الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / رابع أعلى قمة في العالم ..المغامرة الأولى لتسلق جبل كليمنجارو في تنزانيا

رابع أعلى قمة في العالم ..المغامرة الأولى لتسلق جبل كليمنجارو في تنزانيا

حينما كانت وعد بنت عاصم السعيدي تنتظر الحصول على البكالوريوس وأنا انتظر الحصول على الدكتوراه قررنا خوض غمار التجربة، سنتسلق رابع أعلى قمة في العالم. كليمنجارو حلم الكثير من المتسلقين حول العالم ونحن منهم. نحتاج للكثير من الاستعدادات لنتعلم كل شيء عن هذا الجبل المهيب، ماذا نحتاج وأي تمارين تهيئنا لصعود الجبل. بدأنا رحلة التعلم والاستعداد منذ شهر سبتمبر2013 وحجزنا لتكون رحلتنا في الرابع 14-23 ديسمبر 2013 م إلى تنزانيا الأفريقية حيث تقبع أعلى رابع قمة في العالم على ارتفاع 5895 مترا فوق سطح البحر، الطموح لا يقف أمامه عائق ولذا فإنه برغم كل الصعوبات ومنها عدم توفر الدعم المادي، قررنا المضي. بدأنا بشراء الملابس الخاصة بالرحلة تدريجيا حسب توفر المال بأيدينا وفتح الله علينا وتعرفنا على حمد بن حمود الحارثي الذي سبق له الذهاب إلى كليمنجارو في 2007م. هذا الرجل الرائع أصبح مدربا لنا دون مقابل. تعلمنا منه الكثير وتسلقنا معه الكثير من جبال بوشر والأنصب. وأخيرا أتممنا تدريبنا بالمشي من قاع جبل شمس حتى قمته في رحلة استمرت 12 ساعة صعودا و9 ساعات هبوطا في اليوم الذي يليه. ولا ننسى ذكر التحصينات التي أخذناها لحمايتنا من الحمى الصفراء وأدوية الملاريا وغيرها.
هي سبقتني لتنزانيا بسبب إلغاء رحلتنا من قبل الطيران الذي حجزناه وأنا لحقتها بتاريخ 13 ديسمبر. تأخرت في الخروج من المطار وقد ضاعت حقيبة السفر التي تحتوي على احتياجات الصعود إلى الجبل. تقابلنا أنا وهي في الفندق المخصص لنا ولاحقا زارتنا ممثلة الشركة التي اتفقنا معهم لتسلق الجبل. سيوفرون لنا إثني عشر شخصا في حملتنا وهم ما بين قائد ومساعد قائد وطباخ ومقدم طعام ومجموعة من الحمالين. اتفقنا معها على تأجير الملابس والأشياء التي لم نستطع شراءها لغلاء أسعارها.
في صباح يوم 16 ديسمبر انطلقنا إلى بوابة الجبل لنبدأ التسلق من طريق متشامي (MachameRoute). سنبدأ مغامرتنا التي ستكون لمدة سبعة أيام متتالية بدءا من اليوم. ساعات معدودة قمنا فيها بالتسجيل لبدء المغامرة وقام فيها قائد الحملة بإنهاء إجراءات استخراج تصريح التسلق و وزن ما سيحمله العمال وبدأنا الصعود. ما يميز جبل كليمنجارو عن غيره أن من يصعده يمر بكل البيئات المعروفة ما بين خط الاستواء وحتى القطب، من غابات مطرية وسهول وصحاري وبيئة قطبية ثلجية.
بدأنا يومنا الأول بصعود طريق متعرج في غابة كثيفة ورطبة ، وتناولنا الغداء في الطريق وواصلنا الصعود وإذا بالمطر يفاجئنا بهطوله رغم أن تلك الفترة ليست فترة أمطار ولكن هذا التقلب في الجو سر من أسرار هذا الجبل فالجو يتقلب بين شمس ومطر وثلج ورياح وضباب في أوقات متقاربة جدا مما يضع المتسلق في حيرة من أمره حول أي الملابس المطلوب ارتداؤها للحماية من تقلب الجو.
لم نكن مستعدين للمطر جيدا فتبللت أجزاء من ملابسنا ، البلل والبرد ثنائي خطير عند اجتماعهما. وصلنا إلى المخيم الأول وهو مخيم متشامي (Machame Hut) على ارتفاع 3000 متر في وقت العصر. بعد وصولنا للمخيم بوقت قصير استبدلنا الملابس المبللة بأخرى جافة وعندما ظهرت الشمس أخذنا الملابس المبللة لتعليقها على الأشجار والصخور لتجف. وبعد وجبة العشاء قمنا بالاستعداد للنوم لغد جديد ومغامرة جديدة بانتظارنا.
النوم في هذا الجو البارد تجربة جديدة لم نجربها قبل إلا عند تسلقنا لجبل شمس والفرق أننا نمنا هناك في احد الفنادق أما هنا فنحن في خيمة مشتركة باردة جدا.. تجارب جديدة نتعلم منها يوميا الكثير والكثير.
في صباح اليوم الثاني بدأنا بالاستعدادات الصباحية لاستكمال المشوار وتحركنا بعد الإفطار مباشرة للوصول إلى هدفنا التالي وهو مخيم شيرا (Shira Hut) على ارتفاع 3900 متر. رياح باردة ومطر تجعل التوقف للراحة أمرا شبه مستحيل فالأطراف تبرد في ثوان ، في هذا البرد والمطر بدأ الارتفاع يؤثر في على شكل نوبات صداع وتقلب في المعدة مما أدى إلى تأثر سرعة تحركي.. صداع غريب يسيطر على رأسك لتعرف أن جسمك يتعرض لنقص في الأكسجين نتيجة للارتفاع الذي وصلت إليه.. بعد التوقف للغداء في كهف شيرا (Shira Cave)، سبقتني “وعد” إلى مخيم شيرا ووصلت في حدود الساعة السادسة بعد المغرب وأنا وصلت في حدود الساعة التاسعة ليلا نتيجة توقفي كثيرا للاستفراغ الذي أنهكني جسديا ونفسيا. وبعد العشاء مباشرة توجهنا للنوم استعدادا ليوم جديد، ورغم القلق الداخلي الذي يتملكني من إمكانية المضي في المغامرة ومدى قدرة تحملي إلا أن كلمات قائد الرحلة أعادت لي الطمأنينة فمعظم متسلقي الجبل ممن لم يتناولوا دواء دياموكس أصيبوا بهذه الحالة إلا أنها تزول تدريجيا مع تناول الكثير من الماء والطعام. وأخيرا استسلمنا للنوم فمغامرة جديدة ومخيم جديد في الغد.
صباح اليوم الثالث كان صباحا رائعا فبمجرد الخروج من الخيمة يواجهك الجبل بشموخ وكبرياء. رؤية الجبل بهذا القرب يرفع معنوياتك ويجعلك تأخذ نفسا عميقا وتقول في تحد وإصرار سأصل للقمة قريبا وسأحقق الحلم. في هذا اليوم (اليوم الثالث) كان هدفنا الوصول إلى مخيم برانكو (Barranco Hut) على ارتفاع 3984 مترا مرورا ببرج اللافا (ٍLava Tower) على ارتفاع 4684 مترا.
اليوم هو اليوم الأطول في المغامرة، حيث من المتوقع أن نمشي ما يقارب من تسع ساعات. في هذا اليوم تأخرنا في التحرك وذلك لتعليق ملابسنا المبللة وإعطائها فرصة لتجف. تحركنا في حدود التاسعة والنصف لنمشي في طريق طويل وحاد الارتفاع أنهك كل عضلة من عضلاتنا. الطريق طويل كأنه بلا نهاية وصعب لكن الصعوبة جزء لا يتجزأ من المغامرة نفسها. بعد يومين من تساقط الأمطار في هذه الفترة من السنة تمنينا أن يمر هذا اليوم دون أمطار إلا أن المطر كان يرافقنا .. تساقطت الأمطار في هذا اليوم بغزارة وزادت من البرد ومشقة الطريق. بعد منتصف هذا اليوم عاودني الشعور بالمرض (صداع وتقلب في المعدة) مما أدى إلى افتراقنا إلى مجموعتين، هي تبعت قائد المغامرة إلى برج اللافا وأنا اضطررت للتوجه مباشرة إلى مخيم برانكو دون المرور ببرج اللافا نتيجة لتأثري بالارتفاع وهذا بدوره فوت علي فرصة أخرى للتأقلم على الارتفاع. وصلنا أخيرا إلى مخيم برانكو وهو آخر مكان تصل إليه فرق الإنقاذ الطبي والتدخل السريع لإسعاف وإخلاء المصابين ونقلهم إلى مستشفى نيروبي للعلاج. المكان هنا رائع ففي الليل تصدر قمة كليمنجارو شعاعا أبيض ينير ظلام المكان.. البرد قارص جدا .. الحرارة تصل إلى ما دون الصفر.
استيقظت في صباح اليوم الرابع بمعنويات عالية وتفاجأت بتكون الثلج على الخيمة. انخفاض درجات الحرارة أثناء الليل حول المياه إلى ثلوج. هدفنا لهذا اليوم هو الوصول لمخيم كرانقا (Karanga Hut) على ارتفاع 3995 مترا. في هذا اليوم سنتسلق جدار برانكو (Barranco Wall) الذي يسمى أيضا بجدار الإفطار (Breakfast Wall) وقد سمي بهذا الاسم لأن الجميع يتوجه إليه بعد تناول وجبة الإفطار مباشرة. بعد تجفيف الملابس المبللة لمدة نصف ساعة بدأنا الصعود على هذا الجبل. الصعود ليس صعبا كثيرا لكنه مجهد وخطير في بعض الأماكن.
ضحكت عندما أخبرني مرافقي أنني سأقبل الجبل الآن.. لم أفهم ماذا يقصد لكنه شرح لي أن أحد الصخور لا يمكن تجاوزه إلا بأن تحتضنها بكلتا يديك وتقترب بجسدك كثيرا لها ولذا سميت صخرة التقبيل (Kissing Rock). اقترابك لهذه الصخرة يحميك من السقوط للهاوية تحتك.. من يتسلق الجبال يعرف هذا الشعور جيدا، التعلق بالصخور كطوق نجاة. المغامرة كانت رائعة ووصلنا لمخيم كرانقا بمعنويات رائعة. المكان رائع فارتفاعه يطل من جهة على مدينة موشي فترى أضواءها بعيدة كأنك تنظر من نافذة الطيارة، بينما في الجهة الأخرى تواجهك قمة جبل كليمنجارو شامخة بيضاء موشحة بردائها الأبيض الثلجي. كما لأول مرة تستطيع شحن هاتفك المحمول نتيجة لوجود كهرباء يتم توليدها عن طريق الخلايا الشمسية. هذا اليوم كان بحمد الله يوما رائعا دون مرض ينهكنا أو مطر يبللنا.
اليوم الخامس يوم حاسم في مغامرتنا فهو يوم ستحقق فيه هدفك الأسمى من الرحلة وهو محاولة الوصول لقمة كليمنجارو. لجبل كليمنجارو ثلاث قمم، الأولى هي قمة جيلمان (Gilman’s Point) وتقع على ارتفاع 5685 مترا، الثانية هي قمة ستلا (Stella Point) وتقع على ارتفاع 5756 مترا، بينما الثالثة هي قمة أهورو (Uhuru Peak) وتقع على ارتفاع 5895 مترا. بدأنا مغامرة اليوم الخامس في الصباح الباكر. الطريق ليس طويلا ولكنه حاد الارتفاع جدا وتضطر للمشي ساعات طوال صعودا بزاوية أعلى من 45 درجه. الصعود بهذه الطريقة مرهق جدا على عضلات الساقين ولكن الصعوبة جزء لا يتجزأ من المغامرة والتحدي. بعد حوالي اربع ساعات ونصف بين صعود وهبوط وصعود ثم صعود وصلنا أخيرا إلى مخيم برافو (Barafu Hut) على ارتفاع 4673 مترا ظهرا وبعد فترة من وصولنا قام القائد بفحص نسبة الأكسجين في دمنا وهو إجراء يقوم به يوميا ليتأكد من مدى تأقلم أجسامنا على الارتفاع فعدم التأقلم خطير جدا ويؤدي إلى الوفاة إن لم يتم الانتباه له وتجاهل أعراضه. نسبة الأكسجين في دمي نزلت إلى 72% بعد أن كانت 86% في اليوم السابق، أما هي فقد حافظت على نسبة 86% خلال الرحلة والحمد لله. أخبرني القائد بضرورة إرغام نفسي على الأكل مهما كانت شهيتي مسدودة وشرب الكثير من المياه حتى استطيع الصعود للقمة خلال تلك الليلة. وجهنا القائد للنوم مباشرة بعد تناول وجبة الغداء وذلك لنصحو قبل العشاء بقليل لنتعشى ومن ثم نبدأ الصعود للقمة في الساعة الحادية عشرة ليلا حتى نصلها الساعة السادسة صباحا ونستمتع بشروق الشمس من على أعلى رابع قمة في العالم.
قررت وعد السعيدي الصعود في الساعة العاشرة ليلا وأنا ونتيجة لانخفاض نسبة الأكسجين في دمي قررت أن أعطي نفسي فرصة أخيرة للتأقلم مع الارتفاع بالنوم ليلا والصعود للقمة في الساعة السادسة صباحا. استيقظت فجر اليوم السادس من مغامرتنا وبدأت المسير للقمة. البرد قارص ورغم لبس أربع طبقات من الملابس الدافئة والشمس الحارقة فإن البرد يخترقك إذا توقفت لدقائق معدودة. الصعود مرهق جدا والثلج يذوب تحت أقدامي. وصلت هي ظهرا إلى قمة ستلا (Stella Peak) على ارتفاع 5756 مترا، بينما أنا وصلت إلى حدود تلك القمة عصرا.
الوصول إلى قمة ستلا لم يكن سهلا واستغرق وقتا طويلا فاضطررنا إلى الرجوع إلى مخيم برافو. هي وصلت للمخيم عصرا وأنا وصلت له بعد المغرب. بعد العشاء تناقشنا كثيرا عن سبب اكتفائنا بالوصول إلى قمة ستلا وعدم مواصلتنا للصعود حتى قمة أهورو. أهو الماء الذي انتهى بعد ست ساعات من التسلق دون توفر احتياطي، أم الطعام الذي لم يحضره أحد، أم البرد القارص نتيجة عدم جودة بعض الملابس المستأجرة، أم أسباب أخرى تتعلق باحترافية الشركة التي تعاقدنا معها. هناك وعلى جبل كليمنجارو وفي داخل خيمتنا البلاستيكية المنصوبة على أرض مخيم برافو عقدنا العزم على المحاولة من جديد للوصول إلى أعلى قمة في رابع أعلى جبل في العالم. وأخيرا استسلمنا للنوم مع حسرة لا تطاق في صدورنا، وأمل في محاولة قادمة.
في صباح اليوم السابع والأخير في مغامرتنا استيقظنا في حدود الساعة الثامنة صباحا وبعد إفطار خفيف بدأنا رحلة العودة إلى البوابة لإعلان انتهاء المغامرة الرائعة. مشينا لمدة 9 ساعات متواصلة نزولا واستعنا بسيارة لقطع المسافة الباقية وهي ساعتين. عند البوابة تناولنا الغداء وأخذتنا حافلة لموقع الشركة في مدينة أروشا. هناك أخذنا صورة جماعية وودعنا الفريق وانطلقنا بحافة أخرى صغيرة إلى الفندق.
أبت المغامرة أن تنتهي بمغادرتنا لأرض مدينة أروشا من مطار كليمنجارو الدولي. الطيران الأثيوبي أفقدنا صوابنا بتفويت رحلتنا مرتين. في المرة الأولى ألغى رحلتنا في 23 ديسمبر وأرسلنا لفندق صغير في أديس أبابا لنقضي ليلة هناك وعند إرجاعنا للمطار وذلك للحاق برحلتنا صدمنا أن الطائرة غادرت بأمتعتنا وتركتنا في أديس أبابا رغم وصولنا للمطار قبل ثلاث ساعات من الإقلاع. ليلتنا الثانية في أديس أبابا قضيناها في المطار وكانت ليلة عصبية بها الكثير من الضغط النفسي ولكنها انتهت بمغادرتنا في الساعة 4:45 صباحا إلى المنامة عن طريق طيران الخليج ومن ثم إلى مسقط عن طريق الطيران العماني. حقائبنا التي وصلت قبلنا وجدناها بحمد الله تنتظرنا في أرض المطار.

د.رقية بنت محمد البلوشية
ruqaiyat@hotmail.com

إلى الأعلى