Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

أعز الرجال وأنقاهم

12

سمير بن خميس السعدي:
تمر اليوم أربعون يوماً على رحيل فقيد الوطن، رجل السلام.. وصاحب الحكمة والمنّة، نُكّست الأعلام لفقده.. وترتفع غداً شموخاً وعزيمة واصراراً استجابة لمواصلة المسيرة والعطاء كما توسمه في عُمان وأهلها، وفي هذا المقام الذي ترتجف معه الحروف، أحاول بكل ما أمكن أن أحفز الكلمات والعبارات لتكتمل السطور، لتعبر عن حدث جلل قد حدث، لم أتعود على هذه الحروف الداكنة ولا على هذا السرد المتباطيء، فأنا الآن لست ببعيد عن مقالي السابق الذي كتبته قبل ثلاثة أشهر في هذه الجريدة بالذات، وفي هذه الزواية بعينها وكان قد حمل عنوان: (طموح قائد ومجد وطن).
فمن تعود في كل نوفمبر من كل عام على تسطير تلك المسيرة وما حققته من منجزات، سيجد صعوبة بلاشك أن يكتب خارج المعتاد والمتعود، أربعون يوماً منذ أن ترجل الفارس عن جواده، مازلت أستحضر فجر بث الخبر المؤلم في مخيلتي، وكأنني أعيش لحظاته كل حين وكل لحظة، وتضج مسامعي ببيان النعي يتكرر ويتردد ليقذف الجسد خارج منطقة التصديق، وكما ذكرت في مقالي السابق من أننا سنجد في خطابات جلالة السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه منهاج عمل للقادم من الأيام ورؤية مستقبلية خالدة صالحة لكل زمان يأتي من بعده، فهو رجل السلام الأول بلا منازع الذي نأى ببلده وشعبه عن كل النزاعات التي تعج بها المنطقة، ووقف على مسافة واحدة من الجميع، ونجحت تلك السياسية في عهد جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ رحمه الله ـ في فك الكثير من العقد التي جنبت المنطقة الصراعات المحتملة، ولهذا نجد بأن من ضمن الذين توافدوا في عزاه الندان والخصمان وذوو المواقف المختلفة، ليعكس حقيقة مفادها من جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ لم تكن لسياسته أية خصوم، وكانت مواقفه الدولية تحظى بترحيب وتقدير الجميع، وقد جعل من السلطنة مزاراً لمن أراد السلام أو حل خلافاته مع الآخرين، فكان وسيطاً للخير والسلام، وقد ترك ذلك الأثر الإيجابي الجميل الذي لهجت به ألسن العالم وأشادت به إشادة واسعة منقطعة النظير، فتلك ثوابت سياسية أكده عليها جلالته ـ طيب الله ثراه ـ في كل خطاباته وفي كل محفل وفي كل مقام، ولم تنحرف يوماً عن الهدف المنشود منها أو المباديء التي حرص جلالته ـ طيب الله ثراه ـ على تأسيسها لتتشكل منها السياسة العمانية الخارجية، كما حرص ـ المغفور له بإذن الله ـ وهو يرسم أهداف نهضته الداخلية على جعل الانسان العماني هدف التنمية وغاياتها، مؤكدة دائماً في خطاباته السامية أن بناء الانسان هو اللبنة الأولى لنجاح كل نهضة وعمران، فانتصر للتعليم وكانت مقولته المشهورة:(سنعلم أبناؤنا ولو تحت ظل الشجر)، وقوله ـ طيب الله ثراه: (طالما أكدنا على أهمية العلم والمعرفة وضرورة متابعة مستجداتهما بكافة السبل المتاحة..)، وعلى أثر هذا الحرص والاهتمام السامي شهدت عمان نهضة علمية متوقدة، كما شملت تلك النهضة المباركة كافة المجالات الحيوية التي نهضت حقاً بالانسان العماني وحققت له الرفاه والنعيم ليصبح كل مواطن عماني فرداً منتجاً جاداً مجتهداً كلٌّ في مجاله واختصاصه، كما لم يغيب عن بال القائد الراحل دعم وتطوير القوات المسلحة منذ فجر نهضته المباركة وتحفيزها معنوياً ومادياً والاشادة بدورها في كل خطاباته السامية لتصل الى المستوى الذي وصلت اليه من الاعداد والتجهيز ومواكبة التحديث في مجال التدريب والـتأهيل والعتاد، وبكل صراحة لايمكن وصف ذلك اليوم الذي كان به الرحيل، بما حمله من ألم الفراق وفي ذات السويعات حمل اطمئناناً واستقرار النفوس، تخالط الدمع مع ما يخفف المصاب الجلل وتوطن الحزن قلوب الجميع لكنه وجد عزاه في سلالة تنصيب سلطان عمان الجديد، ورفعت الرؤوس إكراماً وإكباراً وإجلالاً بخبر تنصيب من أراده جلالة ـ المغفور له بإذن الله ـ سلطاناً وأميناً على البلاد، وما حدث في أبسط تعبير وأحسن تصوير كان تأكيداً لحكمة وفطنة البيت البوسعيدي الذي حكم عمان منذ أكثر من 276 عاماً، ودليل على أن العمانيين كما رسمهم وسطرهم التاريخ لا يرتضون بشيء أقل من الحكمة وترجيح العقل.. أسرة حاكمة لا تنقصها الفطنة وشعب لا يقبل إلا الاستمرار بإصرار وتفانٍ على حفظ مكتسبات وطنهم وقيمهم ومبادئهم، وقد أضيف للتاريخ ما حق أن يُفاخر به من كلمة صاحب السمو السيد فهد بن محمود نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء عندما علل تنازل العائلة المالكة في اختيار سلطاناً للبلاد من بينهم وفقاً لما نصَّ عليه النظام الأساسي للدولة، وتثبيت وصية السلطان الراحل التي سمّى فيها من يُخلِفه من الاكرام والتقدير والاعتزاز بمكانة السلطان الراحل ـ طيب الله ثراه ـ وتعزيزاً لمكانة وسمعة عُمان، وجاء الخطاب الأول لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه االله ورعاه ـ مؤمناً بقضاء الله وقدره، ومعاهداً على السير على النهج الذي رسمه جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيب الله ثراه ـ ومؤكداً على الثوابت في السياسة العمانية الخارجية، ومنطلقاً بالدولة العمانية الفذة الى نهضة مستمرة ومتجددة، فأصبح خير خلف لخير سلف جديراً حرياً بحمل الأمانة ومعززاً بالثقة والقدرات التي توسمها فيه جلالة السلطان الراحل ـ طيب الله ثراه ـ يمضي بعزم قوي وإصرار ثابت تشهد له شخصية جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ وثقافته وفكره المتوقد السامي وخبراته الطويلة في العمل السياسي والمجتمعي.
فنم مطمئناً يا أعز الرجال وأنقاهم .. وغفر الله لك وطيب ثراك، وجزاك عن حبّك لعمان وسعيك في رفعتها خير الجزاء .. نم مطمئناً يا فقيد الوطن .. فقد أنفذت عمان وصيتك واطمأنت لاختيارك، وعاهدت سلطانها المعظم وبايعته ـ حفظه الله ورعاه ـ على الطاعة في العُسر واليُسر والمنشط والمكره، وستكون عُمان من أقصاها الى أقصاها معتصمة بحبل الله ووحدة الصف والمصير، سنداً لسلطانها المعظم وعوناً له في مسيرته التي نسأل الله أن يكون له فيها نصيراً ومعيناً وناصراً، وحفظ الله عمان وحفظ سلطانها هيثم بن طارق المعظم.

* باحث في شؤون القوانين وحقوق الانسان
wasallegal@hotmail.com


تاريخ النشر: 19 فبراير,2020

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/373600

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014