الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ليفي ارحل .. شكرا أيها التونسيون

ليفي ارحل .. شكرا أيها التونسيون

خميس التوبي

لا يزال هناك الكثير من المفتونين والمغيبين يؤمن بأن ما تعيشه المنطقة من فوضى وإرهاب هو «ثورات»، وأن انحرافها لهذا المنعرج الخطير إنما هو لشد ظهرها لمواجهة الظلم والفساد وتحقيق الديمقراطية وإقامة الدولة المدنية، ولإكسابها اللياقة اللازمة للتخلص من تبعات الماضي وتراكماته التي أطاحت بالكثير من المكتسبات وتنازلت عن العديد من الحقوق بما فيها الأرض.
وأمام هذا الراهن المعبَّأ بالضبابية والتشويه والتدليس والفبركة والإنكار، والمحمَّل بأشكال الفوضى وألوان الإرهاب والتآمر وصنوف التخريب والتدمير، لا يمكن للعقل السوي أن يشذ، ولا يمكن للفطرة السليمة أن تحيد عن الطريق الصحيح والسليم، فيؤيدان هذا الراهن تحت أي مبرر، إذ لا يصح القول بأن جرائم الحرب الممنهجة برص مئات الأبرياء في صفوف وإعدامهم بدم بارد وتدمير البنى التحتية هي «ثورة وحرية وجهاد»، ولا يصح إطلاق وصف «ثوار وأحرار ومجاهدين» على مرتكبي هذه الجرائم. كما أنه أي عقل هذا وأي فطرة سليمة تلك يقبلان تهجير الآمنين من منازلهم وتدنيس شرف عشرات الآلاف من الأسر بانتهاك أعراضها واستحلال دمائها وبيع نسائها ومعاملتهن معاملة العبيد والرقيق، ويعتبر ذلك «جهادًا»؟ وكم هو مؤلم أن ينشئ هؤلاء المجرمون الإرهابيون المستحلون للدماء والأعراض باسم «الثورة» وباسم «الجهاد» حسابات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي يعرضون فيها «سباياهم» للبيع، فالشقراء لها سعر، وذات العيون الخضراء والزرقاء لها سعر، وهكذا حسب أوصاف من انتهكوا حرماتهن؟ وما علاقة «الثورة» و»المعارضة» بالعمالة مع أعداء المنطقة وأعداء الأمة، وتسوُّلهم لتدمير ما يزعمون أنه وطنهم عبر التدخل العسكري الأجنبي المباشر؟ وما علاقة «الثورة» و»المعارضة» بتدمير آبار وأنابيب النفط والغاز، وتفكيك آلات الحفر وكذلك تفكيك آلات المصانع وبيعها خردة للأتراك؟ وما علاقة «الثورة» و»المعارضة» بذهاب «الثوار الأحرار المعارضين» إلى كيان الاحتلال الصهيوني والتعاون مع عصاباته وتسوًّل دعمهم، ومقايضتهم بالجولان السوري المحتل مقابل قيام هذا الكيان الغاصب العدو الأول سوريا وللمنطقة والأمة بتدمير سوريا أو بتحريض حلفائه وعملائه على ذلك، كما هو حال العميل الكبير كمال اللبواني؟
أسئلة كثيرة يجب على المواطن التونسي والليبي والمصري والسوري واللبناني والعراقي واليمني والخليجي والجزائري والمغربي والعماني وكل شعوب أمتنا أن لا يتجاوزها، بل عليه أن يتوقف عندها ويمعن تفكيره فيها، ويسأل ذاته: أليست هذه الجرائم تدميرًا ذاتيًّا لخدمة الأعداء؟ أوليست تشويهًا مروعًا للإسلام والعروبة؟ وماذا تبقى له في وطنه الذي تآمر عليه وجر الخراب له، وحوله بتآمره وإرهابه وعمالته وخيانته إلى أطلال؟
في الحقيقة، لا بد من الاعتراف بأنه منذ اغتصاب أرض فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني على أنقاضها، واكتشاف ثروة النفط، أدخلت المنطقة في مختبرات التجريب الصهيو ـ غربية، من أجل إنتاج مشاريع الهيمنة والسيطرة على مصادر الطاقة، وتأمين بقاء كيان الاحتلال الصهيوني قوة لا تقهر، وتقزيم دول المنطقة بتشطيرها إلى شطائر غير قابلة للتركيب مجددًا. وما عجل بظهور مشاريع الهيمنة هو سقوط شاه إيران حليف الصهاينة والغرب جراء الثورة الإيرانية التي قادها الخميني في عام 1979، حينذاك بدأ عتاة الصهاينة وغلاتهم بتقديم مشاريعهم وتوصياتهم التدميرية ضد المنطقة لتطويقها وإحكام السيطرة عليها، وكان من بين هؤلاء الصهاينة المؤرخ البريطاني الصهيوني برنارد لويس الذي قدم مجموعة توصيات للدول الغربية