الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات ..الانجليز والهولنديون … ولعبة المصالح في الخليج ( 2 )

تاريخيات ..الانجليز والهولنديون … ولعبة المصالح في الخليج ( 2 )

أصبح الهولنديون متفوقين منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر تفوقاً تاماً على المستويين العسكري والتجاري، وبدأوا يعملون على تقوية نفوذهم في الخليج. ففي عام 1670م استأجرت شركة الهند الشرقية الهولندية أحد الأبنية في مسقط، واتخذت منها مكتباً لتسهيل أمور البريد الخاص بها، وفي عام 1672م نجح الهولنديون في توطيد مركزهم في كل من البصرة وبندر عباس، وفشل الإنجليز رغم محاولتهم التحالف مع اليعاربة في عمان في إقصاء الهولنديين عن تلك الأماكن التي اصبحت تحت نفوذهم.
وأصبح النفوذ الهولندي يتجه إلى التصاعد في عام 1677م كما يفهم مما ذكره جون فريرFryer عند زيارته للخليج في ذلك العام. ولكن مما يسترعي الانتباه ذلك التدهور المفاجئ الذي تعرض له النفوذ الهولندي في الخليج العربي والمحيط الهندي، ولعل أبرز عوامل ذلك التدهور ترجع في أساسها إلى الحروب المتتابعة التي خاضتها هولندا ضد انجلترا خلال الفترة بين عامي 1652 – 1674م، إذ نتج عن تلك الحروب استنزاف شديد لقوة الهولنديين البحرية والعسكرية، وازداد الأمر سوءا بالصراع الذي نشب بين هولندا وفرنسا في عام 1674م في عهد لويس الرابع عشر 1643 – 1715م، وكان ذلك سبباً دفع بالإنجليز والهولنديين إلى تسوية خلافاتهم السابقة، وتوحيد جهودهم ضد العدو المشترك، ولكن الإنجليز تمكنوا في ظل تحالفهم مع الهولنديين أن ينتزعوا منهم مراكزهم واحداً بعد آخر. وفوق ذلك أسفرت الثورة العظمى التي حدثت في انجلترا في عام 1688م عن إقصاء جيمس الثاني عن العرش، وارتقاء ابنته ماري وزوجها وليم أوف أورانج العرش كملكين مشتركين، وأصبحت المصالح الهولندية في ظل ذلك الاتحاد تابعة للمصالح الإنجليزية، واستمر ذلك الوضع قائماً حتى عام 1697م.
ومما يستلفت الانتباه أنه على الرغم من احتدام المنافسة بين القوى البحرية الثلاث انجلترا – هولندا – فرنسا خلال السنوات الأخيرة من القرن السابع عشر، إلا أن ذلك التنافس لم يحل بينهم وبين توحيد مصالهم، والدفاع عنها ضد الأخطار التي كانت تهددها، ومن المناسب الإشارة بصدد ذلك إلى الكابتن كليهام Cilham والكابتن كيد ked وهما نموذجان للمغامرين المشهورين في تاريخ القرصنة البحرية في بحار الشرق، استطاعا أن يرأسا طائفة من القراصنة الأوروبيين، وأن يحيلا الجزء الغربي من المحيط الهندي وسواحل الخليج العربي والبحر الأحمر إلى السلب والنهب، وأن يسببا ازعاجاً للدول البحرية.
ولعل ظهور هذين المغامرين وأمثالهما، دفع بإنجلترا وفرنسا وهولندا رغم المنافسات الشديدة التي كانت قائمة فيما بينها، إلى عقد الاتفاقيات الخاصة بقمع القرصنة البحرية حماية لمصالحها التجارية، ولعل من أبرزها اتفاقية 1700م التي تعهدت هولندا بموجبها بالمحافظة على سلامة الملاحة في البحر الأحمر وميناء عدن، وتعهدت إنجلترا بالمحافظة على سلامة الملاحة في المحيط الهندي، وفرنسا بتأمين مضيق هرمز باعتباره مدخلاً جنوبياً للخليج العربي.
ويلفت النظر في هذه الاتفاقية تدهور النفوذ الهولندي في الخليج العربي، بحيث ترك لفرنسا وليس لهولندا مسؤولية الملاحة فيه، كما يستلفت النظر أيضاً أن تجارة الإنجليز في الخليج لم تبلغ الدرجة التي تجعلهم يتشبثون بحماية الملاحة في مياهه.
والحقيقة أن القرن الثامن عشر شهد انهياراً في النفوذ الهولندي في الخليج العربي مقارنة بالنفوذين الفرنسي والإنجليزي، ولعل ذلك كان يرتبط بالضعف العام الذي انتاب هولندا كدولة في مستهل ذلك القرن. وأخذت التجارة الهولندية تتعرض لضربات شديدة في فارس، وخاصة بعد أن أظهر الشاه حين – وهو آخر من احتفظ بهيبته من الأسرة – ميلاً واضحاً للإنجليز فزار وكالتهم في اصفهان في عام 1699م، بينما رفض زيارة الوكالة الهولندية في بندر عباس.
كما أخذت علاقة فارس بالهولنديين تزداد سوءاً، بدليل إقدام الهولنديين في عام 1730م على إغلاق وكالتهم في بندر عباس، وفضلوا نقلها إلى البصرة، وإن كانوا قد عادوا من جديد لمحاولة كسب نفوذ في فارس عن طريق تقديم مساعدات بحرية لنادر شاه الافشباري الذي وصل إلى الحكم في عام 1728م، حيث أمده الهولنديون بمساعدة بحرية في الحملة التي قام بها إلى الساحل العماني ومسقط في عام 1738م، وكان الملاحون العرب قد تمكنوا من السيطرة على معظم قطع الأسطول، كما وصلت سيطرتهم إلى مداخل ومخارج الخليج من مسقط حتى شط العرب.
ومن أجل ذلك تقدمت بعض السفن الهولندية ومن بينها السفينة ميدرنك Middenrak بإحباط تلك الثورة والتصدي لبعض السفن العربية في الخليج. وتمكن الهولنديون بفضل المساعدات التي قدموها إلى نادر شاه من إنعاش تجارتهم، حتى أنهم بادروا في عام 1747م إلى فتح وكالة تجارية في بوشهر، وكان ذلك بدعوة رسمية من حاكم الميناء، كما أعادوا فتح وكالتهم في بندر عباس في عام 1752م، وإن لم تستمر هاتان الوكالتان طويلاً، بسبب ما أقدم عليه الشيخ نصر حاكم إقليم فراستان من مطالبة الهولنديين بضرائب باهظة، هذا فضلاً عن تعرض الهولنديين لمنافسات شديدة من قبل الوكالة الإنجليزية في البصرة، وهكذا وجد الهولنديون أنفسهم محاطين بالأعداء من كل جانب سواء من قبل السلطات المحلية التي تقع وكالاتهم التجارية في دائرة نفوذها أو من قبل الشركات الأوروبية الأخرى، ولذلك قرروا إغلاق وكالاتهم سواء تلك الوكالات التي كانت قائمة في الموانئ الفارسية أو العثمانية، وأخذوا يركزون جهودهم على إحدى الجزر المحصنة التي تقع في مدخل الخليج العربي من ناحيته الشمالية، وهي جزيرة خرج الذين نجحوا في الاستيلاء عليها في عام 1753م، ويرتبط ذلك النجاح بجهود البارون كنيبهاوزن الذي كان ممثلاً لشركة الهند الشرقية الهولندية.
وعلى أثر طرده من البصرة بأمر من السلطات العثمانية بسبب علاقاته السيئة بتجارها، بدأ يعد نفسه للرحيل إلى باتافيا، حيث المقر الرئيسي لشركة الهند الشرقية الهولندية، وخلال مروره في الخليج العربي جذبت جزيرة خرج انتباهه.
إذ إن موقع تلك الجزيرة الصغيرة عند مدخل الخليج وعلى مقربة من البصرة يمكن أن يتخذها الهولنديون مركزاً للتحكم في تجارة الخليج، ونقطة وثوب على البحرين أو البصرة أو غيرها من المواقع الأخرى على الشاطئ الغربي للخليج.
واستطاع كنيبهاوزن بعد إقناع المسؤولين في باتافيا أن يعد أسطولاً كبيراً تمكن بواسطته من الاستيلاء على تلك الجزيرة في عام 1753م، وكان واضحاً أنه لا يهدف فقط إلى مجرد تأسيس مقر تجاري لشركته، وإنما كان يهدف إلى انشاء مستوطنه هولندية تجارية بها، ولذلك عمل على انشاء قلعة كبيرة لحمايتها، وأحل بها حامية عسكرية من الزنوج للتغلب على طبيعتها الجرداء وقسوة مناخها، ولعل ذلك مما أثار قلق ممثلي شركة الهند الشرقية الإنجليزية في البصرة في أن تتعرض جزيرة البحرية أو غيرها من جزر الخليج الأخرى إلى نفس المصير الذي تعرضت له جزيرة خرج، وقد أوردت تقارير الوكالات الإنجليزية في الخليج، أن الهولنديين كانوا يعملون على طرد السكان العرب من الجزيرة وإحلال من هم أكثر ولاء لهم، ومن ذلك محاولة كنيبهاوزن إغراء مسيحيي البصرة على الإقامة بها، ووعده الفقراء منهم بمساعدات مالية تمكنهم من الاستقرار، كما عمد إلى استجلاب بعض الأسر الهولندية بغرض تحويلها إلى مستوطنة هولندية.
وكان من الطبيعي أن يناصب الإنجليز الهولنديين العداء، إذ كان للوجود الهولندي في جزيرة خرج أضراره البالغة على تجارتهم في البصرة التي لا تبعد عنها أكثر من خمسة عشر ميلاً، وكانت الوكالة البريطانية قد انتقلت إلى البصرة في عام 1759م، على أثر تدمير الوكالة البريطانية في بندر عباس على أيدي الفرنسيين، كما سنتعرض لذلك فيما بعد.

محمد بن حمد الشعيلي
أكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة
m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى