الأحد 20 أغسطس 2017 م - ٢٧ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / مراقبون ومحللون اقتصاديون لـ”الوطن الاقتصادي”: دول المجلس في خطر ولا بد من سياسات سريعة لتنويع مصادر الدخل
مراقبون ومحللون اقتصاديون لـ”الوطن الاقتصادي”: دول المجلس في خطر ولا بد من سياسات سريعة لتنويع مصادر الدخل

مراقبون ومحللون اقتصاديون لـ”الوطن الاقتصادي”: دول المجلس في خطر ولا بد من سياسات سريعة لتنويع مصادر الدخل

مع استمرار تسجيل أسعار النفط مستويات منخفضة لما دون 85 دولارا
عضو المجلس الأعلى للتخصيص في دولة الكويت:
ـ يتعين على متخذي القرار في دول المجلس السيطرة على كمية الإمدادات للسوق العالمية للنفط وذلك بوضع سقف للإنتاج وقاع للأسعار
ـ مطلوب تحديد المزايا النسبية لكل اقتصاد خليجي والعمل على إيجاد مشاريع استراتيجية فيما بينها

فضل البوعينين:
اعتماد دول المجلس على إيرادات النفط لتمويل موازناتها وبنسبة تفوق 85% من الأخطاء الفادحة والمخاطر المرتفعة

سعيد الصقري:
ـ المعادلة السحرية للحد من تأثير تراجع أسعار النفط هو الحد من الإنفاق العام للوصول إلى درجة التعادل
ـ المحافظة على النمو الاقتصادي واستدامته يتطلب موارد بشرية مؤهلة قادرة على الإبداع والابتكار

حسن العالي:
ـ على دول المجلس تطوير المزايا التي تتمتع بها في استقطاب الاستثمارات وتشغيلها مع الاهتمام بتنمية الموارد البشرية

تحقيق ـ يوسف الحبسي:
حذر العديد من المراقبين والمحللين الاقتصاديين في دول المجلس من خطورة استمرار اعتماد بعض دول المجلس على إيراداتها من النفط مما قد يدخلها في حسابات معقدة يمكن أن يشل من حركتها الاقتصادية ومشاريعها التنموية .. مؤكدين على ضرورة أن تعمل هذه الدول على وضع برامج من شأنها الحد من اعتمادها على مورد مهدد بالنضوب كسلعة النفط .. مطالبين بضرورة أن تعمل دول المجلس على تنويع مصادر الدخل واستغلال الثروات الطبيعية والبشرية التي تمتلكها من خلال توظيفها بالشكل الصحيح والمدروس.
وقالوا في متابعة لـ(الوطن الاقتصادي) من الصعوبة بمكان قياس حجم التأثير المتوقع على البرامج والمشاريع الإنمائية بشكل دقيق لكل دولة من دول المجلس نتيجة تراجع أسعار النفط، لكنها بالتأكيد ستكون كبيرة خاصة بالنسبة للدول التي تعتمد في إيرادتها على أكثر من 80% على النفط.
وأضافوا: أن أعتمد السلطنة على 86% من مواردها على النفط يتطلب حزمة من الخطوات والإجراءات الفاعلة والعملية لتقليل هذه النسبة للمستويات المعقولة لان إنتاج السلطنة من النفط لا يتجاوز المليون برميل وبالتالي فهذا قد يدخلها في حسابات معقدة إذا ما أرادت أن تكمل تنفيذ مشاريعها الإنمائية المختلفة .. مؤكدين على أن السلطنة تختلف عن باقي دول الخليج في أنها تمتلك العديد من المقومات والفرص الاستثمارية التي لم يتم توظيفها حتى الآن بالشكل الذي من شأنها رفع مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي.
وأضافوا: النفط سلعة ناضبة والاعتماد على إيراداتها أمر محفوف بالمخاطر؛ لذا يجب أن تهتم دول الخليج في التنمية الصناعية، التي تعتبر أساس التنمية، وأن تستثمر جزءا من إيراداتها في بناء قطاعات الإنتاج، وتحويل الفوائض المالية إلى صناديق سيادية تساعدها مستقبلا لتحقيق عوائد استثمارية تدعم التنمية، وتعوض أي نقص مستقبلي في إيرادات النفط.

برامج ومشاريع إنمائية
في البداية يحدثنا سعادة الدكتور عبدالحميد علي حسين، عضو المجلس الأعلى للتخصيص في دولة الكويت قائلا: من الصعوبة بمكان قياس حجم التأثير المتوقع على البرامج والمشاريع الإنمائية بشكل دقيق لكل دولة من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية نتيجة تراجع أسعار النفط، إذ عادة ما ترتبط هذه البرامج والمشروعات الإنمائية بالمصروفات الرأسمالية في الموازنات العامة لتلك الدول، والتي تتفاوت هيكل إيراداتها الكلية بنسبة ما تساهم به الإيرادات النفطية والهيدروكربونية، فعلى سبيل المثال تمثل الإيرادات النفطية أكثر من 92% من الإيرادات الكلية في دولة الكويت، و90% منها في المملكة العربية السعودية، في حين تمثل ما يقارب 60% في كل من دولة قطر ودولة الامارات العربية المتحدة .. كما يتفاوت أيضا سعر التعادل (سعر برميل نفط خام الإشارة الذي تتساوى عنده حجم الإيرادات المتوقعة مع حجم المصروفات المتوقعة على افتراض ثبات كمية الإنتاج) الذي يحقق التوازن للميزانية العامة لكل دولة من دول المجلس.
وذكر عبد الحميد علي أنه وباستخدام بيانات السنة المالية 2014/2015 يلاحظ أن سعر التعادل للموازنة العامة لدولة قطر يقارب 71 دولارا للبرميل (استنادا لسعر نفط خام الإشارة مزيج برنت)، في حين أن سعر التعادل لدولة الكويت هو 75 دولارا للبرميل، وفي دولة الإمارات العربية هو 80 دولارا للبرميل تقريبا، وفي المملكة العربية السعودية والسلطنة فهو يقدر بـ99 و100 دولار للبرميل على التوالي، أما في مملكة البحرين فتم تقديره بمبلغ 136 دولارا للبرميل.
وأشار إلى أن من الصعب توقع الإيرادات النفطية لكل دولة من دول المجلس، إذ أن ذلك مرتبط ليس فقط بسعر برميل النفط القياسي الذي تستخدمه الدولة، وإنما بمتوسط كمية الإنتاج الذي يقل بدوره أيضا نتيجة ضعف سوق النفط العالمية في ظل تقليص كمية الإنتاج في محاولةٍ لدعم الأسعار، ولقد بدأت أسعار النفط بالتراجع إبتداءا من يونيو ـ يوليو 2014 بعد أن ظل سعره يتراوح بين 105 ـ 110 دولارات للبرميل لفترة طويلة، ومقارنة بسعر نفط خام الإشارة مزيج برنت ليوم السبت الموافق 18/10/2014 الذي أقفل عند مستوى 86.16 دولار للبرميل (عقود ديسمبر)، وكذلك سعر إقفال الخام الأميركي الخفيف عند مستوى 82.75 دولار للبرميل (عقود نوفمبر)، يكون مؤشر النفط قد خسر ما بين 18% إلى 25% من قيمته، واستنادا لأسعار الإقفال التي تمت الإشارة إليها ـ وعلى افتراض ثبات حجم المصروفات ـ يتوقع لكل من السلطنة والبحرين والسعودية أن تحقق عجزا في ميزانيتها العامة لهذه السنة المالية، في حين لا يزال التوقع لكل من قطر والكويت والإمارات أن تحقق فائضا في ميزانيتها العامة للسنة المالية، وإن كان هذا الفائض يتآكل بسرعة مع انخفاض الأسعار .. وكما ذُكر آنفا فإن البرامج والمشروعات الإنمائية عادةً ما تدرج تحت بند المصروفات الرأسمالية والتي تتفاوت ـ لدول المجلس ـ ما بين 15 ـ 30% من حجم المصروفات المتوقعة لكل منها مقارنة بالمصروفات الجارية، والتي تصرف أغلبها على بنود الأجور والرواتب والدعومات والتحويلات الاجتماعية وغيرها، وعادةً ما يكون التأثير على المصروفات الرأسمالية (ومنها البرامج والمشروعات الإنمائية) سلبيا مع توقعات عجز الميزانية العامة إذ تشطب هذه المشروعات أو تؤجل وذلك لعدم توفر التمويل اللازم لتنفيذها خلال الفترة المخصصة.

ثلاثة عوامل
وتطرق سعادة الدكتور إلى أن السبب الرئيسي لتراجع أسعار النفط هو زيادة العرض على الطلب في الوقت الذي كان المتوقع هو عكس ذلك تماما (أي زيادة الطلب على العرض)، ويعزوا الخبراء أسباب هذه الزيادة وتراكم المخزون إلى ثلاثة (3) عوامل فنية أثرت على السوق العالمية:
أ. أتى انتاج النفط في كل من العراق وليبيا أفضل من المتوقع في بداية السنة على الرغم من الاضطرابات الداخلية والأوضاع غير المستقرة في كل منها.
ب. وفرة انتاج النفط من دول الإقليم (الشرق الأوسط) إضافة إلى وفرة انتاج دول من خارج الإقليم مثل روسيا وفنزويلا والولايات المتحدة الأميركية (الغاز الصخري).
ج. عدم نمو الاقتصاد العالمي بالقدر المتوقع في بداية السنة وبالتالي عدم نمو الطلب على النفط كما كان متوقعا خصوصا مع تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني.
وأضاف عضو المجلس الأعلى للتخصيص في دولة الكويت أنه ومن غير المستبعد أن يكون خلف هذه العوامل الفنية أسباب سياسية نتيجة صراعات محاور متنافسة للهيمنة على الموارد، فمن غير المنطقي حدوث مثل هذا التراجع في السوق العالمية للنفط (يتراوح ما بين 18 ـ 25%) في الوقت الذي يعاني فيه عدد غير قليل من الدول المصدرة للنفط مثل العراق وإيران وسوريا ونيجيريا وليبيا من اضطرابات داخلية أو عقوبات اقتصادية تؤثر على قدرتها وكفاءتها على تزويد السوق بالنفط، مع ذلك يشهد السوق مثل هذا الانخفاض في سعر برميل النفط، وفي حين كان من المنطقي خفض كمية الإنتاج ومحاولة دعم الأسعار ووقف تراجعها يلاحظ أن الواقع أتى عكس ذلك إذ أعلنت دولا ذات تأثير كبير على السوق عن رغبتها المحافظة على حصة انتاجها من النفط في السوق العالمية .. وهذا ما يجعل من الصعوبة بمكان توقع ما ستؤول إليه أسعار النفط في السوق العالمية في المستقبل على خلفية كل من حجم الطلب الفعلي (حجم الاستهلاك) ووجود المستثمرين (المضاربين على العقود المستقبلية)، إذ أن هذا الأمر (توقع اتجاه الأسعار) سيكون حتما أصعب إذا كانت الأسباب المرجحة سياسية بسبب صراعات محاور متنافسة، ففي تلك الحالة يكون تراجع الأسعار ذو علاقة بلعبة توازنات سياسية (لعبة عض الأصابع) من الصعب التكهن بمداها.

توجه خطير
وقال عضو المجلس الأعلى للتخصيص في دولة الكويت: للحد من تأثير تراجع أسعار النفط على الموازنات العامة لدول المجلس بشكل عام، وعلى البرامج والمشاريع الإنمائية بشكل خاص يتعين على دول المجلس العمل على تنويع مصادر دخلها وتقليل اعتمادها على الإيرادات الناتجة عن تصدير الغاز أو النفط الخام، إذ يمكن اعتبار هذه السلعة سلاح ذو حدين لكونها ذات طبيعة استراتيجية نتيجة الطلب الكبير والمتنامي عليها .. فعندما تكون السوق العالمية قويّة نجد أنها قادرة لا على تمويل الموازنة العامة بشكل أحادي فحسب، وإنما قادرة أيضا على أن تكوّن فوائض قابلة للاستثمار وتمويل سنوات لاحقة، أما في حال ضعف السوق العالمية ـ كما نشهد خلال هذه الفترة ـ فهي قادرة كذلك على خلق عجوزات كبيرة في الموازنات العامة، وذلك بسبب الاعتماد الكلي على الإيرادات الناتجة عن بيعها، ولتخفيف أثر هذه التقلبات الشديدة على الموازنة العامة يتعين على متخذي القرار التخطيط لتنويع مصادر الدخل فلا يكون لأي مصدر من مصادر الإيرادات العامة ـ في حال تراجعها ـ تأثيرا كبيرا على تمويل الموازنة العامة وبالتالي تمويل البرامج والمشاريع الإنمائية.
وحول اعتماد بعض دول المجلس بنسبة كبيرة على إيراداتها من النفط .. أكد سعادة الدكتور أن هذا التوجه خطر جدا ويمكن اعتباره سلاح ذو حدين، فهو قادر على أن يحدث تقلبات دراماتيكية في مستوى الدخل والإيرادات المتوقعة، وبالتالي على القدرة على استدامة الصرف على بنود الميزانية العامة بشكل عام وعلى البرامج والمشاريع الإنمائية بشكل خاص، ومن الجدير بالذكر أيضا أن الاعتماد على أي مصدر ثروة طبيعية بشكل كبير أو أحادي (كما يلاحظ في اعتماد دول المجلس على الغاز أو النفط الخام) لتمويل الموازنة العامة يُنتج حالة رخاء زائف تعرف في أوساط المختصين بظاهرة المرض الهولندي (Dutch Disease) تصيب المواطنين بتخمة معيشية تجعله يعزف عن العمل الجاد والاقتصاد المنتج، ويستعيض بالعمالة الأجنبية واستيراد السلع بدلا من انتاجها محليّا أو إقليميا (في حال تكامل اقتصادات دول المجلس) .. كما أن لهذه الظاهرة تأثيرات غير مباشرة تزيد الأمر سوءا، إذ أن العائدات المجزية الناتجة عن بيع الغاز أو النفط الخام تعمل على رفع سعر صرف العملة المحلية (مقابل العملات الأساسية) وبالتالي تقلل من قدرتها على المنافسة عالميا وبيع سلعها ـ المنتجة في قطاع الصناعات التحويلية ـ وبالتالي تؤثر سلبا على صناعاتها المحلية مما يؤدي إلى اندثارها، وهذا التراجع عادة ما يصيب جميع القطاعات الاقتصادية المحلية بشكل متفاوت مما يؤدي إلى ضعف القدرة الاقتصادية على خلق فرص عمل منتجة وزيادة نسبة الباحثين عن عمل، وبالتالي الاعتماد على الإعانات الحكومية.

حلول قصيرة
وأضاف عضو المجلس الأعلى للتخصيص في دولة الكويت أن هناك حلولا قصيرة المدى وحلولا أخرى طويلة المدى، فعلى المدى القصير يتعين على متخذي القرار في دول المجلس محاولة السيطرة على كمية الإمدادات للسوق العالمية للنفط، وذلك بوضع سقف للإنتاج وقاع للأسعار، على أن تتم محاولة إدارة السوق من خلال الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) وكذلك من خلال الشركاء المصدرين للنفط الخام من خارج المنظمة .. أما على المدى البعيد فيتعين العمل على الحد من الاعتماد على الإيرادات الناتجة عن بيع الغاز أو النفط الخام، والعمل على تنويع مصادر الدخل من خلال بناء منظومة اقتصادية حقيقية تعمل على تكامل اقتصادات دول المجلس ـ بدلا من تنافسها ـ وذلك بتحديد المزايا النسبية لكل اقتصاد من دول المجلس والعمل على خلق مشاريع استراتيجية فيما بينها، وتطوير سوق مشتركة تعمل على رفع كفاءة متطلبات سوق العمل، والاعتماد على التعليم والتأهيل لتنمية الأيدي العاملة الوطنية وبناء اقتصادات منتجة مشتركة ومعتمدة على بعضها البعض.
وقال سعادة الدكتور إن درجات التفاؤل تتفاوت بين دول المجلس ـ في قدرتها على تغطية وتمويل بنود الموازنة العامة ـ بناءا على أمرين:
أ. مدى تخطي سعر برميل نفط خام الإشارة سعر التعادل المقيّم في موازنتها العامة للسنة المالية الحالية أو العكس.
ب. وجود فوائض مالية ـ في الاحتياطيات العامة أو الصناديق السيادية ـ قادرة سد العجز المتوقع في موازنة السنة المالية الحالية.
وبغض النظر عن هذين الأمرين فإنه من الحصافة بمكان أن يكون التحوّط هو العامل الأساسي لمراجعة بنود الموازنات العامة (إن لم تكن معتمدة حتى الآن) من خلال إعادة دراسة أولويات البرامج والمشاريع الإنمائية للوقوف على المشاريع ذات الأولوية العليا القابلة للتنفيذ في هذه السنة المالية والعمل على تأجيل تنفيذ المشاريع ذات الأولويات الدنيا للسنوات المالية اللاحقة.
مؤكدا أن السبيل إلى تقليل دول المجلس اعتمادها على النفط وتنويع مصادر الدخل هو أن المطلوب من متخذي القرار في دول المجلس لتقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل، ضرورة العمل الجاد لتفعيل دور مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الجانب الاقتصادي بحيث تهيمن المصالح الاقتصادية المشتركة لدول المجلس على الجوانب الأخرى من برامج عمل المجلس (السياسة والأمنية)، لتقود بذلك فعاليات جدول أعماله وتعود بالمصلحة العامة على اقتصادات المنطقة.

