الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / لمناسبة “وعد” بلفور!

لمناسبة “وعد” بلفور!

كاظم الموسوي

”بعد ما يقارب القرن على “الوعد”! تستعيد فلسطين اسمها في قرارات اعتراف دولية، بدأتها مملكة السويد وتلتها بريطانيا ومن المتوقع أن تقر أكثر من عشر دول أوروبية قريبا بخطئها وتعترف بفلسطين رسميا وبتصويت برلماني واعتراف حكومي متكامل. وأصبحت القضية الفلسطينية رغم كل ما تمارسه السياسات الغربية وقيادتها الأميركية من ظلم بحقها تستعيد قوتها دوليًّا وقانونيًّا وشعبيًّا.”
ـــــــــــــــــــــــــ
سُمي هكذا وعد، وسرت التسمية أو أشيعت وسجلت تاريخيًّا، وأصبحت سيرة تروى وتتكرر في قصة شعب ووطن. هل فعلا هو وعد وكيف يمكن ان يكون؟، ولماذا يهتم به كوعد بينما تنسى أمثاله أو تتغير حسب موازين القوى؟!.
في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1917، صدر عن وزير خارجية المملكة المتحدة، الامبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، ارثر جيمس بلفور، خطاب موجه للزعيم الصهيوني، اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، أشار فيه إلى تأييد الحكومة البريطانية لإنشاء “وطن قومي لليهود في فلسطين”!. فتحولت كلماته المعدودة إلى الإشارة الأولى لتجميع العصابات الصهيونية من كل أنحاء العالم، وبالتواطؤ مع دولة الانتداب البريطاني والحكومات الاستعمارية الغربية لاحتلال ارض فلسطين، وبدء التغريبة الفلسطينية. أو صار بمثابة الخطوة الأولى لحكومات الغرب لتنفيذ مآربها الاستعمارية على طريق إقامة كيان لليهود على أرض فلسطين، وسط الوطن العربي، مستغلين المشاريع وخطط الحركة الصهيونية في تحقيق المصالح الاستعمارية في المنطقة.
حين صدر الخطاب كان عدد اليهود في فلسطين لا يزيد على خمسين ألفا، 5% من السكان. بينما ارتفع عددهم عام 1948 إلى ستمائة وخمسين ألف مهاجر، ثم تتابعت الهجرات من كل أنحاء العالم. مرورا في تطبيق قرار التقسيم الذي صدر من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947. وتمكن الصهاينة من استغلاله ومن صك الانتداب، بإقامة الكيان في 15 أيار/ مايو 1948، والحصول على عضوية الأمم المتحدة بضغوط الدول الكبرى، وأصبح الكيان أول دولة في تاريخ النظام السياسي العالمي تنشأ على أرض الغير، وتحصل على مساندة دولية، وتتوسع وتبتلع المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية، وتبطش بمن تبقى من الشعب الفلسطيني على أرضه، وتتغطرس في المنطقة، وتكون قاعدة استراتيجية للمصالح الغربية وحارسا أمينا لها.
ورغم إقرار الكثير من السياسيين والمؤرخين ورجال القانون ببطلان “وعد بلفور”، حيث كانت فلسطين عند صدور الوعد جزءا من الدولة العثمانية، وهي وحدها صاحبة الحق في التصرف بشأنها، ولم تشترك فيه الحكومة العثمانية، بالإضافة إلى تناقضه مع البيان الرسمي الذي أعلنته بريطانيا عام 1918، أي بعد صدوره، ونص على “أن حكم هذه البلاد يجب أن يتم حسب مشيئة ورغبة سكانها، ولن تتحول بريطانيا عن هذه السياسة”. كما تعارض بديهيا مع مبدأ حق تقرير المصير الذي أعلنه الحلفاء، وأكدته بريطانيا. ورغم ذلك تصر الدول الغربية باستمرار الظلم التاريخي والقانوني والأخلاقي وتعمل بجهودها المختلفة على تأبيد انتهاكها بتأييدها المتواصل للكيان الصهيوني وإجرامه، والمساهمة فيه عبر تزويده بما يحتاجه أو تعوضه عن خسائره في تلك الجرائم، حسب توصيف القانون الدولي والمعاهدات العالمية.
