الثلاثاء 25 فبراير 2020 م - ١ رجب ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التشكيل الصوتي للكلمة ودوره الدلالي (قراءة في بعض آي الذكر الحكيم) (2)

التشكيل الصوتي للكلمة ودوره الدلالي (قراءة في بعض آي الذكر الحكيم) (2)

.. ثم تأتي الكلمة الثالثة بتشكيلتها الصوتية الرهيبة:(أو مُدَّخَلاً) التي حدث فيها إبدال وتداخل حروف، وانقلابها حروف إلى حروف، فإن أصلها (مُتْدَخَلاً) على وزن (مفتعلاً) ثم تداخلت التاء في الدال بعد انقلابها دالاً، ثم شُدِّدَتِ الدالُ في الدال، وهذا يعني أنهم يبحثون عن أيِّ مكان يتداخلون فيه، حتى لو كان ضيقاً، لا يتسع لهم، وكأنك تتخيل مائة رجل قد دخلوا في مكان لا يتسع إلا لعشرة رجال فقط، فتضاغطوا، وتداخلوا، وتضاووا، والتحموا ببعضهم التحاماً شديداً، فصار رأس هذا في بطن ذاك، وصارت يدُ هذا في ظهْر ذاك، وقدمُ هذا في وجْه ذاك، وتعثرت أنفسُهم وأنفاسُهم، وعرقوا، وما وجدوا متنفساً، ولا بعض هواء يملأ رئاتهم من زحمة بعضهم بعضا، ومن تداخل وتضاغط حاصل ومستمر بينهم، فالكلمة بتشكيلتها الصوتية، وبنيتها الصرفية، وتداخل حروفها، وتضاغطها، والإبدال الذي حدث فيها، مع الإدغام الذي ترتَّب عليه يبرز حجمَ التعب، والضنى، ومدى الإرهاق الذي بذلوه جَرَّاءَ هروبهم، هذه الكلمات الثلاث: (ملجأ ـ مغارات ـ مدخلاً) بيَّنت بأنماطها الصوتية، وتغييراتها الصرفية، وتتالي حروفها، وترتيب تلك الأحرف بينت وأوضحت ما كان في دواخلهم من الخوف، والاضطراب من دخول الحرب، وعدم حبهم الشهادة في سبيل الله، مع أن أعمارهم ـ لو فطنوا ـ معلومة، فمهما كانت قسوةُ الحرب، ولهم عمر وأجل، فسوف يَنْجُونَ، وعلى النقيض من ذلك ، فلو كانت الحرب ضعيفة هينة، وليس لهم عمر ولا أجل، فمهما عملوا فلن يُخطئهم الموت، وسوف يأتيهم أجلهم:(.. إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، ولكنه الضعف، والخور البشري، والارتكان إلى الدنيا، وزينتها، ولهوها،والجري وراء متاعها الزائل، وزخرفها الخدَّاع، ثم يأتي بعد ذلك كله جواب الشرط بتشكيلته الصوتية العجيبة:(لَوَلَّوْا إليه وهم يجمحون(، والفعل (وَلَّوْا) لو تريثْتَ في نطقه، وأدركت كم يعاني اللسان في إخراج اللام الأولى مع اللام الثانية المشدَّدة لتخيَّلت أقدامهم، وهي مسرعة، لا تكاد تُرَى من أثر الجبن، وتوابع الخوف، وكأنهم يسابقون الأفراس، أو الخيول الجامحة، أو السيارات المسرعة، فالأقدام ظهر جريُها، واشتداده من خلال تلك اللام المشددة التي تبيِّن أن القدم لا تكاد تقع على الأرض، أو تراها العين، حتى تقفز إلى ما ترامى من الأرض، يسوقها الجبن، ويحملها الخوف، ويدفعها الوجل، على إعادة الجري مراراً وتكراراً، فالتشكيلة الصوتية للَّفظ رسمت صورة الجبن، وبينت حجم الخوف الذي يجعل صاحبه لا يلوي على سيء، ولا يلتفت وراءه، ولا يجد وقتا للحديث مع أحد، اللهم إلا تتابعَ الأنفاس، وتردُّد الشهيق، يتابعه الزفيرُ، كلٌّ يتردد في الصدر، وتسمع أصوات النفس تخرج من الأنف، ولا ترى إلا العرق يتصبب، والعين تتخذ طريقها الواضح أمامها، لا تلتفت، ولا نأبه لمن يمرُّ.
وقد صوَّرها القرآن الكريم بالخيول التي تجمح، والجموح هو عتوُّ الفرس عن أمر صاحبه حتى يغلبه، ويقال: فلان جامح، أي ركب هواه، فلا يمكن ردُّه عنه، وجمحتِ السفينةُ: تركتْ قصدها فلم يضبطْها الملاحون، وجمح به مرادُهُ: لم ينلْه، وجمحت المرأة من زوجها: خرجت غاضبة من بيته إلى أهلها، من غير إذنٍ قبل أن يطلقها، والفعل:(يجمحون) يدل على التأبِّي، والعصيان، والنفرة، وعدم اليسر، فهم يولُّون إليه مدبرين، مسرعين، لا يسمعون نصحا، ولا يأبهون لموعظة، وكلُّ همهم أن ينجوا بأيِّ شكل، وبأي أسلوب، وطريقة، والمضارع (يجمحون) يفيد الاستمرار، أي أنه سلوك حاضر ومستمر ومتتابع، وجمعهم القرآن الكريم في ضمير واحد، هو واو الجماعة التي يدل على أنهم جميعا قد مضوا بعقل واحد، وفكر واحد، ورأي واحد: أن يتنصلوا من المشاركة في الحرب، أو الدفاع عن دينهم،وأهليهم ووطنهم، وشرفهم، وممتلكاتهم خوفاً، وفزعاً، ووجلاً، فقد بيَّنت الآية على قلة عدد حروفها، وجمال تشكيلاتها الصوتية، وبنيتها الصرفية سعةَ دلالاتها، وجلال معانيها، وكل ذلك بان وظهر من خلال تشكيلات كلماتها الصوتية، وطرائقها اللغوية، أظهرت مدى ما عليه هؤلاء النفر أو الناس من خوف، ووجل، تصطك منه الأرجل، وترتعد منه القلوب، وترتجف النفوس الضعيفة.

د.جمال عبدالعزيز أحمد
جامعة القاهرة بكلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية.
Drgamal2020@hotmail.COm

إلى الأعلى