الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / انقاذ ” بانكس ” .. بين البراغماتية والأيديولوجيا

انقاذ ” بانكس ” .. بين البراغماتية والأيديولوجيا

تعود أصول ” البراغماتية ” الى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين , وهي حركة فلسفية ارتبطت بأسماء الفلاسفة الاميركيين ( بيرس) , (وليام جيمس) و (جون دوي) , وترجع الى المصطلح اليوناني ” progma ” وتعني “العمل النافع ” او ” مسألة عملية ” ومؤسسها (تشارلز بيرس ) الذي كان اول من ابتكر كلمة البراغماتية في الفلسفة المعاصرة. وللوصول الى المعنى الحقيقي لها فلابد من التوغل بجوهرها وهو قائم على قياس كل عمل أو شيء، او حالة، بما تحققه من فائدة او ضرر فالشيء جيد وصالح اذا كان نافعاً وهو سيئ اذا كان ضاراً. بمعنى ان الشخص المعني هو وحده من يقرر الفائدة والضرر معتمداً على معاييره الخاصة كأداة لتقويم الاعمال والاشياء، ومن ثم يفقد الشيء خصائصه الموضوعية , وهو ما يسمى بلغتنا العامية (المصلحة من الشيء) .
وبالتأكيد فإن ” البراغماتية ” هي نقيض للـ “الايديولوجيا ” التى تقيد معتنقها بمنظومة أفكار وأهداف ثابتة تحدد مواقفه العامة سلفاً , وبذلك فإن معتنقي المذهب الاول على خلاف مع معتنقي الاخير وفي محاولة دائمة لاجتذابهم نحو مصالح تصب في مصلحتهم الخاصة , وهو ماحدث مع ” البراغماتي ” والت ديزني الذي حاول اقناع الكاتبة باميلا ليندون ترافرز لمدة عشرين عاما من أجل شراء حقوق قصتها ” ماري بوبينز” وتحويلها إلى فيلم من انتاج شركته الخاصة.

انقاذ بانكس (Saving Mr.Banks) : هو فيلم سيرة ذاتية ودراما اميركي , السيناريو من تأليف كيلي مارسيل واخراج السيناريست الاميركي جون لي هانكوك الذي رسخ عبر فيلمه اليوم اسمه في عالم الاخراج، الذي جاء إليه عام 1991 وقدم فيه نحو خمسة أفلام , كان من أبرزها “الجانب الآخر”( Blind Side)، وهي دراما تدور أحداثها في عالم كرة القدم الأميركية وقد حقق نجاحا جماهيريا ورشح لنيل جائزة الأوسكار عام 2009. و حصلت ممثلته البارعة ساندرا بولوك على أوسكار أفضل تمثيل .
واليوم ترصد لنا كاميرا هانكوك احداثا حقيقية تمكن فيها من النجاح بإدارة ممثليه بالفيلم، لاسيما وأنه تعامل مع اثنين من كبار ممثلي السينما (تومبسون وهانكس)، وبات الفيلم مباراة بينهما في تأكيد حضورهما على الشاشة واتقان الشخصيتين اللتين يجسداهما.
الفيلم من بطولة نجم الاوسكار العالمي (توم هانكس) ويقوم بدور منتج الافلام البراغماتى ” والت ديزني” والذي تمكن هانكس من تجسيده على صورته الحقيقية فقد اصر على تجسيده الشخصية وهو يدخن وقال انه لا يحب تجميل الشخصيات الواقعية التى يجسدها في افلامه وانه كان لن يقبل الدور اذا كانت شركة ” والت ديزني ” للإنتاج السينمائي ترغب في تجميل شخصية مؤسسها وتقديمه على انه “العم والت” تشاركه البطولة الممثلة الحاصلة على الاوسكار مرتين (ايما تومبسون) والتى تقمصت شخصية الكاتبة البريطانية المتشددة ذات العقلية المحافظة التى تقدس التقليد والقيم المثالية والكارهة للنمط والحياة الاميركية ( باميلا ليندون ترافرز) , والتى يحاول البراغماتي ديزني اقناعها 20 عاما لاقناعها بشراء حقوق قصتها لإنتاج فيلم يحمل عنوان القصة ” ماري بوبينز”, تمكنت تومبسون من اختطاف الأنظار بأدائها المميز لشخصية ترافرز شديدة التعقيد، وعكس انفعالاتها المختلفة بين القلق والتوتر أو النزوع للتأمل ، بين النظرة الفوقية أو الماضي والطفولة البائسة , فظلت تومبسون تتنقل في مشاهدها بين لحظات تبدو فيها بعينين قلقتين لا تستقران ومبالغة بالتعبير بالحركات في الأيدي أو عضلات الوجه للتعبير عن الانفعالات المختلفة لشخصيتها العصابية، أو نراها في مشاهد أخرى ساهمة وبوجه حيادي غارقة في التأمل والغوص في الماضي , يشاركهم البطولة العديد من الممثلين ومنهم (بول جياماتي) , (جيسن شوارتزمن) والممثل الايرلندي البارع (كولين فاريل) ويجسد دور والد الكاتبة ترافرز.
تلقى الفيلم العديد من المرجعات الايجابية جداً من النقاد، الذين مدحوا الإخراج والتمثيل .
يذكر ان الفيلم الاستعراضي ” ماري بوبينز” انتج عام 1964 ، وقامت بدور البطولة فيه الممثله جولي أندروز وويك فان دايك وأخرجه روبرت ستيفنسون، ونال حينها 13 ترشيحا للأوسكار، فاز بخمس جوائز منها، من بينها جائزة أفضل ممثلة وأفضل موسيقى وأفضل مؤثرات.كما حققت قصة “ماري بوبينز” نجاحا كبيرا عند صدورها لأول مرة عام 1934 وتحولت إلى سلسلة كتب أطفال ناجحة صدر منها 7 أجزاء كان آخرها عام 1988.