تأثير تراجع أسعار النفط
وقال فضل بن سعد البوعينين مستشار ومحلل اقتصادي بالمملكة العربية السعودية: لا يمكن النظر لتأثير تراجع أسعار النفط على دول الخليج من منظور واحد؛ لأسباب مرتبطة بحجم الإنتاج؛ وحجم الموازنة التنموية؛ وحجم مساهمة النفط في تمويلها؛ وحجم الاحتياطيات المالية؛ إضافة إلى حجم النفقات الثابتة في موازنات دول المجلس المخصصة للرواتب والتشغيل .. وبشكل عام يمكن القول إن تراجع أسعار النفط سيؤثر سلبا في حجم إيرادات دول المجلس؛ إلا أن تأثيره على المشروعات التنموية ربما يكون نسبيا إذا ما أخذنا في الاعتبار قدرة بعض دول المجلس على تمويل مشروعاتها التنموية في حال العجز من خلال احتياطياتها المالية أو الاستدانة الداخلية، وتراجع أسعار النفط سيكون أكثر تأثيرا على دول الخليج الأقل إنتاجا؛ والتي أعتقد أنها ستواجه بعجوزات مالية العام القادم؛ ما لم تعدل من حجم إنفاقها العام؛ وسيكون محدود التأثير على برامج التنمية في الدول الأخرى التي يمكن أن تعوض تراجع الأسعار بزيادة الإنتاج؛ خاصة الدول التي تمتلك طاقة إنتاجية احتياطية.
وأشار فضل البوعينين إلى أنه وبرغم القلق تجاه تراجع أسعار النفط؛ والذي بدا واضحا على المراقبين من دول المجلس؛ أعتقد أن بقاء أسعار النفط فوق مستوى ثمانين دولارا سيحد كثيرا من أي أثار سلبية متوقعة على البرامج الإنمائية .. إلا أن دول المجلس مطالبة بضبط إنفاقها؛ وتحقيق كفاءة الإنفاق والحد من الهدر المالي في موازناتها.
وقال المحلل والمستشار الاقتصادي السعودي إن هناك الكثير من العوامل المتداخلة التي أثرت في أسعار النفط العالمية؛ إلا أن زيادة المعروض النفطي هو السبب الأكثر تداولا؛ خاصة مع بدء الولايات المتحدة في تصدير النفط؛ وظهور النفط الصخري؛ والانخفاض النسبي للطلب؛ وتباطؤ الاقتصاد العالمي .. وبرغم ذلك أعتقد أن المتغيرات العالمية ربما أسهمت في الضغط على أسعار النفط لأسباب إستراتيجية؛ وربما نشهد مستقبلا حرب أسعار غير مسبوقة تسهم في بقاء الأسعار عند مستويات الثمانين دولارا للبرميل.
وحول الحد من تأثير تراجع أسعار النفط على المشاريع الإنمائية والموازنة في دول المجلس قال: قد يكون الأمر سهلا على الدول ذات الطاقة الإنتاجية الفائضة؛ فمن خلالها يمكن زيادة الإنتاج لتعويض نقص الأسعار؛ وإن كان الأمر لا يخلو من المخاطر التي قد تقود إلى إغراق السوق بالنفط؛ فيؤدي ذلك للتأثير السلبي على الأسعار، أما الدول محدودة الإنتاج فلا سبيل أمامها إلا التعايش مع الأسعار المتدنية وهذا سيدفعها لتقليص موازنة العام القادم؛ فإن لم تستطع فستكون مضطرة للإستدانة، وهناك بعض البرامج التنموية التي يمكن تأجيلها؛ وأخرى برامج ملحة؛ وهي البرامج التي لن يمنع متغيرات الدخل تنفيذها؛ إلا أن طريقة تمويلها ربما اختلفت في حال انخفاض الدخل، هذا بالنسبة للمدى القصير؛ أما ما يتعلق بالأعوام القادمة؛ والتخطيط الإستراتيجي؛ فأعتقد أن تنويع مصادر الدخل هو المنقذ الوحيد من تأثير تراجع أسعار النفط على موازنات دول المجلس ومشروعاتها التنموية.
مؤكدا أن اعتماد دول المجلس على إيرادات النفط لتمويل موازناتها وبنسبة تفوق 85% من الأخطاء الفادحة والمخاطر المرتفعة التي لم تستطع دول الخليج التعامل معها، للأسف الشديد اعتماد دول المجلس على الدخل السهل حولها إلى دول ريعية؛ لا تهتم كثيرا بتنمية قطاعات الإنتاج؛ وبناء الإقتصاد؛ وتنوعه، وبما يوفر لها قاعدة إيرادات متفرقة يمكن من خلالها تمويل الموازنة .. وكان من المفترض أن تنعتق دول المجلس من الإعتماد الكلي على إيرادات النفط منذ التسعينيات الميلادية؛ وهي لم تفعل حتى اليوم، أعتقد أن استثمار جزء من إيرادات النفط في بناء قطاعات إنتاج مختلفة؛ وخلق صادرات نوعية؛ سيساعد كثيرا في حل المشكلة، وهناك فرص استثمارية وإنتاجية جمة في دول الخليج وهي لا تحتاج إلا إلى التخطيط الإستراتيجي الأمثل الذي يقودها إلى النجاح وتحقيق الأهداف.

