الأربعاء 26 فبراير 2020 م - ٢ رجب ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / دنيا المرء مرآة لأخراه

دنيا المرء مرآة لأخراه

سعود بن علي الحارثي

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
أو تذكر سالما المتبرم دائما الحزين بدون سبب، الغضوب لأي موقف وإن كان تافها؟ نعم إنه الشخص نفسه الذي عاشرناه طويلا في مرحلة الدراسة وخططنا أكثر من مرة في إعداد المقالب المصطنعة لإثارته وإغضابه، في شقاوة لا معنى لها إلا الاستزادة في اللهو والمرح وإن كان على حساب الآخر… ولكنها شقاوة الطفولة ومرح الشباب لهما استثناءاتهما. وأحمد الضاحك المقبل على الحياة بحيوية وبشاشة، المتفائل دائما، البسيط في تعامله مع مفردات الحياة، الذي لا تفارق الابتسامة محياه ولا يخلو حديثه من نكتة تنثر البهجة في نفوسنا درجة أننا لا نمل رفقته ولا الاستغناء عن صحبته، أو تذكره؟ … وطلال الخجول المؤدب المنعزل عن الناس الذي نادرا ما كنا نسمع صوته، آه، كأن الحياة لم تتحرك والزمن ما زال ثابتا وطلال كما عهدناه فتيا … وعلي نعم الرجل المثقف المطلع على الكثير من الحقائق المرتبطة بالحياة والإنسان، الملازم دوما للكتاب، الحكيم كما كنا نطلق عليه، لأنه لا ينطق إلا دررا، هل تذكر نصائحه ومواعظه وحججه الثمينة؟ ومناقشاته الثرية المتنوعة في كل حقل وتخصص؟… وسعيد طيب القلب الذي رافقنا لزيارة صديقنا المريض قبل عدة أيام وكأنه لا يزال بيننا لم يفارقنا طيفه بعد … سؤال نطرحه أو يطرح علينا باستمرار، تعقبه تلك العبارة الحزينة التي تخلف في النفس المرارة والأسى، لقد فارق الحياة، قبل أن يرى ابنه المنتظر، أو ينتقل إلى منزله الجديد الذي يوشك على الانتهاء، أو يبني على زوجته التي عقد عليها قبل شهر من وفاته، يا سبحان الله لقد رحل عن دنيانا وهو على وشك الزواج أو التخرج أو الاحتفال بمنزله الجديد … بسرعة غير متوقعة، في حادث مروع خطفه من أسرته وأحبائه، أو مرض عضال لم يمهله كثيرا من الوقت، أو أزمة قلبية فاجأته في مقتل، (تعددت الأسباب والموت واحد). لقد كنت برفقته، نبتهج ونمرح، أو لمحته مصادفة، أو هاتفته للاطمئنان عليه … قبل يوم أو ساعة أو دقيقة، هل يعقل أنه قد رحل عن دنيانا بهذه السرعة؟ ولا تزال رسائله وتغريداته ومشاركاته في حساباته في التويتر والفيسبوك ورسائله على الخاص طرية ندية لا تصدق أن علاقته بها قد انقطعت. القائمة تطول والأرقام تتوالى والأسئلة تحتشد وتتراكم. يختلف الأسلوب والأسماء والشخوص، والنهاية هي القاسم المشترك، الموت، الفراق، يخلفان الحزن (كل نفس ذائقة الموت)، الحقيقة المفقودة الضائعة من بالنا في لحظات الخصام والتفاني في ملذات الحياة التافهة وتحميل الأمور ما لا تحتمل والصراع على المصالح الفانية والإفساد في الأرض وانتزاع اللقمة من أفواه الفقراء والبسطاء… نتمتم ببضع كلمات، تعبر عن الموقف، نهز رؤوسنا أسفا، نضع يدا على يد، صنيعا يبرهن على العجز والضعف، نشارك في المراسم جنازة وعزاء، نتعظ برهة من الزمن، نجري تعديلا في خططنا واتجاهاتنا وبرامجنا وإصلاحا في سلوكنا وتعاملاتنا ونطلق الكثير من الوعود والشعارات ساعتها، لتتوافق مع الموقف المعبر: العمر قصير، النهاية حتمية، الموت على الأبواب، الدنيا لا تستحق هذا التفاني والانغماس في ملذاتها واستجلاب المشاكل والخصام، لقد أنسانا بريق الحياة حقوق الآخرين … وتتلاءم مع كتلة الأحاسيس والمشاعر الطارئة، وتنسجم مع يقظة الضمير المؤقتة، وما هي إلا سويعات حتى تتلاشى اليقظة الطارئة وننسى أو نتناسى في الحقيقة تلك المثل وننصرف عن الحقيقة التي لا مراء فيها وكأنها كتبت على أولئك واستثني الأحياء من ربقتها منطلقين في طريق الملذات المشبوهة والمحرمة والمتجاوزة للأعراف والقوانين والمنطق، نمضي قدما في انتهاك القوانين جريا وراء مصلحة شخصية، نخاصم هذا ونعتدي على ذاك بغيا وعدوانا وطمعا، تعاود الشرور والأفكار السوداوية والشكوك غير المبررة وإطلاق الاتهامات وتضخيم الاشاعات والتطاول على حرمات الناس … إنه الموت، الحقيقة الغائبة، التي تهزنا هزا، وتوقظنا من سبات طال أمده درجة النسيان، كيف حدث ذلك؟ إنه الموت الذي يأخذ الأحياء بدون سابق إنذار، ينتشلهم من أحضان أحبائهم وأعدائهم وأموالهم بأسرع مما يتصورون، إنه النفس المتحرك الشبيه بعقارب الساعة المعرض للتوقف في أي لحظة، إنه ضوء الحياة الذي سرعان ما ينطفئ لتتوقف الحياة، إنه الفارق الزمني الفاصل بين مرحلة ومرحلة، تنتهي الأولى وكأنها غمضة عين، لتبدأ الثانية محفوفة بالغيبيات (تمازج الحقيقة مع الأسطورة)، جاشت نفس شوقي وهو يتصور تلك اللحظة الزمنية الفاصلة، التي تجلت له دون شك في موقف عصيب كالذي أشرنا إليه، نعى نفسه وودع الحياة والأولاد والأصدقاء (إني أمرؤ انتهى، فسلام على أولادي وأصدقائي).
لحظات الفراق، مواكب الجنازات، قائمة الأحبة الذين غيبهم الموت، تحمل دروسا وعبرا ومواقف صادقة، تعبر تعبيرا حيا عن حقيقة الحياة، واقع الإنسان، مصيره، نهايته، مواقف تستحق أن يتوقف المرء إزاءها متأملا متدبرا قارئا مستدركا مسيرة حياته، التقرير الموثق في صحيفة الماضي، أهدافه وخططه المستقبلية… توظيف دروس النهاية الحتمية من أجل مصلحة الإنسان لحاضره ومستقبله، الإنسان الذي يقضي الأيام القصيرة من عمره في سفك الدماء البريئة، وفي صراع محتدم وعنيف مع أخيه، ومع مكونات البيئة ومفردات الحياة المتعددة، في النزوات والأهواء الفاسدة، وتحميل الحياة وشؤونه ما لا تحتمل من الهموم … بدلا من أن يضعها في خدمة الآخرين وفي التعاون معهم لتحقيق أهداف ذات قيمة وفي فعل الخير وفي التفكر المفضي إلى صلاح الإنسان والبيئة وفي نشر ثقافة الحب والمثل الطيبة فـ(كلما كان الرجل فاضلا قل خوفه من الموت)، ويقول الشاعر العربي:
(تأمل في الوجود بعين فكر تر الدنيا الدنية كالخيال
ومن فيها جميعا سوف يفنى ويبقى وجه ربك ذو الجلال).
إن واقع الإنسان السائر به إلى مراحل عمرية أكثر تقدما، إلى الشباب فالشيخوخة والضعف والمرض والفناء، (إن الإنسان لفان)، وما تعرضه لنا الحياة من مشاهد مؤلمة وأحداث موجعة لأحبة وأصدقاء وإخوان وروابط علاقات متعددة يتخطفهم المرض والشيب والموت، وتتقاذفهم أمواج الأيام والليالي العاتية وفخاخها وشراكها المحتشدة من كل حدب وصوب… لمما يدعونا ويدفعنا إلى التدبر والتفكر بعمق لنحسن من أفكارنا وثقافتنا وتعاملاتنا اليومية، وأن نستكين إلى راحة البال والطمأنينة والتصالح مع النفس، والتمعن والتريث في الأمور والنظر في كل الخيارات والمسارات المتوافرة قبل اتخاذ الخطوات المندفعة والقرارات المتسرعة المنفعلة، فنلتمس العذر قبل توجيه الاتهام، ونستبق العفو بدلا عن العقوبة، ونأخذ جانب التغاضي والتجاهل والتسامح والتسامي، لا التنطع والتلاسن والتشاتم والتحاسد، وأن نوظف الأوقات ونستثمر الثواني والدقائق في تحقيق فائدة علمية، والإبحار في صفحات الكتب، وزيارة رحم، وقضاء حاجة محتاج، والتدبر في ملكوت الله، والاستجمام بين الطبيعة والمدن ومع البشر، والترفيه عن الأسرة والنفس وإسعادهما، وضبط إيقاع الحياة بما يخلق التوازن بين متطلبات الحياة والعقل والجسد والروح… فالحياة قصيرة والعمر ينقضي بأسرع مما نتصور، فهنيئا لمن أدرك الحقيقة وتكشفت له حجبها وعمل عملا صالحا يصلح له دنياه وآخرته، فإصلاح الفرد وتهذيبه نفسه، فيه إصلاح وتقدم الأمم والأوطان ووقايتها من الفساد والتفكك والفوضى.

سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى