السبت 4 أبريل 2020 م - ١٠ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / استنشاق روح السلام
استنشاق روح السلام

استنشاق روح السلام

جودة مرسي:
في اللغة العربية يوصف الرجل جميلُ الوجه حَسَنُ اللَّون بأنه “قابوس” لو كان اسمًا، وفعلا يكون “قَبَس العلم” أي علمه إياه، ودلالة اللغة تنطبق على سلطاننا الراحل حضرة صاحب الجلالة قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ والذي علم السلطنة معنى السلام وأفشى معناه ومدلوله بين دول العالم، فكان وئامًا للتعايش والتراحم والتلاقي، ونبراسًا لنشر المحبة بين الشعوب عبر ثقافة الحوار والتلاقي والبُعد عن المغالاة.
السلطنة ومسؤولوها منذ فجر النهضة المباركة استقوا من جلالته ـ رحمه الله ـ القيم التي رسخت توجهات الدولة، سواء في السياسة الداخلية أو في الدبلوماسية الخارجية، ومؤخرا قال معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية “نتواصل مع الولايات المتحدة الأميركية وإيران في إطار علاقاتنا مع البلدين، لدينا شعور بأن هناك إمكانية للحوار بينهما، إننا نعمل على خفض حدة التوتر في المنطقة، ولا نتوقع حدوث مواجهة عسكرية في الوقت الحالي بالمنطقة”، وذلك خلال الجلسة الحوارية التي خُصصت لبحث التوتر في المنطقة والتي أقيمت على هامش مشاركته في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن.
دلالة كلمة معالي يوسف بن علوي توضح الدور الحيوي للدبلوماسية العمانية التي تشير إلى أن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ يتخذ نفس النهج الذي تسير عليه البلاد في التعايش السلمي بين الأمم، وعدم التدخل في الشؤون الخارجية للغير واحترام سيادة الدول وعلى التعاون الدولي في مختلف المجالات.
إن خبرة الدبلوماسية العمانية الكبيرة في فهم لغة وآليات حسم الصراعات، واستيعاب الخلافات يمكن أن تحل وتحسم من خلال الحوار والتفاهم، يجعل أنظار شعوب العالم تضع آمالها في تدخل السلطنة، خصوصا وأن السياسة الخارجية للسلطنة دأبت في العمل على خفض حدة التوتر في العديد من مناطق التوتر في العالم، ومنها منطقة الخليج العربي. ويذكر التاريخ أنه منذ تولي السلطان الراحل قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ مقاليد الحكم في البلاد، وهو يعمل على أن تتبوأ السلطنة مكانتها بين الأمم، حتى أصبحت موضع ثقة وتطلع العالم، وأصبح الجميع ينشد دورها عندما تشتد الأزمات وتشتعل الصراعات.
يحسب للسياسة الخارجية العمانية دعمها القوي لكل الحلول السلمية والعقلانية التي تهدف إلى إعادة لغة الحوار والمكاشفة للوصول إلى أسرع الحلول وأنجعها لشعوب المنطقة، وهي سياسة اعتادتها الدبلوماسية العمانية، وشهد لها العالم خلال الاختبارات الدولية السابقة، خصوصا في حالات الصراعات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة، والتي تسبقها العديد من مقدمات التوتر والانقسامات مما يجعل أنظار العالم تتجه صوب الدبلوماسية العمانية لتبنيها دبلوماسية العقل التي تفرض رؤاها في البحث عن ما يجمع الأطراف وتنحى جانبا؛ أي خلافات. وما يميز دبلوماسية السلطنة هو تمكنها من طرح ما يقبل الاتفاق عليه، بفضل احتفاظها بعلاقات جيدة ومقبولة من الجميع، والتاريخ حاضر للعديد من هذه الرؤى حين كانت مطبخ الاتفاق النووي بين إيران والغرب، وباركته كل الأطراف في حينها.
السلطنة تملك الفرصة الدبلوماسية للسلام، لأنها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتمتع بهذا الثقل الدولي لدى كل أطراف العملية السياسية لميلها التركيز على العوامل الجيوسياسية الدائمة، والابتعاد عن النزاعات الأيديولوجية والطائفية، وتفضيل التوافق في الممارسات الاجتماعية والسياسية، والتأكيد على التسامح.
كما أن الحرص في سياساتها الخارجية دائما ما يكون في اتباع سياسة الأبواب المفتوحة مع الجميع، ما جعلها دومًا بمثابة البيت الذي يستظل به الفرقاء لحل مشاكلهم وتقريب وجهات النظر بينهم، ولطالما كانت هي رسولًا للمحبة والسلام والتقارب، لا التباعد والتلاسن والفرقة، فالسلطنة تعتبر أن حماية حياة الشعوب ومما تتعرض له من جراء الخلافات هي أشد وأسمى أنواع الحماية الإنسانية.
إن شعوب العالم تحلم بالسلام الذي ترعاه السلطنة، لأنه المستقبل الذي سيكشف أن صوت الرشادة والاتزان هو السبيل الأمثل لإطفاء نيران الغضب وبناء الدول، والتمسك به هو الضمانة الآمنة والمستمرة لأمن الشعوب وتوفير فرص التعايش السلمي لها، ليدرك الجميع أن السلام ما زال ممكنا بالفعل، بفضل تصدر السلطنة دول المنطقة في القدرة على ترسيخ السلام والأمن والمصالحات، ونزع فتيل الصراعات، مما جعلها نافذة وسطية لحل كل الخلافات الإقليمية والدولية، وأصبحت كافة الأطراف تنظر لها بوصفها ممرا تستنشق منه نسائم السلام، وما كان ليتحقق لولا النظرة الثاقبة منذ عشرات السنين لسلطاننا الراحل، والقيم التي آمن بها وزرعها في الأجيال اللاحقة، فها هو العالم ينظر للسلطنة لاستنشاق روح السلام التي لم تنقطع نسائمها.

إلى الأعلى