الإثنين 28 سبتمبر 2020 م - ١٠ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / إهانة وثائق الرئيس

إهانة وثائق الرئيس

أيمن حسين

تابع العالم المباراة السياسية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب خلال جلسة محاكمته أمام مجلس الشيوخ، والتي انتهت إلى تبرئته من تهمتي استغلال السلطة وعرقلة عمل الكونجرس، وكان المشهد الأبرز في الجلسة رفض الرئيس مصافحة بيلوسي، فردت رئيسة مجلس النواب بتمزيق نسخة مطبوعة من خطابه على الهواء وأمام الكاميرات.
البرلمانية الأميركية بررت فعلتها بأنها لم تكن تنوي تمزيق خطاب حالة الاتحاد للرئيس ترامب، وأنها قررت ذلك عندما لم تجد فيها صفحة “لا تضم كذبة” ـ حسب قولها ـ وقالت خلال تجمع للديقراطيين “رأينا رئيس الولايات المتحدة يمزق الحقيقة أمامنا.. ترامب كذب بتأكيد أنه سيحمي تغطية التأمين الصحي للمرضى الذين يعانون من مشاكل صحية بالفعل، بينما تدعم إدارته دعوى قضائية تسعى لإلغاء قانون يحمي هؤلاء المرضى”، وأضافت ـ بحسب التقارير الإعلامية ـ “حاولت العثور على صفحة واحدة لا تحوي كذبة”.
بيلوسي ذكرت لزملائها المشرعين أن امتناع ترامب عن مصافحة يدها الممتدة وهو يعطيها نسخة من خطابه ليس سبب تمزيقها الوثيقة، مضيفة “عندما بلغت ربعها، فكرت، أتعلمون.. إنه يبيع مشروع قانون سلع مثل بائع زيت ثعابين. لا يمكننا السماح بذلك…لذا… بدأت في جمع أوراقي بطريقة تجعلها قابلة للتمزق” ـ حسب تقرير هيئة الإذاعة البريطانية.
بعد الواقعة بنحو ثلاثة أيام، وخلال جلسة البرلمان العربي التي عقدت في العاصمة الأردنية عمَّان، ظهر رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم وهو يرمي بأوراق قال إنها تحمل تفاصيل مشروع خطة السلام الأميركية والمعروفة باسم “صفقة القرن” في سلة القمامة قائلا: “باسم الشعوب العربية أقول إن صفقة القرن مكانها مزبلة التاريخ.. هذه الصفقة مرفوضة فلسطينيا، وهي مرفوضة عربيا وإسلاميا وحتى أوروبا غير متحمسة بل هناك داخل أميركا من هو ضدها.. صفقة القرن لن تُبرم، وعلى من يريد تسوية سلمية أن يخلق تسوية عادلة”.
ردة الفعل من البرلماني الكويتي لقيت ردود أفعال إيجابية، فعقب سقوط الأوراق المطبوعة لصفقة القرن في سلة المهملات، دوى في القاعة تصفيق حار من كل العرب الممثلين لحكوماتهم وشعوبهم في مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي.
النسخة المطبوعة من خطاب ترامب التي كانت بحوزة نانسي بيلوسي، وأوراق صفقة القرن التي كان مرزوق الغانم يمسك بها، ليست وثائق أصلية، لكنها أوراق ذات قيمة كبيرة تحمل في طياتها رمزية لشخص ترامب وخطة إدارته، وبين الواقعتين تشابه كبير، فرئيسة مجلس النواب الأميركي لا تصدق رئيس دولتها وغير مقتنعة بكلماته على الرغم من أنها تقف أمامه وهو في لحظة انتصار سياسي عليها، أما تصرف مرزوق الغانم يعبر عن موقف الظهير الشعبي العربي الذي يقدر بنحو 400 مليون نسمة، وعن الدعم الحكومي الرسمي للأنظمة العربية الرافضة لخطة التسوية أحادية الجانب.
شجاعة الجهر بالحق قيمة سامية اكتسبها البرلماني الكويتي مرزوق الغانم ورئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، فهما يدرآن تصرفات ترامب المبنية على أكاذيب والمُنحية للحقائق والوقائع التاريخية، وكما أهان بلاده في قضية الانتخابات الرئاسية، أهانت ممثلة الشعب وثيقة خطابه؛ وبنسق موازٍ ألقى الغانم بأوراق خطة السلام في سلة المهملات لأن صاحبها لم يحترم الحقوق العربية في أرض فلسطين، وحتى إن مر ترامب إلى فترة رئاسية ثانية، أو مرر خطته للسلام في الشرق الأوسط، سيبقى التاريخ يذكر أن شعبه مزق وثائقه، وأن العرب أهانوا مخططاته، وهي رمزية سياسية – لو تعلمون – عظيمة، ولو كان الأميركيون واثقون في نهج برلمانهم؛ فإن العرب لديهم اليقين في قدرة أنظمتهم وحكوماتهم على التعامل مع كل ما يحفظ حقوقهم ويصون مقدساتهم.

إلى الأعلى