفة ،علاقات بصرية متعددة ومتنوعة تجعل العين دائمة البحث متجولة في ثنايا العمل المبدع مستمتعة بهذا الخضوع اللافت للعلامة التراثية لمشيئة الفنان و رغباته ولكن مستمعة بانتباه لهمس العمل الفني بصوته الخافت إلى الماضي إلى الأصل.

دلال صماري

إلى الأعلى