الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التجربة الهندية في الاتصال والتعليم

التجربة الهندية في الاتصال والتعليم

محمد عبد الصادق

”.. طبقاً لدراسة أعدها معهد التعليم الدولي الأميركي مؤخراً، تبين أن من بين حوالي 700 ألف طالب جاءوا لأميركا للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراة من شتى أنحاء العالم؛ احتلت الهند المرتبة الأولى، حيث بلغ عدد طلابها الوافدين على أميركا للدراسات العليا حوالي 90 ألف طالب، وجاءت الصين في المركز الثاني، وكوريا الجنوبية في المركز الثالث.”
ـــــــــــــــــــــــــ
كلما التقيت واحداً من أصدقائي الهنود وسألته عن أحوال “الشيكو” ابنه، هز رأسه بزهو وافتخار، ويقول لي: إنه يدرس الآن في أميركا، أحاول مداراة دهشتي، وأهنئه وأدعو للـ (شيكو) بالتوفيق، وسبب دهشتي هو علمي بتواضع راتب صديقي الهندي مقارنة بالتكاليف الباهظة للدراسة في أميركا، وعندما حاولت الاستقصاء ومعرفة أسباب هذه الظاهرة تبين لي أن 11سبتمبر 2001م كان تاريخاً فاصلاً للعلاقات الهندية الأميركية، وأن الهند استفادت من توجيه أصابع الاتهام للعرب والمسلمين بارتكاب الحادث الذي ترتب عليه التضييق في إعطاء تأشيرات الزيارة والدراسة والعمل والهجرة لمواطني الدول العربية والإسلامية وتسهيل دخول الآسيويين من غير المسلمين للأراضي الأميركية، وكان للهند النصيب الأكبر من هذه التسهيلات حتى أصبحت تنافس الصين في امتلاكها أكبر عدد من المبتعثين لأميركا، فضلاً عن 3 ملايين هندي يحملون الجنسية الأميركية يعملون في جميع المجالات بداية من التدريس في المدارس والجامعات، وتكنولوجيا المعلومات، وانتهاء بسائقي التاكسي وعمال النظافة والخدمات.
وواحد من كل 10 هنود يقيم في أميركا مليونير؛ حيث يشكلون 10% من أصحاب الملايين وهم من أكثر الجاليات رفاهية في أميركا إذ يزيد دخلهم عن متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة بمرة ونصف، ويكفي أن أصحاب المشاريع الهنود في وادي السليكون بسان فرانسيسكو يملكون ثروة تزيد على 250 مليار دولار، وثلث المهندسين بالوادي هنود وتدار 7% من شركات التكنولوجيا العالية بواسطة رؤساء تنفيذيين هنود.
وحتى عام 2000 كان عدد المهاجرين الهنود في أميركا محدوداً ولا يزيد بأكثر من 8% سنويًّا، تطور هذا المعدل بشكل مذهل بعد أحداث سبتمبر 2001م، حتى نما المعدل في عام 2002م بنسبة 105% ليحتل الهنود المركز الثاني بعد الجالية الصينية ليمثلوا 17% من الجالية الآسيوية في أميركا.
وطبقاً لدراسة أعدها معهد التعليم الدولي الأميركي مؤخراً، تبين أن من بين حوالي 700 ألف طالب جاءوا لأميركا للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراة من شتى أنحاء العالم؛ احتلت الهند المرتبة الأولى، حيث بلغ عدد طلابها الوافدين على أميركا للدراسات العليا حوالي 90 ألف طالب، وجاءت الصين في المركز الثاني، وكوريا الجنوبية في المركز الثالث.
وفيما يتعلق بمجال الدراسة، فقد أظهرت الدراسة أن الطلاب الهنود يفضلون دراسة العلوم الطبيعية والتطبيقية مثل علوم الطب والصيدلة والزراعة والهندسة والفيزياء وعلوم الأرض (الجيولوجيا) والاقتصاد وإدارة الأعمال.
ولم تكتف الهند بإرسال أبنائها للدراسة في أميركا؛ بل قامت الهند بنقل التجربة الأميركية في التكنولوجيا ببناء سبعة معاهد تكنولوجية في مومباي وبنجالورو، على غرار معهد ماساتشوستس الأميركي الشهير، وهي المعاهد التي وصفها بيل جيتس رئيس شركة ميكروسوفت بالمعجزة العلمية، وهي التي وضعت حجر الأساس للنهضة الهندية في برمجيات الحاسب الآلي الموجهة للتصدير، هذا التطور دفع الإدارة الأميركية لتأسيس لجنة لدعم الشراكة الأكاديمية التعليمية مع الهند بهدف تحسين التبادل التعليمي وتشجيع الطلاب الهنود والأميركان على الدراسة في المعاهد العلمية بالبلدين.
والسبب الآخر لتزايد عدد الطلبة الهنود في أميركا هو إجادة الهنود اللغة الإنجليزية؛ الأمر الذي سهل اندماجهم في المجتمع الأميركي ويسر لهم التحصيل الدراسي في المعاهد والجامعات الأميركية متفوقين في ذلك على الصينيين والكوريين، والذي علمته أن كثيراً من الطلاب في الهند بمجرد وصولهم لمرحلة التعليم الثانوي يبدأ تعلقهم ومحاولاتهم للوصول للحلم الأميركي، وبفضل إجادتهم استعمال الحاسوب يقومون بالتواصل مع الجامعات والمراكز الأكاديمية الأميركية ومراسلتها مبكراً؛ للتعرف على البرامج الأكاديمية والمنح الدراسية المجانية التي تطرحها الجامعات الأميركية للطلبة خارج الولايات المتحدة الأميركية، وبناء على البرامج المطروحة يختار الطالب الهندي نوعية المواد الدراسية التي يدرسها في المرحلة الثانوية لتتوافر فيه شروط الحصول على المنحة المجانية، ويظل الطالب على اتصال بالجامعة التي يرغب في الدراسة بها عبر الموقع الإلكتروني؛ يرسل لها البحوث، والمشروعات الدراسية، حتى يحصل على المنحة المجانية بمجرد إنهاء دراسته الثانوية، وإذا لم يوفق في هذه المرحلة تستمر محاولاته في المرحلة الجامعية أو حتى بعد التخرج دون كلل أوملل حتى يحقق حلمه بالدراسة أو العمل في أميركا.
وانعكس الاهتمام الهندي بالتعليم طوال العقدين الماضيين، والانفتاح على العالم المتقدم على كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية واستطاع الفيل الهندي أن يتغلب على مشاكل الفقر والجهل وتدني الخدمات والهجرة من الريف للحضر والتعصب الديني والطبقية وانتشار الخرافات وزيادة السكان، بالتعليم الذي أضحى قيمة وهدفاً التف حوله الجميع: الحكومة، والمجتمع، وهذا يفسر لنا كيف يقتطع العامل الهندي البسيط جل دخله من أجل تعليم أولاده، لأنه آمن بأن التعليم الجيد هو وحده الكفيل بانتشاله هو وأولاده من وهدة الفقر، ويستطيع من خلاله الترقي في السلم الاجتماعي والحصول على فرص أفضل تحقق له تطوراً اقتصاديًّا واجتماعيًّا في ظل نظام ديمقراطي يتيح الفرص للجميع على قدر العمل والعطاء حتى استطاعت الهند تحقيق ثاني معدل للتنمية في آسيا ووصول الناتج القومي لأكثر من 4.5 تريليون دولار لتحتل المرتبة الثالثة على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة والصين.
وحار الكثيرون في تفسير سر نجاح التجربة الهندية في الاقتصاد والتنمية الاجتماعية رغم عدد السكان الذي يفوق المليار و250 مليون نسمة، البعض يرجعه للتجربة الديمقراطية في الحكم التي نضجت واستقرت بعد 70 عاماً من المحاولات الدءوبة للتغلب على المشاكل والمعوقات في بلد يحوي مئات الأعراق والإثنيات والديانات واللغات والثقافات، والبعض يرجع النجاح إلى العلمانية التي نأت بالدولة عن الدين وجعلت حقوق المواطنة مكفولة للجميع دون تمييز حتى صار منصب رئيس الدولة ـ حتى لوكان شرفيًّا ـ يشغله واحد من الأقلية المسلمة في بلد يمثل فيه الهندوس الأغلبية الساحقة، ولا غرابة أن يتمسك المسلم الهندي الآن بالعيش في وطنه الهند رافضا الذهاب لبلد آخر مثلما كان يحدث في أربعينيات القرن الماضي وقت الاستقلال والانفصال بين الهند وبكستان.

إلى الأعلى