الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / صرخة ضمير ..«ضميري وضمائركم الوطنية -2-»

صرخة ضمير ..«ضميري وضمائركم الوطنية -2-»

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

لا مساومة أبدا، ولا تراجع أبدا، عن الثوابت الوطنية الأساسية للدولة، وشغلنا الشاغل يتركز على تعزيز هذه الثوابت، وهذا واجب وطني مقدس بامتياز، ونمارسه عبر هذا المنبر بكل قوة سواء من خلال نقد سياسات عمومية تبعدنا كثيرا عن مفهوم تعزيز الثوابت وتمتينها وتمكينها، وتفتح نافذة على ماض لا عودة له أي مرفوض بالإجماع الوطني، مثل، سياسة ربط محافظات البلاد التي بها موانئ بحرية بالقطار الخليجي ما عدا محافظة ظفار، ومثل المركزية الجامدة التي أصبحت تستنزف وقت وموارد المواطنين الذين تقع سكناهم خارج وبعيد الحدود الترابية للمركزية .. الخ. فمن يقف هنا مثيرا ومستفزا للثوابت؟
كما نمارس الواجب الوطني نقدا لتصرفات وافعال قديمة وجديدة لفاعلين كبار في الدولة الذين أصبحوا يجنحون كثيرا لصالح شرائح اجتماعية دون أخرى رغم ان مواقعهم تحرم عليهم ذلك، وآخرين يوزعون المناصب وفق معيار النفع الخاص وليس العام في تكريس لسياسة اقصاء الكفاءات، فكيف لا نتوقع بروز تداعيات فوق سطحنا الاجتماعي؟ أو نمارسه نقدا لفاعلين اقتصاديين جل همهم المال حتى أصبحت خزائنهم تئن بها، فأين دورهم في تدريب وتأهيل وتوظيف ومساعدة الشباب على إيجاد حق السكن؟ لقد ذقنا مرارة التمزق والتشتت والصراع قبل عام 1970، والآن نحذر من الفعل غير المدروس ومن التصرف اللا عقلاني ومن حرية يعتقد أصحابها بأنها مطلقة أو كاملة، أو يرون بأن الظرفية الراهنة مواتية لاستغلالها، ومهما كانت ثوابتنا محمية بضمانات دستورية وقانونية وقضائية ومجتمعية، فالضمانة المجتمعية هي الأهم في هذه الظرفية الراهنة، لماذا؟ لأننا منطقتنا العربية قد دخلت في زمن الفتن الكبرى التي غدت تحرق الأخضر واليابس وتمس البريء والمدان معا وفي ان واحد، ومستقبلها اي المنطقة أسود في ظل مؤشرات الظرفية الراهنة ـ الله يستر ـ ولمواجهة إكراهات زمن الفتن ليس أمامنا من خيار سوى التمسك بثوابتنا الوطنية عبر ضبط سلوكيات ومواقف كل الفاعلين مهما كانت استفزازات الداخل والخارج، لكن، وهذا ايضا من الضرورات العلم بها، أنه ينبغي على السياسات العمومية وكبار رجالات الدولة وأثريائنا الإيمان بأنه ما لم تسد العدالة داخل المجتمع وينمو الاقتصاد بشكل دائم في بلادنا، تظل مصالحهم قبل مصالح المواطنين في خطر. والسنوات القليلة الماضية تثبت ذلك، ولن نذكر بالوقائع الماضية، لأنها قد اصبحت معلومة بالضرورة، ورغم ذلك لا بد من القول صراحة هنا، أنه لما كان الخيار السياسي يحتم التضحية برجال اقوياء من أجل الشعب، كان الشعب هو المنتصر، ولما كان الخيار السياسي تغيير سياسات عمومية أو ضياع جيل كامل، كان المنتصر هو الجيل، إذن كل شيء مهما كان حجمه سيظل متغيرا ما دام لا يخدم الثوابت الوطنية، وهذه صرخة ضمير نوجهها للفاعلين في بلادنا من وزراء حاليين وسابقين ورجال أعمال الكبار، فالظرفية تحتم عليهم بأن (يضحوا) بالقليل من الكثير الذي حصلوا عليه طوال العقود الماضية، فأصبحوا من خلاله أثرياء ومؤثرون في حياتنا الاقتصادية والاجتماعية، فمصالحكم تستوجب تعاونكم الآن مع المواطن، وانفتاحكم مع قضايا الوطن، ولا بد أن تقدموا شيئا ايجابيا وكبيرا من أجل أن يحتوي الوطن مواطنيه خاصة وانه اي الوطن يعبر بحارا إقليمية عاتية من الفتن الكبرى، بحيث بدأت لنا دول في طريقها للتقسيم على أسس مذهبية، أو أن هذه الأخيرة مرشحة لتفجير الأمن وانفجار الايمان فيها، فمن سوف يفرح لذلك؟ ومن يريد تقسيم المقسم بدلا من استمرار توحيده وتعزيزه؟ وصرختنا الثانية والمهمة كذلك موجهة لذواتنا المعنوية، ذوات النخب المثقفة التي اصبح بعضها يمارس الحرية باستقواء التكنولوجيا والمرحلة العربية والكونية، وهنا نجد أنفسنا ملزمين وملتزمين بالتوقف عند تحديد بعض المفاهيم خاصة بعد ما أنتجت ممارسة حرية الرأي والتعبير عنه تداعيات خطيرة، علما بأن حرية الرأي والتعبير عنه تعد جزءا لا يتجزأ من المفهوم العام لموضوع الحرية، ولو فتحنا نافذة صغيرة على تأثير الفرد لممارسة حريته في الرأي والتعبير عنه بالكيفية السائدة لا المفترضة كما هي متعارف عليها (عالميا)، فسوف نجد انفسنا نرى من خلالها تصرفات وافعالا تمس وضعا ما أو استقرارا ما أو أمنا ما أو (ايمانا) ما أو وحدة ما أو رموزا عديدة … في كثير من مجتمعاتنا العربية، وتلكم الحالات تعد من الثوابت المجمع عليها التي يجب أن لا تمس الا إذا اردنا هلاك السفينة بما فيها من ركاب، وفق منطلق الاستدلال بالسفينة كما جاءت في حديث نبوي شريف على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم ـ يراجع الجزء الأول من هذا المقال – فهل هذه من الحرية؟ وهذا التساؤل الأخير يطرح إشكالية محلية وعربية حول الحرية وعلاقتها بالثوابت الوطنية لكل دولة في ظل سيادة وطغيان بعض الحقوق الفردية، وقد وصلت الفردانية لوحدها مستوى إلى حد أن يكون للفرد التأثير السلبي على تلك المجالات ذات الحساسية المرتفعة الآن بالذات وأكثر من اي مرحلة سابقة، لماذا؟ بمعنى لماذا هذه الأهمية الفردانية المؤثرة على المرحلة الراهنة؟ لعدة اعتبارات معاصرة، ابرزها الوسائل المتاحة والسهلة لممارسة حق التعبير عن الرأي، ومساحة الحرية الكبيرة التي انتزعت فجأة بفعل التطور التكنولوجي وطغيان بعض الحريات على الفردانية بمفاهيم مغلوطة في ظل تقاطع العالم الخارجي معه دعما لحقه في الحرية حتى لو كانت تمس ثوابت وطنية، وفي حديث قديم جمعنا بشخصية حقوقية عربية ذات مهمة كونية تقتحم الوطنيات الجغرافية الإقليمية بحثا عن ناشطين.. كان جل استفساراتها تدور حول ماهية الحرية وحدودها، محاولا ايهامنا بعدم مشروعية فكرة القيود عليها، وأن هذا مخالف لما هو سائد في النظم السياسية المعاصرة ومواثيق وعهود حقوق الانسان الاقليمية والعالمية، وهذا طبعا غير صحيح جملة وتفصيلا، وقد اثبتنا ذلك بما هو واقع في كبرى الأنظمة السياسية المعاصرة التي لجأت إلى التقييد حماية لثوابتها الأساسية، وهناك دلائل كثيرة، ففي فرنسا مثلا يمنع ما يؤدي إلى حقد أو كراهية لأسباب عرقية أو دينية ويمنع أيضا تكذيب جرائم الإبادة الجماعية ضد اليهود من قبل النازيين ويمنع أيضا نشر أفكار الكراهية بسبب الميول الجنسية للفرد، وقد اتهم القضاء الفرنسي المفكر الفرنسي رجاء جارودي وكذلك الكاتب الصحفي إبراهيم نافع بتهمة معاداة السامية حسب قانون جيسو، فأين الحرية المطلقة في فرنسا الليبيرالية والعلمانية؟ وفي عام 2005 منع قاض فرنسي لوحة دعائية مأخوذة من فكرة لوحة العشاء الأخير للرسام ليوناردو دا فينشي . حيث تم تصميم اللوحات الدعائية لبيت” قيغباود” لتصميم الملابس وأمر بإزالة جميع اللوحات الإعلانية خلال ثلاثة أيام لأنها تمس معتقدات دينية، اليست الحرية هنا كذلك مقيدة بمصالح عليا؟ وألمانيا كذلك، فالبند الخامس من القانون الأساسي الألماني يرسم حدوداً لحرية الرأي والتعبير، حيث يمنع خطابات الكراهية ضد الدين والعرق والميول الجنسية، ويمنع استخدام الرموز النازية مثل الصليب المعكوف، وبرلين دولة من الدولة الكبرى التي تقدس الحرية، فلماذا تضع للحرية حدودا مقيدة؟ إنها بالتأكيد لمصالح عليا .. والولايات المتحدة الاميركية كذلك، حيث وضعت المحكمة العليا فيها ضوابط لحدود حرية الرأي والتعبير، وهو بات يعرف “باختبار ميلر” بدأ العمل به في العام 1973، ووضع ثلاثة محددات لحرية الرأي والتعبير وهي:
1ـ أن يرى غالبية الأشخاص في المجتمع طريقة التعبير مقبولة.
