الأحد 23 فبراير 2020 م - ٢٩ جمادى الأخرة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / العوار الإفريقي.. البعض يشتغل على نوعية المقبلات

العوار الإفريقي.. البعض يشتغل على نوعية المقبلات

عادل سعد

كلا الشاعرين؛ السنغالي سنجور، والسوداني الفيتوري، أرخا لأوجاع إفريقيا، تلك الأوجاع التي أكلت من رصيد هذه القارة (البيضاء) في شفافية آمالها من أجل السلام والتنمية والشراكة الدولية على أساس تكافؤ الفرص مع رسم معالم آمنة تضع حدا لجموح النفوذ المفتوح للمصالح، وسطوة الاستفراد التي تميز هذا النفوذ، الحال الذي وضع بعض الدول الإفريقية على طريق الجوع والتناحر الحدودي والقبلي والإفلاس، بل والانتظام في قائمة الدول المصابة بمتلازمة الطوارئ. ويكفينا من معلومات في هذا الشأن مراجعة لتقارير برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الزراعة والأغذية (الفاو) والمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، وكذلك تقارير تتناول قضايا النزاعات وفرص السلام الضئيلة.
إن ما يكفي ملامح، الصورة المأساوية الإفريقية أن حليها الآن في الغالب نحاسية رغم أنها كانت تزدحم بمناجم الذهب والماس التي أغلقت الأبواب بعد أن تم استنزافها ولم تبقَ سوى المناجم التي تنتج الفحم الحجري فحسب لأن الفحم بدون بريق!!
مناسبة هذه المقدمة، قمة الاتحاد الإفريقي التي انعقدت في أديس أبابا يوم الأحد الماضي، وحُشرت كل ملفاتها خلال ذلك اليوم بالرغم من ضخامة تلك الملفات.
اللافت أن القمة انعقدت تحت شعار (إسكات البنادق) رغم أن أزيز الرصاص القاتل ليس وحده الذي يحتل الصدارة، بل إلى جانبه قائمة طويلة من خيبات الأمل تمتد في مساحة واسعة من الحالتين الاقتصادية، والبيئية.
على أي حال، إن عزيمة الأفارقة لإسكات البنادق ليست وليدة الساعة، بل كان هناك تعهد للاتحاد الإفريقي عام 2013م في هذا الشأن، لكن المشيئات (جمع مشيئة) السياسية طوحت به ليظل التوالد الأميبي لحوار البنادق الحاكم المطلق حتى الآن، في ليبيا وجنوب السودان وفي أطراف وعمق دول الساحل الغربي، وليس هناك ضمانات أن لا تتفجر صراعات أخرى تضيف حيزا جديدا لهذا (الحوار) ما دامت بعض الأطراف الإفريقية تحت ظرف المحاولة لأن تخترق بأصابعها عيون آخرين.
السؤال الجدير بالطرح: هل يمتلك الزعماء الأفارقة الوصفة الكفيلة بإسكات البنادق؛ أي أن يصبحوا على قلب واحد بالنظر إلى محركات الرصاص؟
الواقع لا تخلو الساحة الإفريقية بعد من زعماء ما زالت تحركهم الطموحات الشخصية، ولديهم استعدادات للذهاب بعيدا في تجنيد أنفسهم ضمن لعبة المصالح الخارجية وتقاسم نفوذ الجاه السياسي مع الأطراف الدولية الأميركية والفرنسية والصينية والروسية، ونفوذ موسكو الذي هو الطرف الأضعف في تلك الساحة الساخنة.
إن الذي ما زال يحصل في إفريقيا حتى الآن رهانات متضاربة بين هذه الأطراف، وهو ما يؤجل التقاط الدول الإفريقية نفسها من أجل متغيرات تضعها حتما على طريق الخلاص الحقيقي من أزماتها الكثيرة والمتداخلة.
ويقينا، المعضلات الحقيقية الإفريقية الآن ليست في نقص، إنما النقص في الإرادة التضامنية اللازمة في مواجهة تلك المعضلات.
ستظل إفريقيا بقائمة جروح تنزف إذا كانت الحلول المرصودة تقتصر على عدد وحجم أكياس القمح التي ترسل لها وتوزع على جائعيها، وستظل هكذا أيضا ما دام تقديم المواساة لها هو النتيجة المتكررة للآلاف من المهاجرين الأفارقة الذين تلتهمهم مياه المتوسط، أو الأطلسي، وربما مياه أخرى خارج التغطية الإعلامية البحرية السائدة.
ستظل إفريقيا بقائمة جروح تنزف إذا كانت الأهواء المنفردة هي التي تتحكم بحركة أذرع الاتحاد الإفريقي، إنه ذات الداء الذي أصيبت به جامعة الدول العربية.
ستظل إفريقيا تنزف ما دام الانتظار الممل يحكم أجندتها بحتمية مطلقة.
إفريقيا لا تحتاج إلى رفع كفاءتها من خلال صفقات أسلحة، بل بعدد الجرارات الزراعية التي يمكن أن تستوردها، وبالخبرة التي تتيح لها التصدي لزحف التصحر، بل ومتواليات الإيدز، والحفاظ على التوازن الحيوي.
أن يكون لديها تكافؤ فرص في الحصول على أسمدة تساوي ولو نصف ما تستهلك ملاعب التنس من الأسمدة الجيدة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا.
لقد حسمت الحكمة العربية الأمر منذ عهود طويلة (ما حك جلدك مثل ظفرك)، وقالها صلاح جاهين بفكاهة شعرية مؤلمة مدوية (ناس بتعرق على الرغيف وناس بتعرق من لعب التنس).
أجزم لن تكون هناك متغيرات حاسمة على الطاولة الإفريقية لصالح حلول جذرية واعدة وسريعة تنتزعها من عنق الزجاجة التي هي فيه، لأن البعض ما زال يشتغل على نوعية المقبلات!

إلى الأعلى