السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ

مبتدأ

يحفل العدد الجديد من “أشرعة” بالقراءات والدراسات النقدية لأعمال مجموعة من الشعراء العمانيين والعرب، “تسابيح الغياب لصالح الحاتمي”، و”بلل لعبد الناصر السديري” و”استغفار لعبد العزيز العميري” ثلاثة نصوص فائزة بالمراكز الثلاثة الأولى في مسابقة المنتدى الأدبي للعام 2011م، يقدم لها حمود الحجري قراءة، ضمن ما تحاوله، معالجة العنوان كـ(عتبة أولى) و:مدخل” للنص، مؤكدا أنه تناول سريع، ومقتضب لها.
قراءة أخرى يقدمها جميل السلحوت لديوان الشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري “عرّاب الرّيح” ويؤكد أن هذه القراءة العاجلة لا تغني عن دراسة مطولة، وعدنا بأنها ستأتي لاحقا، ومن يطالع “عرّاب الرّيح” سيجد نفسه أمام جماليات متعددة ومتميزة، فعبدالسلام العطاري الذي يمتلك موهبة بائنة، لم يكتف بالموهبة ولم يرتكن لها، بل نماها وصقلها بثقافة نهلها من صفحات الكتب، ومن معايشته الواعية للواقع، فاستفاد من تجارب غيره الشعرية، وبنى لنفسه نهجا ربما لم يتقصده، لكنه جاء معه عفو الخاطر.
وإذا كان البعض يرى أن الشعر “لحظة شعور” فان القارئ لقصائد الديوان سيتأكد من صحة هذه “النظرية” فالرجل يكتب أغنياته في لحظة صدق مع الذات، لا يتصنع ولا “يتنطع”، وتتجلى روعته بمفرداته السلسة الانسيابية المنتقاة، وهو بهذا يؤكد من جديد أن المبدع ابن بيئته، ومن يعرفه عن قرب، فسيرى أن قصائده انعكاس لشخصيته، فهو إنسان رقيق، قلق، غاضب، ومرح أيضا، وهي تناقضات من صفات المثقفين. وبما أنه ابن بيئته فقد تميز باختياره لصوره الشعرية من الريف الفلسطيني، حيث عاش ويعيش، لذا فإن السنابل والأشجار والجبال وتقلبات المناخ، هي نبع ينهل منها صوره الشعرية، وكذا الإنسان الفلسطيني الكادح، والفلاح الذي يعتني بأرضه، وراعي الأغنام، وقاطفو الثمار، والمعذبون على الحواجز وفي السجون من أبناء الوطن الذبيح من الوريد إلى الوريد. وبعمق ثقافته فانه يستلهم التراث الديني والثقافي والموروث الشعبي، وقد نجدها كلها في قصيدة واحدة، ومن هنا فإن قصائده “من السهل الممتنع” لا تعقيد فيها، ولا ابتذال، وتنبع سهولتها من بساطة كلماتها الانسيابية، ويمتنع فهمها لمن لا يتحلى بثقافة تضمن له فهم المقروء ورمزيته الشفافة.
وفي منطقة ليست بعيدة عن القراءة (الأقرب إلى النقدية) يقدم لنا حمد الخروصي،
توثيقا لقصائد حامد بن مكتوم الجنيبي الغزلية، يستعرض خلاله روعة قصائده وأسلوبه الشعري الآسر، وما يتميز به الجنيبي من لغة شعرية بدوية جميلة وعاطفة صادقة تبوح بأسرارها في كل بيت. وهو لا يختلف عن معظم شعراء الوسطى بتميزهم بالشعر الغزلي وجرأتهم الكبيرة بالتصريح بمشاعرهم الصادقة. ويناقش العدد الجديد من “أشرعة” أعمال ندوة “أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي .. إعادة تفكير” ، التي أقيمت ضمن فعاليات مهرجان القرين الثقافي بالكويت، ومن المفارقات التي تستوقفنا أن هذه الندوة عقدت لأول مرة قبل أربعين عاما، وكان للمفكرين والمختصين فيها آراؤهم وأحاديثهم، ما يؤكد أن أزمة التطور لا تزال قائمة مما دفع القائمين على أمر هذه الندوة إعادة فتح ملفها. والواقع يشهد أن أزمة التطور الحضاري في العالم العربي، بل في العالم الإسلامي لم تخف شدتها بل ازدادت تفاقما.

إلى الأعلى