الخميس 27 فبراير 2020 م - ٣ رجب ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أدبيات الاستشراق و”الحريم” (1)

أدبيات الاستشراق و”الحريم” (1)

أ.د. محمد الدعمي

على الرغم من اقتناع العديد من نقاد وباحثي “الاستشراق”، واكتفائهم بالجهود الوصفية المبسطة المكرسة للمرأة المسلمة عبر نصوص الاستشراق، لا بد للمرء أن يشعر بأنهم قد تجاوزوا أبعادا أخرى مهمة في كامل الخطاب المضاد للإسلام دون ملاحظة كافية. بدليل أن التعامل مع “الحريم”، تقليد وظاهرة اجتماعية وثقافية، إنما قد أماط اللثام عن عدد كبير من التعقيدات النفسية الغربية المبطونة التي تتطلب الاستخراج والتحليل على سبيل بلوغ فهم أفضل لموقف العقل الغربي حيال الإسلام والمجتمعات المسلمة، ماضيا وحاضرا. لذا، تشكل ملاحظتي أعلاه افتراضيتي الأساس لكتابي الجديد (الحريم في أعين المستعمر)، إذ التي تفيد بأن هؤلاء الكتاب الغربيين قد استغرقوا في إساءة توظيف “الحريم”، مقارنة بوصفها المجرد. وعليه، أصبو هنا لأن أدرس هذا الموضوع عن طريق وضعه في مكانه الصحيح بضمن تعقيد الخطاب الغربي حول المجتمعات المسلمة التي ـ كما يرونها ـ تعاني آفة مرضية غير قابلة للعلاج تنبع من معطيات جزء أصلي في التقليد الروحي الذي تحتضنه، مع إشارة خاصة إلى تأثير الإسلام التاريخي عامة على المجتمعات المسلمة، بل وعلى ما جاورها، جغرافيا، من جماعات غير مسلمة عبر قارات العالم. لقد تم اعتماد هذا المدخل المختل في الاستجابات الأولى للإسلام في العصر الوسيط بوصفه، دينا استفزازيا كان قد شكل تحديا مزدوجا، ثقافيا وعسكريا.
وفي سياق فصول الكتاب، تم استحضار الافتراضية أعلاه على سبيل اختبارها عبر الإشارة إلى الانطباعات والمراجعات المبكرة التي اضطلع بتسجيلها الرحالة والكتاب عامة حول أوضاع النساء المسلمات، جهدا “تحذيريا” يهدف إلى صد اندفاع المسلمين الأوائل عبر أقاليم الجوار لما كان يعد “العالم المسيحي” Christendom. لقد انطلق جهد هؤلاء الكتاب المبكرين من محاولة لتشويه صورة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، أي الرجل الذي أطلقوا عليه عنوان “مؤسس” الإسلام، تعسفا.
على الرغم من أن توظيف لفظ “الحريم” harem العربي قد جاء في عصور متأخرة تالية، ربما يعود إلى عصر الدولة العثمانية، إلا أنه قد تطوّر عبر السنين كي يكتسب “هالة” من الدلالات والمعاني السلبية التي أشير إليها عبر فصول الكتاب.
ولكن على الرغم من توظيفه على نحو دوني لتأشير حال النساء المتردية بداخل مجتمعاتهن المتخلفة، بقي لفظ “الحريم” موظفا من قبل المؤلفين الغربيين على سبيل تقوية وتعميق عدد معين من الاتهامات الموجهة ضد الإسلام وضد المجتمعات التي تعتنقه. ومن منظور أبرز هؤلاء الكتاب الغربيين، بدا الحجاب الذي يلف النساء وكأنه يجسد النفاق الاجتماعي المجسد باستعراض التدين في المجتمعات الإسلامية التي لم تكن متدينة حسب رأيهم، مع إشارة خاصة إلى حكايات (ألف ليلة وليلة). وزيادة على ذلك، فقد خدم الحجاب مستفِزا وحاثا للرغبة في كنه غياهب وخفايا ما يلف بداخله من عجائب، كما كان المؤلفون الغربيون يفترضون. وتأسيسا على المعنى أعلاه، أوقدت فكرة “العالمين” (عالم للرجال، وآخر للنسوة) خيالات الغربيين بسبب انطلاقهم الأولي من أن النساء يستعرضن العفة أمام أنظار العامة، ولكن على نحو يناقض حقائقهن كما تتجسد داخل دورهن، حيث يتصرفن على نحو هو بدرجة من الشهوانية والتحرر، أنه يقترب من حدود “الإباحية”، وبضمن ذلك تأتي أكثر الممارسات التي يمكن للمرء أن يتخيلها، بكل تأكيد. حتى لوحات المستشرقين الفنية، فإنها ترسم نسوة مغريات يقطرن شهوانية، عاريات في ملابس من الحرير الشفاف، سوية مع خادماتهن، وفي أوضاع توحي بما جاء أعلاه إضافية لإثارتهن الناظر، وهي حال يوحون بأنها متوقعة من مثل هذه الحالات وقوامها العزل والحرمان من الجنس الآخر. هذا النوع من الحياة المزدوج الطبيعة يدفع بالنساء إلى الاستجابة لخيار واحد، وهو القبول بــ”مؤسستي” الطلاق وتعدد الزوجات، كما يرى أغلب النقاد الغربيين. أما المسلمون من الرجال المتنفذين والأغنياء، فيتمتعون بحريمهم، خصوصا وأنهن يضطررن للتنافس من أجل الفوز بعنايته واهتمامه: إذ يرمى منديله على عتبة “دار” واحدة منهن كل ليلة.
وهكذا، تشتعل نيران الصراع “الداخلي” بين الحريم من أجل رجلهن كل يوم.

إلى الأعلى