الثلاثاء 31 مارس 2020 م - ٦ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / قطار التغيير في العراق ماض إلى محطته الأخيرة

قطار التغيير في العراق ماض إلى محطته الأخيرة

احمد صبري

إذا رصدنا مسار حركة الاحتجاجات الشعبية التي أخذت من انهيار الخدمات وتفشي الفساد في مفاصل الدولة وتغول الفاسدين في سرقة الثروات كمطالب مشروعة، نستطيع القول إن مسار الحراك الشعبي يتجه إلى إسقاط النظام السياسي ومنظومته الطائفية بعد استدارته عن مطالب المتظاهرين المشروعة، وإيغاله بقتل المتظاهرين، وحولت العراق إلى بازار يتنافس على اقتطاع أركانه فاسدون لا يهمهم سوى جني الأرباح من هذه التجارة التي وجدت في نظام المحاصصة الطائفية غطاء لتغولهم في الفساد والنهب المنظم.
إن عجز السلطة في العراق عن التعاطي مع انتفاضة متصاعدة محركاتها مطالب مشروعة، وشباب ينزع للتغيير السلمي يعكس فشل الطبقة السياسية في مواجهة هذا الحراك بأساليب القمع والترهيب تارة، وبالقتل والاعتقال تارة أخرى لم تستطع هذه الأساليب من وأد الانتفاضة وتراجع قوتها منذ أربعة أشهر.
إن الفاسدين ومبددي المال العام والمستأثرين بالسلطة وبأدواتها وجدوا في المحاصصة التي كرسها الاحتلال في الحياة السياسية الملاذ والمخرج لحمايتهم من المساءلة والملاحقة إلى حد استخدام القضاء وسيلة لإبطال أي قرار قد يطاول أي مسؤول.
والسنون العجاف التي عاشها العراقيون في ظل نظام قاصر وغير قادر على إدارة شؤونهم، والحفاظ على أمنهم وثروتهم وسيادتهم، هي من دفعتهم إلى النزول إلى الشارع في حراك شعبي شبيه في أهدافه مع الحراك الشعبي الذي شهدته ست محافظات عراقية عام 2011 ضد سياسة الظلم والتهميش ونظام المحاصصة الطائفية الذي ردت عليه حكومة المالكي حينذاك بالقمع واستخدام القوة في فض ساحات الاعتصام.
إن ما جرى في بغداد وجد صداه في محافظات الوسط والجنوب التي تحولت إلى ساحات وميادين للتظاهر ضد نظام المحاصصة الطائفية استهدف طبقة سياسية أخفقت في السياسة، كما أخفقت في الحفاظ على المال العام، وتذرعت بالحفاظ على مسار التوازن السياسي والطائفي كمخرج للهروب من المساءلة عن الفشل الذي أودى بالعراقيين إلى حافة الهاوية.
وعلى الرغم من الإجراءات الترقيعية التي لجأت إليها أحزاب السلطة لامتصاص غضب المتظاهرين ووقف اندفاعهم إلى خيارات أخرى فإن واقع الحال يشير إلى أن مسار الحراك الشعبي في العراق يرتكز على إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها العملية السياسية، خصوصا الدستور ونظام المحاصصة الطائفية والقوانين الإقصائية التي أضرت بملايين العراقيين، وقبل ذلك إبعاد القضاء عن استخدامه ضد الخصوم، كما حولته الحكومات التي أعقبت الاحتلال إلى سلاح لتصفية معارضيها.
فمن دون مراجعة حقيقية لأوضاع العراق وتركة الاحتلال وإخفاق الطبقة السياسية في إدارة شؤون العراق، فإن الحراك الشعبي سيستعر ويتعاظم، ويتواصل بقدر الظلم والفقر الذي أصاب العراقيين حتى يبلغ مدياته على جميع الأصعدة.
ومهما حاول البعض ركوب موجة الحراك الشعبي وتقنين مطالبه، وحصره بالخدمات من دون أن يسلط الضوء على حيتان السياسة التي تحمي الفاسدين، فإن قطار التغيير الحقيقي قد انطلق في العراق قبل أربعة أشهر ولم توقفه إجراءات الاحتواء الترقيعية والقتل والترهيب لتغيير مساره إلا أنه ماضٍ إلى محطته الأخيرة.

إلى الأعلى