الخميس 27 فبراير 2020 م - ٣ رجب ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / جونسون وترامب

جونسون وترامب

د. أحمد مصطفى أحمد:
خيَّب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، على الأقل حتى الآن، توقعات منتقديه بأنه سيجعل بريطانيا مجرد تابع للولايات المتحدة بسبب علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. ومع أنه لا يخفى أن الانسجام بين الرجلين هو أفضل كثيرا مما كان بين رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تريزا ماي والرئيس ترامب، إلا أن جونسون حرص منذ خلافتها في تغيير زعامة الحزب العام الماضي على ألا يبدو “قريبا جدا” من ترامب ومواقفه وسياساته ـ خصوصا الخارجية. وحين زار الرئيس ترامب لندن قبل الانتخابات المبكرة في بريطانيا بأيام الشهر الماضي حرص جونسون وفريقه، بالتنسيق طبعا مع ترامب وفريقه، على ألا يتصرف الرئيس الأميركي بطريقة يمكن لحزب العمال المعارض في بريطانيا استغلالها للقول بأن ترامب يؤيد جونسون وحزب المحافظين الحاكم. فمسألة التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية ما زالت تمثل حساسية شديدة، على رغم “العلاقة الخاصة” التي تربط بريطانيا بأميركا بغض النظر عن الحزب الحاكم في البلدين.
صحيح أن ترامب لا يخفي إعجابه بجونسون، حتى قبل أن يخلف ماي في زعامة الحزب ورئاسة الحكومة، وعادة ما ردد تأييده لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست). وهناك الكثير مما هو مشترك بين الرجلين في تصورهما لطريقة الحكم وحتى النظرة لقضايا العالم. لكن بوريس جونسون ليس بالخفة والفجاجة التي يتسم بها الرئيس الأميركي أحيانا، حتى لو بدت تصريحاته وتصرفاته السياسية صادمة أحيانا للطبقة السياسية البريطانية التقليدية. فترامب يأتي من خلفية عائلية عملت بالسمسرة العقارية وتربيته في نيويورك في محيط من السماسرة والمضاربين إلى جانب ظروف أسرية تتسق مع هذا المحيط وليس نخبة المدينة التي تمثل جزءا من “المؤسسة” في الولايات المتحدة. كما أن الرئيس الأميركي جاء إلى البيت الأبيض من خارج النظام تماما، فلم يسبق لترامب أن عمل في وظيفة حكومية أو انتخب لمنصب سياسي على أي مستوى، ولا حتى المستوى المحلي في نيويورك.
أما جونسون فيأتي من أسرة متمرسة في الخدمة العامة، حتى عمل والده الخاص فيما بعد لم يكن بعيدا عن “المؤسسات الرسمية”، البريطانية والأوروبية والأميركية، وتلقى الرجل تعليمه في أفضل المدارس والجامعات البريطانية. كذلك بدأ رئيس الوزراء البريطاني حياته العملية مراسلا صحفيا من بروكسيل، عاصمة الاتحاد الأوروبي، وترقى حتى تولى رئاسة تحرير مجلة اسبكتاتور التي تعد المنفذ الإعلامي العتيق للمحافظين في بريطانيا. كما تمرس جونسون في الخدمة الحكومية والعمل العام، إذ انتخب لسنوات نائبا في مجلس العموم (البرلمان) البريطاني وانتخب لفترتين عمدة لندن وعمل وزيرا للخارجية في حكومة تريزا ماي. ومع ما يبدو من أن مواقف وسياسات جونسون بعيدة عن “المؤسسة التقليدية” للحكم في بريطانيا، إلا أنه في الواقع يبدو أحرص عليها ـ حسب تصوره طبعا ـ والأقدر على تجديدها بما يضمن استمرارها.
لكن هذا التباين في الخلفية والخبرة لا يعني أن بريطانيا بقيادة بوريس جونسون لن تكون أقرب إلى أميركا ـ بقيادة ترامب أو حتى بقيادة رئيس من أي من الحزبين الجمهوري أو الديموقراطي ـ منها إلى أي بلد آخر في العالم. إنما الفارق هنا أن حزب المحافظين البريطاني تقليديا أقرب إلى الولايات المتحدة منه إلى أوروبا، وأن بوريس جونسون من بين المحافظين متحمس لهذا التوجه. وأضيف إلى ذلك كيمياء التناغم بين جونسون ومن يسكن البيت الأبيض في هذا التوقيت. لكن، كما أسلفنا فإن ترامب الذي يغرد في تويتر بما يرد على ذهنه غير عابئ بأصول وتقاليد المؤسسة السياسية الأميركية يتصرف بوضوح يصل إلى حد الفجاجة في التعبير عن هذه العلاقة. أما جونسون، ورغم حماسه وعدم تقليديته فهو يعرف المؤسسة السياسية البريطانية ولا يريد الإضرار بها وإن رغب بشدة في إخراجها من الجمود.
لذا، لا يفعل جونسون مثل ترامب فيما يتعلق بأوروبا مثلا. فترامب يهدد ويتوعد وأحيانا ينفذ سياسات آنية بغض النظر عن الأعراف والتقاليد ـ والغريب أنها تنجح في أغلب الأحيان، لكن تلك قصة أخرى. أما جونسون فيعرف أن أوروبا هي سوق بريطانيا الرئيسي، مهما كانت العلاقات مع الولايات المتحدة مستقبلا، وأن أمن وتطور بريطانيا مرتبط بالقارة الأقرب إليها أكثر منه عبر المحيط غربا. ومع أن المحافظين، وجونسون تحديدا، أكثر حماسا للبريكست إلا أنه لا يريد المغامرة بعلاقات متوترة مع القارة الجارة. حتى في تفكيره في تعزيز العلاقات مستقبلا بين بريطانيا وأميركا باتفاق تجارة شامل وواسع لا يريد أن يبدو ذلك بديلا عن علاقات التجارة والاستثمار مع أوروبا ويرغب في تفادي أي تعقيدات للعلاقة مع أميركا قد تبرز نتيجة ترتيبات الانفصال عن أوروبا خلال عام أو عامين.
وحتى الآن، حرص بوريس جونسون ونجح إلى حد كبير في إثبات أن اتهامات المعارضة له بأنه يريد “بيع بريطانيا” لأميركا غير صحيحة، وأنه ليس “تابعا أقل درجة” للرئيس الأميركي دونالد ترامب. ولا شك أن تفهم ترامب وفريقه لموقفه ووضعه الداخلي، وحتى مع أوروبا في مفاوضات البريكست، ساعده على تخييب آمال المعارضة في النيل منه.

إلى الأعلى