السبت 28 مارس 2020 م - ٣ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف: ما بعد “المجزرة”

أصداف: ما بعد “المجزرة”

وليد الزبيدي

لم تكن مجزرة “ملجأ العامرية” حدثا عابرا، تلك الجريمة البشعة التي أقدمت الإدارة الأميركية في عهد بوش الأب على ارتكابها بحق مئات العراقيين من أطفال ونساء وشيوخ، ففي فجر الثالث عشر من شباط ـ فبراير من العام 1991، وبينما كان القصف الجوي يطول كل شيء في بغداد ومدن العراق الأخرى، استهدفت الطائرات الأميركية العملاقة أحد الملاجئ التي تهرع العوائل للاحتماء بها من القصف الوحشي الذي تنفذه الطائرات الأميركية، وبعد ما يقرب من الشهر من بدء القصف اعتادت الكثير من العوائل العراقية من سكنة حي العامرية، أحد أحياء غرب العاصمة العراقية على اللجوء إلى هذا الملجأ، الذي اعتقدت العوائل العراقية أنه “محصن”، ولأنه مؤشر لدى القوات الأميركية بـ”أنه أحد ملاجئ العوائل” فإنه لن يستهدف بالقصف الصاروخي أو بالطيران، حاله حال عشرات الملاجئ الأخرى في بغداد ومدن عراقية أخرى، ولأن القصف يزداد حدة وضراوة خلال ساعات الليل، فإن العوائل من شيوخ ونساء وأطفال يتقاطرون قبيل غروب الشمس للاحتماء خلف جدران الملجأ شديد التحصين ـ كما اعتقدوا ـ ويدخل المكان يوميا بين 400 إلى 500 شخص، ويجري ذلك يوميا أثناء تحليق الطيران الأميركي الذي يجري مسحا تصويريا جويا على مدار الساعة لجميع مناطق العاصمة بغداد، ما يعطي نوعا من الطمأنينة للعوائل باعتبار أن الأميركان يعرفون جيدا أن هذا المكان يلجأ إليه المدنيون وتحديدا من الشيوخ والنساء والأطفال وبينهم العشرات من الصغار والصغيرات الرضع وحديثي الولادة.
وعند ساعات الفجر وبحدود الساعة الخامسة صباحا، وبينما يغط الجميع في نومهم، وإذا بدوي انفجار هائل، إذ استهدفت الطائرات الأميركية الملجأ بصواريخ تم تصنيعها خصيصا لهذا الملجأ، وهذا ما كشفته الصحف الأميركية في وقت لاحق، فقد كانت مهمة الصاروخ الأول إحداث فجوة في سطح الملجأ، وفي الوقت نفسه تحكم إغلاق الأبواب وتمنع فتحها على الإطلاق، ثم تأتي الصواريخ الأخرى التي تحدث دمارا هائلا داخل الملجأ وتشعل الحرائق، واستمرت الحرائق لأكثر من ساعتين تواصلت أصوات الأطفال والنساء وهم يرسلون الاستغاثات دون فائدة، فقد كانت الضربات محكمة، ومع التهام النيران لأجساد المساكين تضاءلت الأصوات وسيطر عليها الوهن حتى همدت جميع الجثث محترقة ومتفحمة.
هذه الجريمة ـ المجزرة البشعة ـ يجب أن لا تمر بسهولة وتترك بدون توثيق، وللأسف لم تأخذ حقها من الكتابة، وهناك قلة نادرة من الكتابات البسيطة التي لا تتجاوز التذكير بما حصل، في حين المطلوب من أبناء وأحفاد الضحايا توثيق تلك الجريمة والكتابة عن تداعياتها وآثارها بين العوائل والمجتمع.

إلى الأعلى