الإثنين 28 سبتمبر 2020 م - ١٠ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: حكمة قابوس .. سر إلهي (3)

شراع: حكمة قابوس .. سر إلهي (3)

خميس التوبي

قدمت عمان في انتقال ولاية الحكم بتلك الصورة الوطنية الرائعة والمعبِّرة والتي شاهدها الملايين على الفضائيات شهادة أخرى في القيم والمبادئ، ومظاهر الأمن والسلم والاستقرار، والشموخ والمجد والاعتزاز، وعن جدارة واستحقاق، فمضت مراسم نقل ولاية الحكم كما أراد لها جلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله وطيب ثراه ـ بأن تكون عمان المثال المُحتذَى والقدوة الحسنة، وأن ما آمنت وعملت به هو ليس تصنعًا أو تمظهرًا، وإنما هو إيمان عميق وراسخ يستمد جذوره من غابر الأزمان كانت الإشادة النبوية من خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم ـ وهي وحي إلهي ـ مصدقة على ذلك، حيث جاء في منطوقه الشريف: “لو أهل عمان أتيت ما سبوك وما ضربوك”. وفي الامتناع عن السب والضرب مضمون واضح لمعاني السلام والتآخي والتواد والمحبة، وقبول الآخر والأخذ النافع من عنده وترك غير النافع.
فمعاني الحكمة والسلام حضرت بكل قوة، وكانت الروح الوثابة في كل تفاصيل المشهد الحزين الذي عاشته عمان لفقدها رمزها الكبير ومؤسس نهضتها الحديثة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ رحمه الله وطيب ثراه ـ وبرزت بشكل مُثيرٍ للفخر، ومُؤكِّدٍ للتراث والتاريخ والحضارة لعمان وقياداتها وشعبها، بدأ من السلام الذي التحفت به عمان عن بكرة أبيها ساعة علمها بالنبأ العظيم عن المصاب الجلل برحيل قلب هذا الوطن عبر بياني مجلس الدفاع وديوان البلاط السلطاني، وتحوُّل عمان إلى بيت عزاء تسكنه روح السلام والمشاعر العظام تجاه من أضاء أنوار السلام والحكمة في عمان والعالم.
وبعيدًا عن المبالغة، لم يكن كل عماني يعلم أن رجل الحكمة والسلام لم يترجل عن صهوة جواده دون أن ينشر روح السلام وهو إلى جوار ربه عبر الترتيب الفريد الذي صنعته حكمته وعبقريته المعهودتان لتظل عمان مستمرة في التنعم بالسلام، وأنها وإنسانها لا مساومة في مكانتهما وسموهما لديه، فقد ربَّى رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولاؤهم وانتماؤهم للوطن ولقيادته، تجلَّت مفردات تينك (الحكمة والعبقرية، وصور الولاء والانتماء) في التواضع الجم أمام إرادة الله والتسليم بقضائه، بدءًا بمراسم الجنازة المتواضعة ـ كما أرادها جلالة السلطان الراحل ـ ليعلمنا أن الإنسان مهما علا شأنه بين أمته، ومهما حظي بحبهم وتقديرهم، فإن التواضع لمالك الملك، والتذلل له لا بد أن يسمو في يقين الإنسان ووجدانه، ويقوِّي به إيمانه، وهذا يرجع إلى التربية الدينية والصالحة التي نشأ عليها السلطان الراحل ـ رحمه الله. كما تجلَّت الحكمة والعبقرية والولاء والانتماء في قوات السلطان المسلحة والحرس السلطاني العماني وشرطة عمان السلطانية والأجهزة الأمنية من رأس هرمها وحتى قاعدتها، حيث قدم رجالاتها أنصع الصور الوطنية التي ستظل مفخرة لهذا الوطن، وخبرًا تتناقله الركبان، ويُخط بحبر الولاء والانتماء في تاريخ عمان الحديث، والذين حملوا على أكتافهم الجثمان الطاهر، وسط تنظيم رائع لجنازة عسكرية متواضعة كما أرادها المغفور له بإذن الله تعالى، وكذلك قيام مجلس الدفاع بفتح رسالة جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ رحمه الله ـ بعد تلقيه ردًّا كريمًا من مجلس العائلة المالكة بذلك، حيث أكد صاحب السمو السيد فهد بن محمود نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء أثناء فتح الرسالة “وافق مجلس العائلة بعد الاجتماع على تثبيت من هو في الوصية الذي تفضل بها جلالته ـ رحمه الله ـ إكرامًا لهذا الرجل وتقديرًا له وتعزيزًا لمكانته ولسمعته وسمعة عمان أمام الغير، فنحن كلنا هنا أمام مسؤوليات جسام، وعلينا أن نبذل كل جهد في سبيل هذا البلد، وفي سبيل تقدمه والحفاظ على أمنه وسلامته”.
على أن الصورة الوطنية بالانتقال السلس للحكم، والتي رسمها كل من مجلس العائلة المالكة ومجلس الدفاع ومجلس عمان تعكس الإرث الحضاري والتاريخي لعمان وترسخه، وتعكس عظيم الثمار لأشجار الحكمة والسلام وعبقرية القيادة التي غرسها جلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه. وهي الصورة التي لم تخطر على من كل شاهدها من خارج عمان بأن من يفتح رسالة السلطان الراحل ليس مجلس العائلة المالكة، ومن يعلن من ورد اسمه في الرسالة ليس من العائلة، فبدا المشهد للمتابع أن عمان بأسرها جاءت لتنصب وتبايع من ورد في الرسالة ووقع عليه الاختيار ووافق عليه مجلس العائلة المالكة ليكون سلطانًا لعمان.
ومن المؤكد أن الذين تابعوا مراسم فتح الرسالة وتنصيب من أوصى به السلطان الراحل ـ رحمه الله ـ وهو جلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ لم يغب عنهم بأنها كانت مفعمة باللمحات الدينية والبلاغية وكلمات السلام والاستقرار والأمن ووحدة الصف في كل الظروف، سواء من حيث مقدمة الرسالة وافتتاحها، أو من حيث التذكير بجسامة المسؤولية، أو من حيث التوكل المحض على الله سبحانه وتعالى والرغبة الصادقة والأكيدة في ضمان استقرار البلاد، والنظرة الثاقبة والرؤية الحكيمة في اختيار خير الخلف، ثم الدعوة لمبايعته بصورة بلاغية وصادقة في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، والتوجيه الأمين بأن يكونوا السند المتين، والناصح الأمين، معتصمين دائمًا تحت قيادته بوحدة الصف، والكلمة، والهدف، والمصير، متجنبين كل أسباب الشقاق والفرقة، والتنابذ والتناحر، عاملين بقوله تعالى: “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم”.
نعم، قابوس يصنع السلام ويمد ظلاله الوارفة حاضرًا ويحييه راحلًا بنظرته الثاقبة ورؤيته الحكيمة بوصيته التاريخية بالرسالة الموجهة إلى مجلس العائلة الكريمة، ليحمل من بعده رسالة عمان السلام والحكمة رجل عدل ثقة ظل طوال خمسة عقود تحت ناظريه وبرعايته الكريمة، فجاء خير الخلف كما وافقت مشيئة الله الرغبة الصادقة، وليكون حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ حامل راية عمان إلى العُلا والمجد والرقي والتطور، مواصلًا المسيرة الظافرة، تحفُّه رعاية الله وعنايته، والتفاف أبناء عمان الأوفياء حوله، متطلعين جميعًا إلى إنجازات أعظم، ومكتسبات أروع.

إلى الأعلى