2ـ أن لا تعارض طريقة إبداء الرأي القوانين الجنائية في الولايات الأميركية.
3ـ طريقة عرض الرأي تتحلى بصفات أدبية جادة وفنية جادة، هذه أميركا التي تقدم نفسها حارسة للحقوق والحريات العالمية ،، الفردية والجماعية ،، تأملوا معنا في تلكم المحددات الثلاث اليست قيودا على الحرية الفردية حماية لثوابت الامة الاميركية؟ صحيح أن هامش القيود عندهم محددة وفي منطقتنا العربية واسعة لا تحمي حقوقا مقدسة فقط وإنما مصالح الكبار، وصحيح كذلك أن القوانين بما تلك التي تقيد حقا أو حرية لا بد أن يوافق عليها البرلمانات، وفي معظم دولنا العربية تسنها السلطة الحاكمة، وهذا دورنا كنخب أن نصارع من أجل اقتصار القيود على الثوابت الأساسية، وان يكون لممثلي الأمة الدور الفاعل في الموافقة أو انشاء القاعدة القانونية.
إذن، مبدأ التقييد عالمي ـ دون جدال – وإسلامي كذلك – دون جدال – وقد أوضحناه في الجزء الأول من هذا المقال، ومجتمعنا مثل تلك المجتمعات له ثوابت وطنية يجب أن تحمى بقوة التشريع والقضاء والمجتمع، ومن عينتها، الدين، والتعايش المذهبي، والسلم الأهلي، والوحدة الوطنية والترابية، ورمز هذه الوحدة .. وهذه الثوابت تحتم الثبات عليها، وهي تنتظر الآن منا الوقفات التضامنية، ليس لأنها في خطر، وإنما ماهية المرحلة العربية والكونية على السواء تحتم مخاطبة الوعي بقضية القيود العالمية التي تضع على بعض الحريات، البعض يسميها قيودا واخرين محددات وفريق ثالث تنظيم للحرية، الجوهر هنا انتفاء الحرية والحق المطلقين لأننا لو سمحنا لأنفسنا بالمساس بها، فذلك يعني دخولنا في فوضى عارمة ستفجر ينابيع من الفتن والحروب لا نهاية لها، كما تقتضي المرحلة منا كذلك القول صراحة أن عينية تلك الثوابت لا يمكن التنازل عنها أو التفريط بها حتى لو كانت هناك بعض السياسات العمومية التي تسيء لها أو كانت هناك تصرفات سلطات حكومية مسيئة .. كلها لن تبرر المساس بالثوابت ابدا ، فدورنا هنا محاربتها بوسائل دستورية وقانونية وعبر ممارسات ذكية حتى لا تؤثر سلبا على الثوابت، لأنها أي الثوابت فوق كل اعتبار وفوق كل الأشخاص وفوق السياسات العمومية غير الشمولية، ولأنها أخيرا، تشكل ضمانة لديمومة الوحدة بأهم مكتسباتها (الإيمانية والأمنية) التي نلمسها في صلاتنا على مدار الساعة دون خوف من انفجار أو قطع رؤوس ـ لا قدر الله ـ والحمد لله.

إلى الأعلى