الأحد 29 مارس 2020 م - ٤ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / إنهاء عقود القوى العاملة الوطنية «وجهة نظر ومقترحات للتنظيم»

إنهاء عقود القوى العاملة الوطنية «وجهة نظر ومقترحات للتنظيم»

محمد بن سعيد الفطيسي

إنهاء عقود بعض القوى العاملة الوطنية العاملين في شركات القطاع الخاص أو ما يطلق عليه (بتسريح)(1) المواطن العامل أصبحت من القضايا الوطنية ذات الأهمية الكبرى؛ لأن النتائج المترتبة على هذا الفعل بغض النظر عن المبررات والحجج، يؤثر على أمننا واستقرارنا الوطني، خصوصا جانب الأمن الإنساني منه(2)، ويضرب بقوة في صميم جذور هذا المجتمع المتلاحم مع حكومته، بل ويؤسس لاتجاهات قانونية وسياسية واجتماعية سيكون لها الأثر البالغ والخطير على العديد من جوانب الحياة الوطنية المستقبلية، على رأسها مخالفة الاتجاهات الوطنية القاضية بتوطين الأيدي العاملة وتعمين المهن وتمكين دور القطاع الخاص من العملية التنموية.
وإن كان لبعض الشركات ولا نقول جميعها مبررات عامة لإنهاء تلك العقود، منها ما هو مقبول وآخر غير مسؤول، كحجة أن راتب العامل العماني أعلى بكثير من العامل الوافد، أو أن هناك الكثير من المشاكل المالية التي تعاني منها تلك الشركات ما يدفعها إلى إنهاء عقود البعض من عمالها، أو بحجة عدم وجود عقود أو مشاريع كبيرة تستوعب تلك القوى العاملة.
إلا أن هناك جانبا آخر ربما غاب أو تم تغييبه، وهو أن تلك الشركات الوطنية والأجنبية العاملة في السلطنة يجب أن تعمل وفق المبادئ الاقتصادية التي تحددها القوانين الوطنية وعلى رأسها النظام الأساسي للدولة رقم 101/96, تحديدا نص المادة (11)، وكذلك أن تأخذ حقوقها وفق القوانين واللوائح والأنظمة الوطنية لا وفق مصالح فردية، خصوصا تطبيق نص المادة (11) من قانون العمل العماني رقم 35/2003م.
صحيح أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها معظم ولا نقول جميع شركات القطاع الخاص في مختلف أرجاء العالم وليس في سلطنة عمان فقط لا بد أن توضع في الحسبان والحسابات الاقتصادية، فعمل القطاع الخاص قائم على الربح وليس على التطوع، وبالتالي ليس من المعقول أن تحافظ الشركات والمؤسسات على القوى العاملة بها بنفس العدد كما هو الحال في ظل الظروف الاقتصادية المستقرة والجيدة.
ولكن هذا الوضع يجب أن يتم تنظيمه وفق القانون، وأن يتم فيه الاحتكام إلى القضاء وليس إلى مزاجات أو التمسك بالحقوق دون الالتزامات، فما يؤسف له أن هناك العديد من الشركات ومؤسسات القطاع الخاص اتخذت من الوضع الاقتصادي (بعبع) أو شماعة كما يقال للضغط على الحكومة، وكذلك لتبرير أفعال وتصرفات أقل ما يمكن القول عنها إنها غير مسؤولة، ولا تأخذ في الحسبان المصالح الوطنية العليا، والأغرب من ذلك أن بعض تلك الشركات وبينما تنهي عقود العامل المواطن على أساس بعض تلك الحجج وبكل برود، تستجلب من الأيدي العاملة الوافدة ما يفند تلك الشماعات والحجج الواهية.
على ضوء ذلك سأطرح بعض الأفكار والمقترحات فلعل يستخرج منها بعض ما يمكن الاستفادة منه بغض النظر عن إمكانية أن تكون قد طرحت من قبل أم لا، وهي كالآتي:
أولا: نقترح استحداث قانون “ضوابط التسريح”(3) وهو قانون يهدف إلى وضع ضوابط قانونية لتنظيم وضبط والحد قضايا تسريح القوى العاملة الوطنية.
ثانيا: عدم قبول أي استمارة متعلقة بإنهاء عقد عامل مواطن إلا بعد إحالتها إلى لجنة متخصصة يتم إنشاؤها(4) في كل مديرية من مديريات القوى العاملة بالمحافظات، ويكون على رأسها قاضٍ متخصص، تهدف إلى معالجة مسألة التسريح عبر آلية ضمان قانونية واجتماعية توفر بديلا للعامل المسرح، سواء كان ذلك عبر توفير عمل في شركة أخرى خلال فترة أسبوع من اعتماد التسريح أو إحالة المواطن إلى التأمينات الاجتماعية خلال تلك الفترة، وكذلك تحقق النظام والقانون.
ثالثا: إعادة النظر في مسألة الشركات القائمة على المشاريع المسندة لها من قبل الحكومة، وعلى وجه الخصوص شركات المقاولات والإنشاءات، والتي يلاحظ أن أغلب حالات التسريح من ناحية الكم صادرة عنها، حيث يدعي الأغلب منها أن الأسباب التي دفعتها إلى تسريح العمال لديها هو تراكم الديون عليها نتيجة عدم قدرتها على سداد التزاماتها المالية. فلماذا؟ وما الأسباب التي أدت إلى تلك الصعوبات؟ ومن المتسبب في ذلك إن صدقت تلك الشركات؟ (فإذا عرف السبب بطل العجب).
رابعا: إيجاد حل جذري لحالات الإعسار وعدم قدرة العامل المواطن الذي يتم تسريحه من سداد الديون والأقساط المتأخرة عليه لدى البنوك، عبر آلية تضامنية وتنسيقية، تضمن له حق العيش الكريم والاستقرار الإنساني والاجتماعي في فترة التسريح التي لا يتحمل مسؤوليتها، فكيف يحمل تبعات ما لم يكن له دخل في أحداثه؟
خامسا: متابعة نسب التعميين المقررة على شركات القطاع الخاص عبر آلية قانونية وإجرائية تضمن تنفيذ تلك النسب بكل شفافية ومصداقية من خلال العمل الميداني والمتابعة المباشرة، فمن غير المقبول أن توجد هناك شركات كبيرة أو مستفيدة من المشاريع الحكومية وهي غير ملتزمة بنسب التعمين المقررة قانونا.
ختاما.. إن كان من كلمة تقال في نهاية هذا الطرح، فهي إن كل ما يقال ويكتب ويقترح، وكل الاجتماعات والمشاورات واللقاءات لن يكتب لها النجاح، إن لم يقابلها إرادة حقيقية وتعاون كامل، وقوة حازمة في التعامل مع هذا الموضوع وغيره من القضايا المشابهة.