ينصحها فيها بكيفية الرد على خسارة الحليف القوي شاه إيران، حيث ارتكزت توصياته على «بلقنة» المنطقة من خلال تشجيع الأقليات العرقية والمذهبية على الثورة تحت حجة المطالبة بالحقوق ورفع الظلم وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة، وأن ذلك لا يتحقق إلا في ظل كيانات مستقلة خاصة بهم، وبذلك يتمكن معشر المتآمرين الصهيو ـ غربيين من تحقيق المشروع باصطياد رؤوس الدول القوية والمؤثرة في المنطقة والمعادية للغرب كالعراق وسوريا. ولذلك فإن ما حدث ويحدث اليوم في العراق وفي سوريا لا يحتاج إلى عناء جهد للوصول إلى هذه الحقيقة بمحاولة إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية، ودعم أقلية في مواجهة أغلبية، أو دعم أغلبية في مواجهة أغلبية مثلها، كما هو حال العراق حيث تم الدفع بالأكراد بداية إلى مقدمة المواجهة في عهد الرئيس صدام حسين على النحو الذي آلت إليه الأمور بإقامة منطقة حظر جوي وحتى تدميره ونهب ثرواته. وراهنًا ـ وفي ظل إنتاج الإرهاب ونشره في دول المنطقة بما فيها العراق ـ يجري تأجيج الاشتباك والتحريض بين الشيعة والسنة في الوقت الذي يتكرس فيه الجهد الصهيو ـ غربي لدعم الأكراد، ليس في العراق وحده، وإنما في سوريا حيث يتجه المخطط الصهيو ـ غربي نحو إقامة دولة للأكراد تنفيذًا للوعد الذي حصل عليه الملا مصطفى البرزاني والد مسعود البرزاني الذي يرأس إقليم كردستان حاليًّا من الصهاينة بإقامة الدولة الكردية الممتدة من العراق حتى جنوب تركيا فشمال سوريا، لتتولى ابتزاز ومواجهة الدول الأربع (العراق، إيران، تركيا، سوريا)، ويقال بأن هناك موافقة رسمية سرية أميركية ـ بريطانية على ذلك، ولعل هذا ما يفسر انهمار الدعم الغربي على الأكراد.
ومن بين الصهاينة الذين دخلوا على خط تفتيت المنطقة الفرنسي الصهيوني برنارد هنري ليفي الذي افتخر بأنه مهندس تدمير ليبيا وإرغامه الرئيس السابق نيكولا ساركوزي على التدخل العسكري المباشر لإسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، لتدخل ليبيا مستنقع الإرهاب والتفتيت والدولة الفاشلة.
ومن اللافت، أن الصهيوني هنري ليفي وصل تونس أمس بالتزامن مع حلول ذكرى وعد بلفور المشؤوم الذي يصادف الثاني من نوفمبر في الوقت الذي تشهد فيه تونس استحقاقًا انتخابيًّا بفوز حزب نداء تونس وتراجع حزب النهضة؛ أي تراجع حركة الإخوان المسلمين وتقدم العلمانيين، ما يطرح علامات استفهام كثيرة، خصوصًا وأنهم استفادوا مما حدث في مصر وغلبوا صوت العقل لصالح تونس، فخسارتهم الانتخابات لا تعني نهاية المطاف، بل تدعوهم إلى تعديل أخطائهم والفوز في المرة القادمة، بمعنى آخر أن استقرار تونس وارد إلى حد ما، وربما هنا يحاول الصهيوني ليفي تحريض حزب النهضة على نداء تونس وإدخال تونس في مرحلة اللا استقرار تماهيًا مع الفوضى في ليبيا التي بدأت تتشكل فيها تنظيمات موالية لداعش؛ لأن عدم استقرار تونس وليبيا بالنتيجة ومع مرور الزمن سيسمح بزعزعة استقرار كل من الجزائر ومصر، وربما أيضًا أراد الصهيوني هنري ليفي التأكيد على استحقاقات كان وعد بها من قبل حزب النهضة بالتطبيع مع كيان الاحتلال الصهيوني، خصوصًا وأن هناك مطالبات بتضمين الدستور مادة تطالب بالتطبيع مع الاحتلال الصهيوني، حيث يرى نواب بحزب النهضة وحزب التكتل من أجل العمل والحريات، لا ضرورة لتضمين الدستور مادة تجرم التطبيع. إلا أنه وما يحسب للشعب التونسي وعيه ونضجه السياسي في معرفة مصادر أوجاع المنطقة وخبائثها، فما كان منه إلا التظاهر والمطالبة برحيل الصهيوني هنري ليفي من تونس الذين أيقن التونسيون أنه واحد من مصادر الخبائث والدمار والإرهاب لشعوب المنطقة، والذين نوجه لهم التحية والشكر على موقفهم الوطني والواعي.

إلى الأعلى