قصة الفيلم

تدور احداث الفيلم حول قصة حقيقية تستند وقائعها حول الروائية باميلا ليندون ترافرز مؤلفة ماري بوبينز ورحلتها الى لوس انجلوس للقاء منتج الافلام والت ديزني الذي يحاول اقناعها بتحويل روايتها الى فيلم سينمائي وبيع حقوق استخدامها سينمائيا لشركة ديزني خاصته .

لوس انجلوس 1961

تصل الكاتبة باميلا او الانسة (ترافرز) , كما تحب ان ينادى عليها, الى لوس انجلوس بعد اقناع طال الامد من وكيلها الفنى للقاء المنتج الشهير انذاك (ديزني ) وكاتب السيناريو للاطلاع على عملية تحويل قصتها الى فيلم سينمائي , وهي الفكرة التى ظلت ترفضها لمده 20 عاما ولكنها في الاخير وافقت عليها لاحتياجها الى المال.
تلتقي ترافرز بديزني , الذي يخبرها في اول لقائهما “اخيرا” بمعنى انه انتظر ذلك اللقاء مدة 20 عاما , ويخبرها باصراره على تحويل روايتها المشوقة الى فيلم بعد ان وعد بناته بتحويل قصتهم المفضلة (ماري بوبينز) الى فيلم سينمائي .
وبدورها ترافرز تشترط ان تقوم بمراجعة يومية مع فريق العمل (السينارست ومؤلفا الموسيقى والأغاني) وتشترط ألا يتضمن الفيلم أي مشاهد رسوم متحركة من تلك التي اشتهرت شركة ديزني بصنعها والتى نعتتها بـ ” السخيفة ” ، وأن يتم تسجيل وقائع العمل اليومي صوتيا.
يبدأ فريق العمل في وضع رسومات واغاني وتصميمات الفيلم , ويستمر الصدام اليومي بينهم وبين ترافرز التى يحركها هاجس داخلي بحماية شخصيات فيلمها كما تصورتهم في خيالها وفي البيئة الانجليزية التى رسمت احداثها فيها وهى تلك الشخصيات التى كانت لها تأثيرا في حياتها فهي تخيلت بهم من وحي حقيقة عاشتها في الماضي داخل منزل والدها ووالدتها وشقيقاتها , المتواجدين معها دائما في احلامها وذاكرتها .

بانكس

بانكس هي تلك الشخصية الرئيسية التى اختارتها ترافرز في روايتها , والتى استلهمتها من شخصية والدها الحقيقية , الذي كان له مكانة مركزية في حياتها , وتعلقت به كثيرا منذ طفولتها , وهو العامل الاساسي في تكوين شخصيتها المعقدة .
تستعيد ترافرز تفاصيل طفولتها المعذبة يوميا في احلامها , و خلال السرحان والرجوع الى الاحداث المدفونة بذاكرتها لتشاهد والدها المدمن للكحول الذي انهارت عائلتها بسببه , ومعاناة والدتها بعد ان فقد وظيفته كمديرا لبنك في استراليا , واصيب بالسل مما ادى لوفاته مبكرا .
وبرغم حبه الكبير وتدليله الدائم لها , الا انها اكتشفت مأساة حياته تلك , بعد ان رسمت صورة مثالية له , وهو أدى الى خلق شخصيتها المشوشة والمتشددة , فقررت ألا تخذله مجددا وتشوه تلك الصورة التى قد رسمتها له من قبل , فيبدأ صراعها من جديد مع صناع الفيلم عن طريق حذف تلك المشاهد التى يظهر فيها بانكس في صورة غير لائقة بالنسبة لها وتعديلها بحسب رغبتها .

مدينة الأحلام

دائما ما يبحث البراغماتي عن تأمين حاجاته المادية والمعنوية بكل الوسائل والظروف الممكنة , وهو ما فعله ديزني عندما شعر بأن ترافرز بدأت بالانسحاب والتراجع عن فكرة الفيلم , فيقرر ديزني اصطحابها الى مدينة الاحلام (والت ديزني) في جولة بعيدا عن اجواء العمل , ليصل الى ما بداخلها من مشاعر ويأخذ فرصته في التقرب منها وتنفيذ مطالبها , وتحقيق الهدف الذي يسعى اليه طوال 20 عاما .
ومع مرور الوقت , واقتناع ترافرز بعض الشيء بالتعديلات التى اجريت على سيناريو الفيلم والاغاني التى يحويها , احتدم الجدال مرة اخرى ولكن تلك المرة مع ديزني بنفسه , وذلك بسبب الوعود التى وعدها لها مسبقا بعدم احتواء فيلمها على الرسومات الكارتونية واستبدالها بحقيقية , وتقرر السفر والعودة الى منزلها ببريطانيا.
يقوم ديزني باللحاق بترافرز , لتتفاجأ به يقف امام منزلها في بريطانيا في وقت متأخر من الليل , حيث يتسلل ديزني الى حياتها ويخبرها انه تمكن من استيعاب ارتباطها بالرواية وعليها ان تترك ماضيها الأليم وتعيش حياتها , وتدعه ينقذ بانكس (والدها ) الذي قد ايقن تماما مدى الحب الذي تكنه له ابنته ماري بوبينز – يقصد الكاتبة باميلا ترافرز – وانه سوف لن يخيب ظنها وسيجعلها تفتخر بوالدها في جميع عروض للفيلم بعد ان ينال حقوق صناعته .

ماري بوبينز

بعد 20 عاما من الانتظار , يدعو ديزني اصدقاءه من صناع السينما والشخصيات المرموقة في المجتمع انذاك , لحضور حفل افتتاح ماري بوبينز في كاليفورنيا , ويرفض دعوة ترافرز التى تفاجئه بقدومها الى اميركا وانتظاره داخل مكتبه وسؤاله عن عدم دعوتها , فيتهرب من الاجابة ويخبرها بأنه لم ينسها وانه سوف يشرف على اقامتها بالفندق حتى بداية حفل الافتتاح , وهو الامر الذي يجعلها تشعر وكأن ديزني بعقليته التجارية قد خدعها بعد حصوله على مبتغاه .
الفيلم بأكمله استثنائي , مؤثر , يضعنا في قلب جدل محتدم بين قالبين او شخصيتين مختلفتين , حيث يبحث في الفروق الثقافية , بين عالم الادب والفن والتعنت والمبادئ التي لا تتجزأ ويمثلها الكاتبة ترافيرز , وعالم التجارة والمصلحة والذي يمثله والت ديزني الذي يسعى للنجاح والشهرة على حساب اي شيء يقف امامه . كما يجمع الفيلم الاختلاف الثقافي بين المجتمعين الاميركي والبريطاني .

رؤية : طارق علي سرحان
mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى