السبت 29 فبراير 2020 م - ٥ رجب ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / لسان صدق: رحل الجسم وبقيت القيم
لسان صدق: رحل الجسم وبقيت القيم

لسان صدق: رحل الجسم وبقيت القيم

عبدالله بن سعيد الجرداني:
ترجلت أيها الفارس العظيم ورحل جسمك فقط ليعود ثراك الطاهر إلى أصله، فالعظماء لا يموتون، فقد تركت فينا ما إن تمسكنا به لن نفترق بعده، قيمك النبيلة وخصالك الحميدة، ولأنك من عباد الله المخلصين الطيبين فقد وهبك سبحانه شخصية قيادية وقيّض في شخصكم مواهب وسمات يفيض منها الود قبل الحزم والشد، وكان شعارك الإخلاص والمثابرة، أحببت شعبك فأحبك وسكنت قلوبهم، لم تؤذِ جاراً ولم تخن جواراً، ولم تعرف عنك الشعوب إلا الحب والسلام.
رحل جسدك وبقيت قيمك وفضائلك التي زرعتها في قلوب شعبك وسيقتدي بها أبناؤك ويحذون حذوك وأثرك، لم تمت يا سيدي يا حبيب الشعب، فكل شبرٍ من عمان يستنشق أريج إنجازاتك وشذا صنائعك، حولت ظلام الأمس إلى نور ساطع أشرق على عمان وأهلها، وسيبقى النور بعون الله مصباحاً منيراً يوقد من همة وعزيمة شعبك التي لن تضعف ولن تلين بعد رحيلك، سنمضي على نهجك وبصيرتك بشموخ وكرامة كما تعلّمنا من مدرستك، وسنسرد قصة كفاحك للأجيال لينهلوا الدروس المستفادة من معين فكرك، سنخبرهم بحكاية هذا الوطن الذي ولد من رحم المعاناة وكبر وترعرع بفضل الله وبإرادة قائد حكيم بار.
نعم .. سنحكي لهم عن جولاتك وانجازتك، وكيف كنت تجول الوطن وتخوض أراضيه طولاً وعرضاً لترسم خارطة التطور والتقدم دون كلل أو ملل، سنروي لهم تاريخك الخالد الراسخ في الذاكرة، وسنلقي في آذانهم أقوالك وحكمك في كلماتك السامية منذ بداية النهضة المباركة التي انبلج ضياؤها عام 1970م ليستنيروا بها ويستلهموا منها النظرة السديدة، سنخبرهم بأن عمان هي أول بلد تشرق عليه الشمس وأن جلالة السلطان قابوس نفض عنها غبار العزلة وأزاح عنها ثالوث الجهل والفقر والمرض، وهو الذي صنع مجدها الحديث وجعلها ضاحكة مستبشرة بمستقبل أكثر إشراقاً.
وفي أوقات المرض أخفيت معاناتك يا أعز الرجال وأنقاهم، وكنت صلباً شامخاً كشموخ الجبال الراسيات، ليستمر الدرس ويتعلم أبناؤك ثبات القيادة ورباطة جأشها وعدم تأثرها بصروف الدهر وأزماته، فلآخر رمق كنت تؤدي رسالتك من غير يأس أو استسلام وكنت حريصاً على أن تسلم الأمانة لمن هو جدير بحملها من بعدك، ونصحت شعبك وأنت في ذمّة الله بتجنب الضغناء والبغضاء مستشهداً بقوله تعالى:(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، مؤكداً على أن نهضة الدول لا تقوم إلا على قوة مجتمعاتها وترابطها.
ودعتنا يا سيدي وودعك شعبك بعد حياة حافلة بالقيم والمبادئ التي رسّختها في نفوسنا، وأصبحنا مضرب الأمثال في الأخلاق الحميدة، عززت فينا قيم النظام والانضباط والواجب، غرست فينا مفاهيم الوطن والمواطنة، أعدت لنا تاريخ أجدادنا، فرحمة الله عليك يا سيدي وسنظل ندعو لك ما حيينا، ويحق لنا أن نفاخر ونفتخر بما صنعته لعمان وأبنائها، فقد كنت مدرسة نابضة بالحيوية مملوءة بالفضائل والعبر وسيظل منهاجك حصص تربوية تدرّس للأجيال.

* مراسل (الوطن) بالعامرات
jardani1616@gmail.com

إلى الأعلى