بعد ما يقارب القرن على “الوعد”! تستعيد فلسطين اسمها في قرارات اعتراف دولية، بدأتها مملكة السويد وتلتها بريطانيا ومن المتوقع أن تقر أكثر من عشر دول اوروبية قريبا بخطئها وتعترف بفلسطين رسميا وبتصويت برلماني واعتراف حكومي متكامل. وأصبحت القضية الفلسطينية رغم كل ما تمارسه السياسات الغربية وقيادتها الأميركية من ظلم بحقها تستعيد قوتها دوليا وقانونيا وشعبيا. وكانت 138 دولة قد وافقت على الاعتراف فعليا بدولة فلسطينية مستقلة في تصويت أجري بالجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012، ولم تعلن معظم دول الاتحاد الأوروبي اعترافها الرسمي حينها. كما ان الشعب الفلسطيني الذي قدم التضحيات الجسام من أجل حقوقه المشروعة ما زال يواصل كفاحه البطولي من اجل التحرر الوطني. هذا الكفاح يرسم ملامح القضية الفلسطينية وآفاق مستقبلها. وفي هذه المناسبة يمكن التذكير بأن الأمم المتحدة التي اصدرت قرار التقسيم عام 1947 ونفذ بعد عام لصالح طرف واحد منه ولم يلغ أو يتغير بعد، أصدرت قرار 3379 باعتبار الصهيونية حركة تمييز عنصرية، في 10/11/1975، ولكن الحركة تمكنت ومن يؤيدها من الدول الاستعمارية من الغاء هذا القرار بعد نحو 16 عاما، (تفاخر السفير الأميركي جون بولتون بدوره في إلغاء القرار وكُرم بعده بوسام لبناني من قبل تيار سياسي لبناني متنفذ).. فلماذا لا يمكن العودة الآن لإعادة الاعتبار لهذا القرار والمطالبة به وإدانة الكيان كمشروع عنصري فاش في المنطقة، رغم الأوضاع العربية والعالمية المتقلبة والمتصارعة.
اعتراف اوروبا بفلسطين لم يكن جديدا. وبالمناسبة وللتاريخ اتذكر لقاءً حصل في عام 1998 في مدينة مالمو السويدية مع الوزير السويدي بيير شوريه، بعد عودته من زيارة لفلسطين المحتلة انه قال ان حزبه الديمقراطي الاشتراكي يعترف بدولة فلسطين حال اعلانها. وهكذا تم هذا القرار مؤخرا، حين عاد الحزب إلى السلطة من جديد. ويمكن اعتبار هذه الاعترافات بتصحيح مسار ولكنها تبقى غير كافية دون ان ينال الشعب الفلسطيني كامل حقوقه المشروعة. وان تظل القضية بوصلة للقوى الوطنية والقومية التحررية من اجل الحرية والديمقراطية والاستقلال والتقدم الاجتماعي.
لمناسبة “وعد بلفور” وغيره من المشاريع التصفوية يتطلب فلسطينيا، العمل على تحشيد كل الطاقات والقوى الفلسطينية، بالوحدة الوطنية بين كل التيارات والفصائل، وعدم تركها بيد تيار اليمين الفلسطيني، وتطوير ما تحقق من إنجازات ومكتسبات وإطلاق عملية حوار وطني واسع من أجل حكومة وطنية تتحمل مسؤولياتها في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ القضية. لا سيما في مواجهة الاستيطان الزاحف وتهويد القدس المتمادي والعمل المشترك في اطار استراتيجية فلسطينية متكاملة ببناء جبهة مقاومة شعبية شاملة في فلسطين المحتلة ومواصلة المعركة السياسية في الأمم المتحدة ومؤسساتها والمحاكم الدولية والمنظمات والشخصيات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة. وعربيًّا استمرار الدعم العربي الشعبي والرسمي للكفاح الوطني ومساندة إنجاز المهمات المرحلية ورفض التطبيع أو التعامل مع العدو. ودوليًّا توسيع الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية والمقاطعة بشتى أشكالها للكيان العنصري وتعزيز العلاقات المتبادلة بين الكفاح الوطني الشعبي والتضامن الإنساني وتحريك القانون الدولي في معاقبة المجرمين وإدانة المؤيدين للجرائم الصهيونية ومنع تفلت المجرمين من العقاب الدولي، القانوني والأخلاقي والإنساني.

إلى الأعلى