التنمية الصناعية
وقال فضل البوعينين إن النفط مادة ناضبة؛ والاعتماد على إيراداتها أمر محفوف بالمخاطر؛ لذا يجب أن تهتم دول الخليج في التنمية الصناعية؛ التي تعتبر أساس التنمية؛ وأن تستثمر جزء من إيراداتها في بناء قطاعات الإنتاج؛ وتحويل الفوائض المالية إلى صناديق سيادية تساعدها مستقبلا لتحقيق عوائد استثمارية تدعم التنمية؛ وتعوض أي نقص مستقبلي في إيرادات النفط، أعتقد أن الإستراتيجية النرويجية في إدارتها لعوائد النفط وصندوقها السيادي؛ وتشجيعها الإنتاج الصناعي الذي جعلها في غنا عن إيرادات النفط هو النموذج الأمثل الذي أرجو تطبيقه في دول الخليج النفطية.
الدكتور سعيد بن محمد الصقري خبير اقتصادي وعضو مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية العمانية قال من جانبه: تعتمد دول الخليج بشكل كبير على النفط سواء كان ذلك الاعتماد تمثل في حجم الأنشطة النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، أو في قيمة صادرات النفط الخام من اجمالي الصادرات، أو في نسبة الواردات الحكومية من النفط مقارنة بإجمالي الواردات .. على سبيل المثال تقدر نسبة مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي في السلطنة في عام 2013م حوالي 39%، وبلغت قيمة الصادرات النفطية حوالي 66%، وشكل النفط حوالي 85% من جملة الواردات الحكومية.

مشهد متكرر
وأضاف الصقري: أن تراجع سعر النفط في الأسواق العالمية مشهد متكرر وحجم تأثيره المتوقع على مجمل الأنشطة الاقتصادية وخاصة البرامج والمشاريع الإنمائية متوقع، وفي عام 1986م، على سبيل المثال، انخفض سعر النفط بحوالي 46% وعلى اثر ذلك انخفض الإنفاق العام بحوالي 2% في نفس العام وبحوالي 15% في عام 1987م، وشهد الناتج المحلي الإجمالي انكماشا حقيقيا بلغ حوالي 4% في1987م، وفي الماضي القريب، في عام 2009م انخفضت أسعار النفط بحوالي 42% وأدى ذلك إلى خفض الإنفاق الحكومي بحوالي 1% وإلى تحقيق نسبة نمو بلغت 1% فقط في الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بنسبة 13% في عام 2008م، إذا وبالنظر إلى حجم النفط في الاقتصاد والى حساسية مجمل الأنشطة الاقتصادية إلى تقلبات سعر النفط في السوق العالمي فمن من المؤكد أنه إذا استمر سعر النفط في التراجع فانه سيؤدي إلى إعادة النظر في أولويات وبرامج ومشاريع التنمية ومع زيادة الانفاق الحكومي المتكرر الذي يقدر بحوالي 65%، فإنه من المؤكد انه يتم إعادة النظر في بعض مشاريع التنمية.
وحول وجهة نظره في الأسباب الرئيسية لتراجع الأسعار قال: تشير توقعات البنك الدولي إلى أن سعر النفط سيحافظ على انخفاضه هذا العام وفي العام القادم، وربما يستقر السعر في أحسن الأحوال بين 89 إلى 85 دولارا للبرميل الواحد، ومع أن النفط شديد التأثر بالعوامل الجيوسياسية، فإنه، أي النفط، شأنه شأن أي سلعة أخرى، تحكمه قوى السوق أو قوى العرض والطلب على المدى البعيد، فزيادة انتاج النفط الصخري خاصة في الولايات المتحدة الأميركية وكندا، واستمرار تدفق النفط وتصديره، بالرغم من عدم الاستقرار السياسي في عدد من الدول المصدرة للنفط في دول الشرق الأوسط مثل ليبيا والعراق، وارتفاع قيمة الدولار الأميركي مقارنة بالعملات الأخرى ساهمت إلى حد كبير في تراجع سعر النفط.
وقال إن تزايد القلق من تباطؤ النمو الاقتصادي في دول الاتحاد الأوروبي من 2 إلى 4%، وفي الدول الناشئة مثل الهند والصين (من 8 إلى 4% في الصين) عززت من الانكماش الحالي لسعر النفط.
وعلى الرغم من الصعوبة بمكان استشرف مستقبل الطلب على النفط وبالتالي توقع سعره من المفيد الإشارة إلى ما قاله رئيس الجمعية الاقتصادية العمانية في المؤتمر السادس للجمعية الاقتصادية “التنمية المستدامة والإنصاف في عمان بين التخطيط والواقع” في فبراير 2013م .. وتشير البيانات إلى أن إنتاج الولايات المتحدة من البترول (الصخري) في نهاية العام الماضي (أي عام 2012م) بلغ حوالي 7 ملايين برميل في اليوم .. كما توجد مكامن مشابهة لتلك الصخور الحاضنة للزيت في كل من جنوب افريقيا والصين والأرجنتين، وفي الوقت الذي تبذل فيه الحكومة الكندية جهودا كبيرة لتطوير التكنولوجيا لتتمكن من استغلال الرمل الزيتي الموجود لديها بكميات كبيرة، تبذل جهود أخرى لتطوير عملية استخراج الزيت الثقيل من أعماق المياه الإقليمية لكل من البرازيل وفنزويلا” “ولابد أن تنخفض (أي الأسعار) وسيمثل ذلك تحديا كبيرا لدول المنطقة والتي لن تتمكن من سد الفجوة بين الإيرادات والمصروفات”.
وحول ما يمكن أن يتسبب به تراجع أسعار النفط على المشاريع الإنمائية والموازنة قال إن انخفاض الإيرادات النفطية سيؤثر على السياسات المالية والاقتصادية وسيحد من قدرة حكومات دول المجلس بما في ذلك السلطنة من تنفيذ العديد من المشاريع والبرامج التنموية ولكنها، أي الحكومات، والوصفة المعروفة والتي تستطيع من خلالها الحد من تأثير انخفاض الإيرادات النفطية هي في إعادة النظر في هيكل الإنفاق العام الحالي بما في ذلك الدعم المباشر ولا أقصد هنا دعم محروقات وقود السيارات الخاصة فقط وإنما الدعم بشكل عام بما في ذلك دعم الطاقة حتى للقطاع الصناعي الذي يتمتع بالعديد من المزايا الأخرى، وإعادة النظر في بعض المشاريع بحيث يتم ترحيل بعضها للمستقبل وهذا يعني تقييم أولويات مشاريع الخطة الخمسية الحالية، أو ما تبقى منها، والخطة الخمسية التاسعة القادمة والتي سيتم البدء في تطبيقها في الفترة 2016 – 2020م، وإذا تتطلب الأمر، النظر أيضا، في هيكل الضرائب المطبق حاليا على الشركات والمؤسسات الخاصة، وباختصار، المعادلة السحرية للحد من تأثير تراجع أسعار النفط هو الحد من الإنفاق العام للوصول إلى درجة التعادل، حتى لو كان يعني ذلك انكماشا جزئيا في مجمل الأداء الكلي على المدى القصير.
اما بالنسبة للمدى البعيد وأكرر مرة أخرى الوصفة المعروفة والتي نستطيع من خلالها الحد من تأثير انخفاض الإيرادات النفطية هي أولا: تنويع الإنتاج الاقتصادي، على سبيل المثال، استطاع الاقتصاد العماني أن يحقق نموا كبيرا على مستوى نمو الناتج المحلي الإجمالي، إذ حقق نموا سنويا بلغ 6% في الفترة 1970 ـ 2011، وزاد متوسط دخل الفرد السنوي بحوالي 3% في نفس الفترة ولكن القطاعات الإنتاجية لا تزال تعتمد وبشكل كبير على مجمل أداء الأنشطة النفطية، والاقتصاد لا يزال وبشكل كبير رهين تطورات سعر النفط في الأسواق العالمية، فكما تمت الإشارة سابقا بلغت نسبة مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي في السلطنة في العام المنصرم حوالي 39%،وبلغت مساهمة قطاع الخدمات 34.6%، والقطاع الصناعي حوالي 25% والقطاع الزراعي والسمكي حوالي 1%، في نفس الفترة لكل القطاعات .. ولكن مساهمة قطاع الخدمات قائم على النفط وحتى القطاع الصناعي جزء مهم منه قائم وجود الصناعة النفطية .. بمعنى آخر، إذا تم احتساب مساهمة النفط المباشرة وغير المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي ستزيد على 74%، وبالنظر إلى أرقام التجارة الخارجية ومصدر دخل المال العام فإنها تؤكد على أهمية الأنشطة النفطية في الاقتصاد، فبلغت قيمة الصادرات النفطية حوالي 66% في عام 2013م، وشكل النفط حوالي 85% من جملة الايرادات الحكومية في نفس العام.

تنويع مصادر الدخل
وتطرق الصقري إلى ضرورة تحقيق التنويع الاقتصادي فقال: يجب الإشارة إلى أن التنويع يقوم على عدة عناصر منها التعليم وليس أي تعليم بل تعليم جيد بحيث تتنافس المؤسسات المحلية والعالمية على توظيف الخريجين، وهذا يتطلب أيضا وجود برامج تأهيل وتدريب جيدة تخرج يد عاملة مؤهلة وذات ماهرة عالية، وحتى الآن لا تزال مخرجات التعليم دون متوسط المستوى العالمي .. كما تشير إلى ذلك العديد من الدراسات الدولية، غني عن القول أن المحافظة على النمو الاقتصادي واستدامته يتطلب موارد بشرية مؤهلة وقادرة على الإبداع والابتكار وغياب موارد بشرية مؤهلة ومبدعة من الأسباب الرئيسية التي حالت دون تنويع قاعدة الإنتاج الاقتصادي.
وذكر الصقري أن عملية استدامة التنمية والتنويع الاقتصادي تتطلب إدارة الموارد بكفاءة مطلقة، وخلصت العديد من الدراسات بان النمو الاقتصادي في دول الخليج تم عن طريق زيادة عدد العاملين وليس عدد المتعلمين وزيادة عدد الآلات والمعدات (أو رأس المال العامل) في القطاعات الاقتصادية المختلفة، وأما الإدارة الجيدة للموارد والكفاءة بما في ذلك الابتكار والموارد البشرية المتعلمة فدورها في عملية النمو الاقتصادي كان ثانويا، بينما تتطلب عملية استدامة التنمية والتنويع الاقتصادي إدارة كلية تتصف بالكفاءة المطلقة وموارد بشرية قادرة على الإبداع والابتكار، وحسن إدارة الموارد يتطلب بدوره الاستثمار في الموارد البشرية ودعم برامج البحث والتطوير.
وهنا لا بد من التنويه أن الاقتصاد العماني يعاني مما يمكن تسميته “انفصام اقتصادي” من ناحية يعتمد الاقتصاد على استغلال النفط، مورد طبيعي، كثيف رأس المال ويتطلب عدد قليل من الموظفين ذوي المهارات العالية وتقنيات متقدمة جدا .. ولكن من ناحية أخرى هذا القطاع المهم لم يؤدي إلى توليد روابط اقتصادية محلية كثيرة، فإنتاج النفط يعتمد على تكنولوجيا غير محلية وتقنيات مستوردة والإدارات العليا للقطاع تديرها في كثير من الأحيان يد عاملة غير عمانية، أما المنتج، وهو النفط، يباع جله خام في السوق العالمي، ونقله وتسويقه في الأسواق العالمية يتم من خلال تقنيات غير محلية، بل هي الأخرى مستوردة، إذا إنتاج النفط واستغلاله يتم بشكل شبه منفصل وغير مرتبط بالاقتصاد المحلي، وأما القطاع الآخر وهو أهم قطاع يأتي بعد النفط فهو قطاع الخدمات، وهذا القطاع يوظف أكبر عدد من العاملين في الاقتصاد ولكن أكثر العاملين في هذا القطاع هم عمال شبه مهرة أو غير مهرة أو عمال غير منتجين، وتتنافس عوامل الإنتاج في هذا القطاع على هؤلاء العمال شبه المهرة أو غير المهرة أو غير المنتجين، إذ يعمل أهم قطاع، وهو النفط، بشكل مستقل أو شبه مستقل عن القدرات والإمكانات المحلية وليس هناك ثمة رابط بين الدخل المتأتي من النفط وانتاجية العاملين ومن هنا يأتي الانفصام الاقتصادي.
كما يدعو بعض المتخصصين إلى ضرورة إعادة العقد الاجتماعي القائم بين المواطنين والدولة والمتمثل في “السياسات الشعبية” التي ركزت على توليد فرص عمل وهمية وزيادة الأجور بشكل كبير دون أن يقابل ذلك زيادة حقيقية في الإنتاج.

سعر التعادل
وقال حسن العالي خبير اقتصادي بمملكة البحرين: سوف يتفاوت تأثير انخفاض النفط على الاقتصاديات الخليجية من بلد إلى أخر وذلك تبعا لعدة عوامل أهمها سعر التعادل لدى كل دولة خليجية والسعر التقديري الذي بنيت عليه ميزانيات 2014 ونسبة مساهمة النفط في الخزينة الحكومية، فعلى سبيل المثال قد تعاني السلطنة والبحرين في حال تدني الأسعار بصورة أكبر إذ إن سعر تعادل النفقات والإيرادات في ميزانيتيهما يتطلب سعر نفط يفوق 100 دولار, في حين يبلغ سعر التعادل 86 دولارا للسعودية، وتأتي الكويت كصاحبة سعر التعادل الأدنى الذي يقدر عند 52 دولارا هذا العام بحسب صندوق النقد الدولي، وبشكل عام, تضع التقديرات سعر التعادل في الخليج عند ثمانين دولارا كمعدل وسطي في 2014، ويبقى أن ننتظر المستويات التي ستثبت عندها الأسعار.
وأشار إلى أن الكويت احتسبت في ميزانيتها الأخيرة معدل أسعار النفط عند مستوى 75 دولارا بينما قطر تحفظت قليلا واحتسبته عند 65 دولارا، والسعودية كانت هي الأعلى حيث احتسبت سعر برميل النفط عند 90 دولارا .. لكن يلاحظ بالنسبة للسلطنة والبحرين، أن نسبة مساهمة النفط في الناتج المحلي هي الأدنى مما يعني أن تراجع النفط قد يؤثر على ميزانية الدولة ولكن بصورة أقل على النمو الاقتصادي كون جزء كبير من هذا النمو مرتبط بالقطاعات غير النفطية.
وقال حسن العالي: يشير بعض المحللين، المتأثرون بنظرية المؤامرة، إلى الأجواء الجيوسياسية غير المواتية في العالم، ويلمحون بشكل خاص إلى الخلاف الروسي الأميركي ورغبة الولايات المتحدة في الضغط على روسيا وإلحاق الضرر باقتصادها الذي يعتمد على صادرات مواد الطاقة إلى حد ما، بالفعل فإن تراجع العائدات الروسية من الصادرات قد أدى إلى تراجع مؤشرات أسعار الأسهم الروسية في سوقي MICEX وRTS وإلى انخفاض سعر صرف العملة الروسية بشكل كبير، حيث أصبح الدولار يباع بما يقارب 40 روبل بدلا من 35، ولكن هذا المبرر يبدو لي غير مقنع بما فيه الكفاية، فانخفاض سعر صرف الروبل عامل ايجابي لنمو الإنتاج الروسي وليس سلبيا لما يوفره من حماية أمام السلع المستوردة .. كما أن انخفاض الروبل يعوض ميزانية الدولة إلى حد ما عن انخفاض العائدات النفطية، هذا إلى جانب أن تراجع أسعار النفط يعتبر عاملا مشجعا وايجابيا لنمو الاقتصاديات المنافسة للاقتصاد الأميركي ومنها الاقتصاد الصيني والأوروبي.
وأضاف: إذا فلنترك نظرية المؤامرة جانبا ولنراجع معا عاملين مهمين يؤثران على أسعار النفط: الأول هو تراجع الطلب، فتقرير وكالة الطاقة الدولية كان يتوقع ارتفاعا كبيرا في الطلب العالمي على النفط خلال الربع الرابع من عام 2014 بمقدار 1.2 مليون برميل يوميا ليصل إجمالي الطلب في العالم على النفط إلى 93.9 مليون برميل، أما في الواقع فإن الاستهلاك لم يرتفع حتى الآن إلا بمقدار 990 ألف برميل، ويعود ذلك إلى تراجع النمو في البلدان المستهلكة للنفط بشكل كبير مثل الولايات المتحدة التي انخفض الإنتاج الصناعي فيها في الشهر الماضي لأول مرة منذ سبعة أشهر، ونفس الأمر ينطبق على الصين، ويعود تراجع الطلب الأميركي جزئيا إلى زيادة إنتاج النفط من دول خارج منظمة أوبك نتيجة لطفرة النفط الصخري في أميركا الشمالية وبالخصوص الولايات المتحدة الأميركية .. مشيرا إلى أن العامل الآخر فهو سعر صرف الدولار، فهذا العامل له تأثير كبير على أسعار النفط، ولذلك فمع بدء تعافي الاقتصاد الأميركي والتحول التدريجي عن سياسة التيسير الكمي فإن سعر صرف الدولار قد أصبح مرشحا لمزيد من الارتفاع خلال الفترة القادمة، ومثلما نعلم فإن النفط مقيّم بالدولار ولذلك فإن سعره يتناسب تناسبا عكسيا مع سعر صرف العملة الأميركية.
ومن هنا فإذا كانت البلدان المصدرة للنفط تستطيع في مؤتمر أوبك القادم الذي سينعقد في نوفمبر الجاري أن تتخذ قرارا بتخفيض سقف إنتاجها إلى 29.5 مليون برميل في اليوم أو أكثر وتعيد بالتالي التوازن بين العرض والطلب على النفط فإنها بلا حول أو قوة فيما يخص سعر صرف الدولار الذي يشق طريقه نحو الارتفاع في الفترة القادمة.

ترشيد الانفاق
وقال: بالرغم من الجهود التي تبذلها دول المجلس في تنويع مصادر الدخل، فقد حدث تغير طفيف في درجة الاعتماد على الهيدروكربونات في العقد الماضي، حيث زاد الاعتماد عليه في المالية العامة، وخلال الفترة 1990-1999 ، كانت الهيدروكربونات تشكل عموما حوالي 80% من الإيرادات وصادرات السلع والخدمات في دول مجلس التعاون الخليجي، باستثناء البحرين، وفي الفترة 2000-2010 زاد اعتماد المالية العامة على الهيدروكربونات في المقام الأول، فتقاربت نسب الهيدروكربونات نحو 90% من الإيرادات و80% من الصادرات في غالبية دول المجلس، وكان الاستثناء الوحيد هو دولة الامارات العربية المتحدة، حيث تراجعت الهيدروكربونات إلى نحو 60% من الصادرات، كما انخفضت مساهمتها في الإيرادات انخفاضا طفيفا، ومما لا شك فيه أن هذا التحول نحو المزيد من الاعتماد على الهيدروكربونات يأتي انعكاسا لارتفاع أسعار النفط على مدار العقد الماضي، وخطورة تنامي الاعتماد على مصدر واحد في تحريك الاقتصاد واضحة خاصة إذا كان هذه المصدر خاضع لتقلبات أسواق العرض والطلب العالمية.
وحول الحلول المناسبة في حالة استمرار تراجع أسعار النفط قال: في المدى القريب يجب أن تتركز الحلول على ترشيد الإنفاق وتقليل النفقات غير الضرورية أو تأجيل تنفيذ المشاريع الثانوية التي لا تمس المواطن مباشرة .. كما أن اللجوء لاحتياطيات الفوائض النفطية هو أسلوب متبع لدى معظم دول المجلس، علاوة على ذلك فقد صدرت بعض التوصيات ببدء دول المجلس فرض ضريبة على المبيعات الكمالية وغير الضرورية التي سوف تذهب مواردها لتنويع مصادر الخزينة الحكومية.
مؤكدا أن دول المجلس اتبعت منذ زمن سياسة ثابتة في بناء موازناتها على أسعار متحفظة للنفط، ولكن ارتفاع سعر التعادل لدى بعض هذه الدول دفعها لبناء الأسعار التقديرية عند مستويات مرتفعة نسبيا مما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط، وسواء نظرنا في المدى القريب أو المتوسط، فأنه لا بديل عن تقليل الاعتماد تدريجيا على النفط وخاصة عند ربطه بتمويل النمو الطويل الأجل أو التنمية المستدامة للبلد .. فكلما تم ربط برامج التنمية بمصادر تمويل مستقرة كلما تم ضمان نجاحها بصورة أكبر.
وأشار إلى أن اعتماد استراتيجيات التنمية سوف يبقى في المدى المنظور على الموارد الطبيعية المتوفرة بدول المجلس وكذلك الموقع الجغرافي المتميز .. ولكن في ظل المنافسة الشديدة من قبل الدول المختلفة إقليميا ودوليا، بات على دول المجلس تطوير المزايا التي تتمتع بها في استقطاب الاستثمارات وتشغيلها سواء الخليجية أو العربية والعالمية وذلك من خلال الاهتمام بصورة أكبر بتنمية الموارد البشرية الوطنية وتخريج الأيدي المتخصصة نحو مختلف التخصصات المهنية والفنية، علاوة بالطبع على تحسين مناخ الاستثمار وتوفير الفرص الاستثمارية والتسهيلات الأخرى في مختلف القطاعات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية، ولاسيما القطاعات الصناعية والخدمية المولدة للوظائف ذات الدخل المجزي للمواطنين وليس المولدة للوظائف منخفضة الرواتب التي تذهب للأيدي العاملة الأجنبية وتؤدي بالتالي لتفاقم أعدادها ومخاطرها، والمطلوب كذلك تعظيم الاستفادة من قطاع الطاقة من خلال إيجاد الروابط ما بين قطاعات النفط والغاز وبقية القطاعات الاقتصادية الأخرى إذ إن حجم إنتاج وصادرات النفط والغاز من منطقة الخليج يمكنه دعم الأنشطة الاقتصادية الثانوية والتكميلية الضخمة والمتنوعة التي تكون مطلوبة عادة لمساندة حجم معين من إنتاج النفط والغاز، إذا تقوم صناعة النفط والغاز عادة بإسناد أعمال لجهات خارجية بشكل دوري ومعتاد في مختلف المجالات والقطاعات مثل الخدمات الفنية والآلات وخدمات النقل وعمليات المحاكاة والتصنيع وصيانة الحقول النفطية والخدمات القانونية والمالية المتخصصة وتمويل المشاريع وخطوط الأنابيب وأعمال التركيبات وعدد ضخم آخر من الخدمات المساندة.

إلى الأعلى