الأحد 23 فبراير 2020 م - ٢٩ جمادى الأخرة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / التأثير الرأسي لترامب

التأثير الرأسي لترامب

د. أحمد مصطفى أحمد:
منذ فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة في نوفمبر 2016 وانتقاله إلى البيت الأبيض في يناير التالي، ظهر تأثيره جليا ليس على السياسة الأميركية فحسب، وإنما على السياسة الدولية بشكل عام وحتى يمكن القول على منظومة القيم والمعايير التي تحكم إدارة الدول والشعوب، بل وحتى الشركات والمؤسسات. وبغض النظر عن الانتقادات والاعتراضات على أسلوب ترامب في إدارة أقوى دولة في العالم، فإن حتى من ينتقدونه تسرب إليهم تأثيره طالما أنهم عير قادرين على تغييره. وإذا كان نصف الأميركيين لم يختاروا ترامب رئيسا لهم، وبعضهم من اليساريين والليبراليين يتمنون تركه منصبه، فإن كل الأميركيين “يتعايشون” مع توجهات وتصرفات الرئيس وحتى الدعاية السلبية لها بحملات الإعلام ضده إنما ترسخ تأثيرها.
بلغ التأثير “الأفقي” ـ على نطاق أميركا وخارجها في بقية العالم ـ للرئيس الأميركي حد أنه جعل صعود الشعبوية السياسية واليمين المتطرف في دول عدة من آسيا إلى أميركا اللاتينية، مرورا بأوروبا سمة للانتخابات الديموقراطية. وأهم تأثير هو “كسر شوكة” المؤسسة لصالح طريقة إدارة البلاد والعباد كما يدير مشروعا عقاريا يلعب فيه دور المطور أو السمسار (أي ليس حتى استثمارا حقيقيا بالمعنى التقليدي). ولعل ذلك يشبه إلى حد كبير طريقة الرئيس المصري الراحل أنور السادات، الذي كان يباهي بأنه يريد إدارة مصر على الطريقة الفرعونية متجاوزا المؤسسات والبيروقراطية، ومستعينا في حكمه بمجموعة أقرب إلى “الشلة”. وهو ما لا يختلف كثيرا عن طريقة “الجماعات” التي تعتمد الإدارة عبر “الأهل والعشيرة” وليس بالمؤسسات والإدارات.
ولا يبالغ المرء إذا توقع أن هذا التأثير الأفقي للرئيس ترامب سيهز أسس النظم السياسية التقليدية كما يدرسها الأكاديميون ويقود ـ ولو على المدى الطويل ـ إلى نظام عالمي جديد تتراجع فيه الدولة الوطنية. بالطبع لا يمكن تصور أن ترامب نفسه يدرك هذا التأثير، وإن كان الرجل يعرف جيدا أنه يجلس على الكرسي الأخطر في العالم، ويستمد من تلك السلطة قدرته على التصرف بما يحلو له. بالطبع هناك تفاصيل كثيرة في هذا التأثير الأفقي لترامب لا تتسع مساحة مقال لكل واحدة منها. لكن الأهم هو هذا “التغيير” الذي أحدثه ويتعايش معه العالم وستظهر تبعاته بشكل أقوى على المديين المتوسط والبعيد. ولا جدال في أن كونه رئيس الولايات المتحدة الأميركية يعد عاملا أساسيا في الانتشار الأفقي لهذا التأثير، ولو أن الأمر يعود لترامب ـ أو أي شخص مهما بلغت قدرته وعبقريته ـ لكان تأثير الرئيس السادات انتشر خارج مصر، أو حتى بشكل عميق داخلها.
إنما في رأيي أن التأثير الأخطر لترامب هو التأثير الرأسي، والذي لا يقتصر على أميركا وحدها أيضا. وبدا ذلك جليا في الأسابيع الأخيرة التي جرت فيها عملية محاولة إدانته من قبل مجلس النواب في الكونجرس الأميركي ثم تبرئة مجلس الشيوخ له من تهمتي استغلال منصبه، وإعاقة عمل السلطة التشريعية في أميركا. ومع أنه كان واضحا منذ البداية أن محاولة محاكمة ترامب وعزله لن تنجح في تحقيق غايتها، إلا أن استراتيجية ترامب وفريقه في التعامل مع المسألة ترسخ معايير وقيما ستصبح “عادية” بعد فترة وستتبدى نتائجها على كل مناحي حياة الأميركيين وغيرهم في العالم ممن يتطلعون إلى “النموذج الأميركي” أو يتأثرون به قسرا. والسياق العام لهذا التأثير الرأسي هو انتفاء المسؤولية في العمل العام، وهو المثال الأخطر الذي ضربه ترامب ولن يستغرب المرء أن يقتدي به الأميركيون ومن يقلدونهم حول العالم.
كان واضحا للأميركيين والعالم أن ترامب استغل منصبه، ولا أتصور أن ذلك يقتصر على موضوع أوركانيا الذي أراد الديموقراطيون اعتماده أساسا للمحاكمة. ولا جدال في أن الرئيس يكذب، ليس كما يكذب أغلب السياسيين في العالم كله، وإنما بطريقة فيها من العنجهية والعزة بالإثم ما لم يسبق أن شهدناه في الحياة العامة. وحتى التلفيق ولو بحجب نصف الحقيقة والتمادي والتعسف في استخدام السلطة التي يوفرها مكتبه لمنع إجراء تحقيق كامل أو حتى محاكمة بالمعنى التقليدي يمكن إضافته لمجموعة العناصر التي تشكل التأثير الأفقي لترامب والتي يتعايش الأميركيون والعالم معها، سواء قبلوا بها أو رفضوها. إنما أن يحول الرجل مسألة من أخطر ما يمكن أن يواجهه مسؤول إلى إلقاء المسؤولية على خصومه السياسيين، فتلك هي النتيجة الأشد خطرا. ليس القصد هنا أن الرجل كان عليه أن يقبل الاتهام ويدافع عن نفسه بالطريقة التقليدية، ولا حتى أن يغفر لخصومه السياسيين لجوءهم لمحاولة عزله من منصبه. وإنما على الأقل يتحمل المسؤولية باعتباره الرئيس الأعلى لهذا النظام المؤسسى الذي يدير البلد.
تصرف الرئيس بانتقامية شديدة، واعتبر أي أحد غيره مسؤولا عن كل ما حدث (ويحدث وسيحدث) ولا مسؤولية عليه إطلاقا، بل على العكس هو “الضحية” وعلى من جعله ضحية أن يدفع الثمن. هل نتوقع بعد ذلك أن نجد أميركيا في أي موقع أو منصب يمكن أن يرى خطأ ويحاول تصحيحه، أو حتى يبلغ عنه؟!! بالطبع لا، كي لا يكون هدفا لانتقام. وهل نتوقع أن نجد شخصا في أي موقع أو منصب لا يتصرف ـ حين يستطيع ـ غير عابئ بتبعات تصرفه طالما هو قادر على أن ينجو بفعلته؟ هذا هو التأثير الرأسي لترامب الذي قصدناه.

إلى الأعلى