السبت 4 أبريل 2020 م - ١٠ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / .. لكن عمان لا تموت

.. لكن عمان لا تموت

فوزي رمضان
صحفي مصري

من مخاض الموت ولدت الحياة، ومن ظلام الليل انبلج النهار، تنقضي أيام وأخرى تعود، تحترق نجوم وتولد أخرى، تموت حياة وتنهض غيرها، إلا الشموس لا تنقضي، والأقمار لا تنتهي، والأشجار لا تموت، تبقى جذورها في الأرض، وتثمر بذورها ما بقيت الحياة.
قابوس أربعون يوما لا تكفينا حدادا، وأطنان من قصائد الرثاء لا تكفينا مواساة، في موتك عرفنا معنى الوفاء، وتعلمنا كيف يكون الحب، أن يجتمع أطراف العالم على تقديرك، أن تتبارى مؤسسات الدنيا على تأبينك، أن يتقاطر عظماء المعمورة مقدمين واجب المواساة لموتك، أن يحزن عليك شعوب الأرض وبصدق، أن تنفطر قلوب شعبك على فقدك، أن يعتصرهم الحزن، أن يكلمهم الكمد، أن يعتريهم الغم، ففي كل بيت دار عزاء، أن تصبح ديار عمان سرادق كبيرة للحزن، الجميع يتقبل العزاء في فقدهم ومصابهم، إذن فهذا قابوس.
أن يشاهد العالم كل هذا الوفاء، وكل هذا الإجلال والتقدير، كل هذا الحب والامتنان، كل هذا الشكر والعرفان، لتسجل صحف الأرض ودواوينها، كتبها وسجلاتها، وثائقها وموسوعتها، رقما قياسيا في الوفاء والعرفان، في التقدير والاحترام، في الحزن عن صدق، والحسرة بدون رياء.
قابوس أن تكون ابن أرض عمان الطيبة، أن تكون ابن هذا التاريخ التليد، أن تكون ابن تلك الحضارة الأصيلة، أن تكون من سلالة رجال أشداء، صنعوا امبراطورية عمان التليدة، لتكون لهم السطوة والملك على بلدان عدة، أن تكون ابن هذه الأرض المباركة، التي دعا لها رسول البشرية بالخير والسلام، فلا بد أن تكون قامة من الشموخ، وهالة من السمو.
أن يكون صنيعك لشعبك كل هذا الرخاء، وكل هذا العمران، وكل طريق يحمل بصماتك، وكل شبر نبت من عرقك، وكل طوبة وضعت بأصابع يدك، كل سياسة خطت بحكمتك، فاقمت البنيان ونصبت ميزان العدل، كرمت إنسان عمان، ورسخت فيه العزة والكرامة، وضعت له القانون والميثاق، كانت أحرفك نبراسا لخريطة الطريق، وحكمتك حصنا من نزاعات الأقوام، فلا شقاق مع جار، ولا قطيعة لشقيق، ولا ضغينة لدولة، ولا خيانة لعهد.
أن تكون ابن هذه الأرض العظيمة، وأن تكون هذا العملاق الأسطوري، عظيم العرب وحكيمها، ثم تموت جسدا، لتبقى مآثرك خالدة، وصنيعك حاضرا، ونهجك نبراسا، أن تترك وصيتك، وتختار أنت من يخلفك، فلا بد أن الخيار عظيم، وأن الترشيح كريم، وأن الاختيار لصائب، وأن حكمتك لا تحيد، فكان جلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ خيارا من خيار، وخير خلف لخير سلف، ولأنك كنت الثقة والأمانة، كنت المحب لوطنك، والمخلص لشعبك، فقد أهديت أحبابك تاجا من المجد، وأخلفت عنك قامة من العزة.
إن كنت وضعت أسس العمران، فطوابق البنيان ترغب المزيد، وإن كنت مهدت الطريق، فهناك أخرى تطلب التمهيد، المسؤولية كبرى، والمهام عظيمة، والصعاب جسام، والتحدي كبير، والمطالب متعاظمة، والرجاء شديد، والثقة كل الثقة متوافرة، ويعرف الجميع أن القيادة الحكيمة، قادرة على الصعاب، عازمة على النهوض، مصرة على التقدم، ولا خيار أمامها سوى العمل، ويد مع يد تصنع المعجزات، وشعب على قلب رجل واحد، قادر أن يحتضن قيادته، وأن يلتف حول حكومته، فلا مصباح علاء الدين موجود، ولا حل سحريا متوافر، الظروف قاسية، والعالم متخبط، والصراعات الدولية تدمر الدول، وتشرد الشعوب، فلا مناص إلا العمل وصون الأرض، والالتفاف حول القائد.
بسم الله تبدأ مرحلة جديدة، بسم الله تبحر أشرعة هذه الأرض، تمخر عباب الصعاب، وتشق جبال التحدي، عزم لا يلين، وإصرار لا يئن، وتستمر الحياة ويتوالى البشر، وجيل يسلم جيلا، وراية تنكس، وأخرى ترتفع، وبشر ذاهب وآخر آت، وإن كان الجميع ضيوف هذه الدنيا، وإن كان الجميع إلى زوال، وإن علا بنيان فسيهدم يوما ما، وإن تجذرت الأشجار لا بد أن تسقط.. إلا هذه الأرض الطيبة، فجذورها في الأرض وفروعها في السماء، إلا هذه الأرض الندية، كريمة المنبت، عريقة الأصل… إلا عمان… أرض لا تموت أبدا.. عمان لا تموت، تعيش لتنجب الرجال، تعيش لترفع رايتها، تعيش لتتحدث عن نفسها.

إلى الأعلى