الأربعاء 30 سبتمبر 2020 م - ١٢ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الألوان في القرآن (5)

الألوان في القرآن (5)

محمود عدلي الشريف*
توقف بنا الحديث في المقال السابق ـ قرائي الكرام ـ عند أقوال العلماء الذين يقولون أن الله تعالى جعل اختلاف ألوان البشر من آياته، إلا أن التربة التي خلقوا منها لها دور في تشكيل ألوانهم، وأن ألوانهم جاءت نتيجة لذلك وإن تعددت أو اختلفت، وخلاصة ما تقدم في ألوان البشر: أن ألوانهم جاءت في آراء ثلاثة، الأول: من قال أن ألوانهم متجددة وتجددها لأن الله تعالى جعلها آية من آياته، وقد سبق ذكر الأدلة، والثاني: من قالوا إن الأوان البشر آية من آيات الله تعالى جعل الطبيعة تتحكم في ألوانهم حسب موقعهم ووجودهم بين الأماكن الباردة والحارة، الثالث: من يقولون أن الوان البشر نتيجة للتربة التي خلقوا منها فقد خلقوا من جميع ألوان الأرض، ولم يقف الأمر عند هذا الإعجاز الرباني في خلق البشر واختلاف ألوانهم، بل إنه تعدى إلى كل الموجودات، التي نراها والتي لا نراها ، فسبحان الخالق العظيم، جعل الألوان في كل حي، وفي كلجماد، وأول الأحياء البشر الذين كرمهم الله تعالى على سائر المخلوقات، فلم يخلو مخلوق من المخلوقات أو موجود من الجمادات من لون من الألوان، جاء في (تفسير الشعراوي ج15، ص: 9606) وليس معنى الجماد أنه جامد لا حياةَ فيه، فهو جماد من حيث صورة تكوينه، ولو تأمَلتَ المحاجر في طبقات الأرض لوجدت بين الأحجار حياة وتفاعلاً وحركةً منذ ملايين السنين، ونتيجة هذه الحركة يتغير لَوْنُ الحجر وتتغير طبيعته، وهذا دليل الحياة فيها، انظر مثلاً لو دهنتَ الحجر لَوْناً معيناً تراه يتغير مع مرور الزمن، فإذن: في هذه الجمادات حياة، لكن لاندركها، وهذه الألوان لم تجعل هكذا لمجرد الشكل والزينة، إنما جعلت لحكمة أرداه الله سبحانه، ولو تأملت هذا الألوان لوجدتها متعددة حتى في اللون الواحد.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ألوان الموجودات من الأحياء والجماد، وسنقف عليها بمشيئة الله تعالى، وأول ما أشار إليه الصبغة العامة التي تظهر على المسلم ليكون مميزاً عن غيره من البشر، (قال كثير من المفسرين: وذلك أن النصارى لهم ماء يصبغون فيه أولادهم، فهذا ينظر إلى ذلك: وقيل: سمي الدين صِبْغَةَ استعارة من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين كما يظهر الصبغ في الثوب وغيره، ونصب الصبغة على الإغراء) انظر (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية ج1، ص: 216)، وجاء في (حَاشِيةُ الشِّهَابِ عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوِي، الْمُسَمَّاة: عِنَايةُ القَاضِى وكِفَايةُ الرَّاضِي عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوي ج 2، ص: 246):(ولما كان في الصبغ تزيين للمصبوغ ودخول فيه وظهور أثره عليه جاز أن يستعار للفطرة والطبيعة التي خلقهم الله عليها لأنهم يتزينون بها كما يتزين الثوب بصبغه أو للهداية التي هداهم الله بها لذلك أو للإيمان الذي أظهره الله عليهم كما يظهر أثر الصبغ على المصبوغ ويؤيده أنّ العرب سمت الديانات والاتصاف بها صبغة)، ويقول الشيخ الشعراوي ج1، ص: 612) قوله سبحانه:(صِبْغَةَ الله): فكأن الإيمان بالله وملة إبراهيم وما أنزل الله على رسله هي الصبغة الإلهية التي تتغلغل في الجسد البشري .. ولماذا كلمة صبغة؟ حتى نعرف أن الإيمان يتخلل جسدك كله .. إنه ليس صبغة من خارج جسمك، ولكنها صبغة جعلها الله في خلايا القلب موجودة فيه ساعة الخلق.. ولذلك فإن رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول:(كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، فكأن الإيمان صبغة موجودة بالفطرة .. إنها صبغة الله .. فإن كان أبواه مسلمين ظل على الفطرة، وإن كان أبواه من اليهود أو النصارى يهودانه أو ينصرانه أي يأخذانه ويضعانه في ماء ويقولون صبغناه بماء المعمودية .. هذا هو معنى صبغة الله، ما هي الصبغة؟ الصبغة: هي إدخال لون على شيء بحيث يغيره بلون آخر .. تصبغ الشيء أحمر أو أزرق أو أي لون تختاره. والصبغ ينفذ في المصبوغ خاصة إذا كان المصبوغ له شعيرات مسام كالقطن أو الصوف .. ولذلك فإن الألياف الصناعية لا يمكن أن تصبغ لماذا؟ لأن شعرة القطن أو الصوف أشبه بالأنبوبة في تركيبها.
.. وللحديث بقية.
*ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى