الخميس 27 فبراير 2020 م - ٣ رجب ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / مصر.. ثروة الغاز والمناكفات الخارجية
مصر.. ثروة الغاز والمناكفات الخارجية

مصر.. ثروة الغاز والمناكفات الخارجية

جودة مرسي:
أعلنت مصر في الخامس عشر من الشهر الجاري بدء تدفق الغاز الطبيعي إليها من الحقول الإسرائيلية الواقعة قبالة سواحل البحر المتوسط إلى مصر، ما سيمكنها من نقل كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، وتعظيم دورها كمركز إقليمي للغاز، وهو ما يسهم في دفع عجلة التنمية في مصر عبر الاستفادة من هذه النقلة النوعية، وتزامن الإعلان المصري مع إعلان وزراء الطاقة في مصر وقبرص وإسرائيل واليونان وإيطاليا والأردن وفلسطين، تدشين منظمة إقليمية للغاز.
أدى ظهور الغاز بكميات اقتصادية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط إلى جعل المنطقة مطمعا لكثير من القوى التي تريد أن تستفيد من هذه الاكتشافات ذات المردود الاقتصادي الكبير والتي تضم احتياطيات استراتيجية ضخمة (نحو 122 تريليون قدم مكعب، بحسب تقديرات المسوح الجيولوجية الأميركية)، مستغلة الاضطرابات الإقليمية التي تشهدها بعض الدول في المنطقة.
اكتشاف حقول الغاز في شرق البحر المتوسط أدى إلى اتخاذ مسار جديد للصراع بين بعض الدول بالمنطقة والتي تعيش توترات سياسية كبيرة، في العقد الأخير، فسارعت بتغذية هذه الصراعات بالتدخل المباشر وغير المباشر، إلا أن مصر استطاعت أن تؤمن حدودها وثرواتها من الغاز، بفضل ثقلها الإقليمي والدولي وخبرتها في إدارة قوة الردع، صاحبها قرار سياسي يتميز ببُعد النظر، تمثل في توقيع عقود ورسم حدود دولية مع الجيران تجنبا لهذه الأطماع والتي تحميها بطبيعة الحال قرارات سياسية وعسكرية قادرة على ردع أي أطماع خارجية.
منذ ما يقارب العامين وتحديدًا في 24/2/2018 ذكرت في تحقيق سياسي بـ”الوطن” الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية لهذا الاكتشاف الكبير في المنطقة، والذي سيعزز من قدرة مصر الاقتصادية، وما يواجه هذه الاكتشافات من أطماع إقليمية، وتناولت في التحقيق التنبؤات عن تحول الصراع العالمي من النفط إلى الغاز. بعد أن أصبح للغاز مكانة استراتيجية بنهايات القرن العشرين، في وقت تنبأ فيه الخبراء بإزاحته للنفط من على عرش المواد المولدة للطاقة في غضون عدة عقود، خصوصا وأن أسواق الغاز تتغير بسرعة كبيرة، وستصبح دول لم تكن على القائمة، من ضمن أكبر الدول المنتجة للغاز مع دخول دول جديدة.
كان لدى مصر رغبة في التحول إلى مركز إقليمي لصناعات الغاز لما تملكه من مقومات للتسييل، وتبلورت الرغبة فور اكتشاف حقل ظُهر، وإعلانها استخراج 400 مليون قدم مكعب يوميا، وبلغ إجمالي الاستثمارات فيه 12 مليار دولار، كما تقدر احتياطيات الحقل البالغ مساحته مائة كيلومتر مربع نحو 30 تريليون قدم مكعب من الغاز، أي ما يعادل 5.5 مليار برميل زيت مكافئ، ثم عرجت مصر نحو تسريع الإنتاج من حقولها المكتشفة حديثا، واستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتنحية الصراعات المتوقعة مستقبلا عبر سياسة ترسيم الحدود، فباتت الدولة الوحيدة في مجمل الدول الباحثة عن غاز شرق المتوسط التي لها حدود متفق عليها، بخلاف بقية الدول التي تقع على حدود مشتركة لإقليم شرق البحر المتوسط.
عمليات التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط تؤجج نيران الأزمة الإقليمية المحتدمة بين الدول المشتركة في حدود الاكتشافات الغازية، وقد يتطور الصراع متعدد الأطراف إلى مناكفات إقليمية تصل في آخر المطاف إلى حرب إقليمية ـ ندعو الله أن توأد في مهدها ـ فهذه الاختلافات المصحوبة بأطماع الفوز بثروات هائلة ترسم في الأفق خريطة جديدة للصراع قد تجر المنطقة لحرب كبرى تتشابك فيها المصالح الاقتصادية مع الخريطة السياسية التي يجرى رسمها للمنطقة بتدخل أطراف من خارج المنطقة، إلا أننا نثق في قدرة صناع القرار المصري على التصدي لمثل هذه الأطماع وإيقافها ووأدها في المهد لما تملكه مصر من أدوات ردع جديرة بحماية ثرواتها، إما دبلوماسيا أو سياسيا أو عسكريا. تستطيع من خلال هذه الأدوات إيقاف أي أطماع لعودة الامبراطوريات السابقة إلى المنطقة وحماية الثروات العربية.

إلى الأعلى