1- من وجهة نظري أن مصطلح إنهاء عقد أفضل بكثير من مفردة تسريح, وقد نص قانون العمل العُماني رقم (35/‏2003) على مفردة إنهاء العقد على سبيل المثال في أكثر من موضع مثل (م 37, 38, م43, ف5), ولعل هذه مفردة أي (تسريح) أو الإخراج أو التجريد العسكري متداولة أكثر في الأنظمة العسكرية، انظر في هذا السياق على سبيل المثال (م 58, 79, 90) من المرسوم التشريعي رقم /152/ تاريخ 22 حزيران 1949 المتضمن قانون الجيش السوري, كذلك (م62) من القرار الجمهوري رقم 21 لسنة 1998م بشأن الجرائم والعقوبات العسكرية اليمني.
2- لمزيد من الاطلاع على دور وأهمية دور مؤسسات وشركات القطاع الخاص في تعزيز الأمن الإنساني، انظر لي: دور القطاع الخاص في تعزيز البعد الإنساني للأمن السياسي، صحيفة الوطن العمانية، تاريخ النشر 9/ ديسمبر/2019م، على الرابط :- http://alwatan.com/details/363004
3- يوجد مشروع قانون جاهز بهذا الشأن تم إعداده من قبل بعض المتخصصين في حال أرادت الحكومة الاستفادة منه أو تبنيه.
4- تقوم وزارة القوى العاملة بالفعل على إنشاء ما يشبه هذه اللجنة في مختلف مديرياتها بالمحافظات “نسأل الله العلي القدير أن تكلل هذه الجهود بالنجاح والتوفيق”.

إلى الأعلى