الأحد 23 فبراير 2020 م - ٢٩ جمادى الأخرة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التشكيل الصوتي للكلمة ودوره الدلالي (قراءة في بعض مشاهد يوم القيامة) (3)

التشكيل الصوتي للكلمة ودوره الدلالي (قراءة في بعض مشاهد يوم القيامة) (3)

د.جمال عبدالعزيز أحمد*
يقول الله تعالى في شأن تلك النار في سورة الملك، الآيات (6 ـ 11): وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ، تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ، وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ، فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ)، فكلمة:(تَمَيَّزُ) بوزن (تَفَعَّلً) بتشديد الياء، التي هي عين الميزان الصرفي، وأصلها (تتميَّز)، وهي هنا بهذا التشكيل الصوتي، وبتلك البنية الصرفية لو تأملناها لوجدنا أن تاءً من أحرف الكلمة قد حُذِفَتْ وأصلها (تتميَّز) بوزن (تتفعَّل)، لكنْ، لِمَ حُذِفَتْ تلك التاء هنا، وفي هذا السياق؟، لقد ذُكِرَ من بينِ ما ذُكِرَ أن تلك التاء حذفت كأنها جزءٌ تقطَّع من الكلمة، وأذابته النار؛ تحقيقًا لمعنى الآية، وبيانًا لدلالة قوله تعالى في آيات أخرمن تقطيع النار وتميزها وتفتتها، مثل ما ورد في سورة الكهف، الآية (29) من قوله عز وجل:(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا)، ومثل ما ورد في قوله ـ جل جلاله ـ في سورة محمد، الآية (15):(كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ)، ومثل ما ورد في قوله سبحانه في سورة النمل، الآية (90):(.. وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون)، ومثل ما جاء في قوله ـ عزَّ اسمه ـ في سورة المؤمنون، الآيتان (103 ـ 104):(وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ)، ومثل ما ورد في سورة الهُمَزَة، الآيات (5 ـ 9):(كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ، نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ).
فالتاء هنا، وتناغمًا مع السياق الذي وردتْ فيه، وتلاؤمًا مع الدلالة التي سيقت لها حُذِفَتْ لبيان هذا التقطيع، والتمزيق، والتفتيت من النار لأهلها، فهي تتميز غيظا منهم، وتتقطَّع من شدة لأوائها، واشتداد نارها، وقوة توهُّجها، فهي تتفتَّت، وتتقطَّع كما تقطعت التاء من الفعل (تميز)، وانفصلت، وذابت، وراحت من الكلمة؛ لتوافق تلك التشكيلة الصوتية بحروفها، وما حصل فيها من حذف بعضَ ما سيكون عليه الناسُ في تلك النار المشتعلة، المتَفتِّتة، التي لا تستقر، وتقول دائمًا كما حكى القرآن الكريم: هل من مزيد، كما ورد في قوله تعالى في سورة ق، الآية (30):(يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)، فهي لا تسكت، ولا تفتأ تطلبُ، وتطلبُ المزيد؛ لشدة جوعها لأمثال هؤلاء، وتحطيمها إياهم في أتونها الوقَّاد، وعمقها الذي لا حدود له، وقوَّتها التي لا تُوصَف، ولا تُتَخَيَّل، ولا يمكن أن تُتَصَوَّر.

* جامعة القاهرة بكلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية.
Drgamal2020@hotmail.COm

إلى الأعلى