السبت 4 أبريل 2020 م - ١٠ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: قابوس مآثــــــر خالدة

في العمق: قابوس مآثــــــر خالدة

د. رجب بن علي العويسي

رحل مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيب الله ثراه ـ عن دنيانا في العاشر من يناير من عام 2020، بعد حياة حافلة بالعطاء والإنجاز والحب لعمان وشعبها الوفي، رحل وقد أنجز رسالته نحو شعبه، وأدى أمانته نحو عمان خير أداء، فوعد وأوفى، وصدق فأرسى دعائم البنيان، وأنجز وعدل، وسار في الناس سيرة حسنة، نقل خلالها عمان في نصف قرن إلى مستويات عالية من التطور والتقدم والتنمية الشاملة المستدامة في مختلف المجالات، وأرسى في سبيل تحقيق ذلك، رؤيته لبناء دولة عصرية قادرة على الأخذ بأساليب العلم والتنمية الحديثة والمساهمة الفاعلة في التطور العالمي ورسم ملامح التحولات العالمية الإيجابية المعززة لصناعة الأمل والسلام؛ وعزز البناء التشريعي والمؤسسي لدولة المؤسسات والقانون، فأرسى دعائم الأمن والسلام، وأعلى من قيمة النظام والحفاظ عليه كجزء من الشخصية العمانية وخصوصية النهضة وتفردها، شهد بها القاصي والداني، والقريب والبعيد حتى حازت على تقدير العالم وإعجابه في توازنها واعتدالها وتكاملها وترابطها وتناغمها وإنسانيتها وعدالتها وتفاعلها مع العالم وارتباطها بالقيم والأخلاقيات والمبادئ، وضمانها لوضوح المسار، وهمة الإنسان، في توازن وتآلف جمع بين الرصيد الحضاري المتجدد والموروث التاريخي العريق لعمان على مر العصور والتطور الإنساني المعاصر، فغمر الأرض العمانية بره وعطفه وحنانه وفضله وخيره وعطاؤه، وزان ذكره كل محفل وانتشر حبه في أصقاع الدنيا بأكملها، لما أثبته ـ طيب الله ثراه ـ من سياسة واضحة المعالم، ثابتة المبادئ، صادقة التوجه، قوية الأركان، ممارسة أصيلة ماضية في تعزيز السلام والإخاء والحوار والتعايش والوئام الإنساني وتعزيز المشترك القيمي والأخلاقي والمؤتلف الإنساني في عالم متعدد وفضاءات مختلفة، فجمع الناس على كلمة سواء، قوامها العدل والحق والمساواة، فأنتجت سياسته نهجا حضاريا راقيا متفردا، في حكمته وعبقريته وإدارته وقيادته وعلو همته ونفاد بصيرته وإنسانيته وقراءته لأحداث التاريخ القديم والمعاصر، وتعامله مع التحديات التي واجهت عمان منذ عام 1970، والمعطيات الحاصلة في المنطقة على مدى خمسة عقود من الزمن؛ فحقق إنجازات لا مثيل لها لوطنه، ومنجزات في صورة معجزات، ووضع عمان في مسار عالمي يشهد له الجميع.
لقد أنتجت سياسة جلالته ـ طيب الله ثراه ـ في بناء الدولة العمانية ممارسة أصيلة على الأرض، ومنهجا فريدا في العمل الداخلي والخارجي المسؤول يسع الجميع خيره، ويحتوي الكل نظمه، أثبتتها المواقف العمانية على مختلف العقود الماضية، وعززتها مصداقيتها وجديتها في إعادة إنتاج السلام العالمي؛ إنها عمان الحضارة والوعي والتاريخ والإنسانية والقيم والعدالة، التي أكسبتها الحكمة القابوسية ثوبا جديدا ونهجا مجيدا، فتبدل وجهها الشاحب، ونفضت عنها غبار العزلة والجمود، وانطلقت تفتح أبواب الإنجاز ونوافذ الأمل للنور الجديد تعلن للعالم عن اتصال مباشر تتفاعل مع تطوره وتتأثر بمجرياته وتمتلك أدوات القوة في اختيار ما تريد منه، وتوجه بوصلة عملها في التعامل معه، بما انعكس ذلك على الحضور العماني في الساحة الدولية واحترام شعوب العالم وبلدانه لإنسان هذا الوطن، وتقديرها لمكانته، والبصمة التي تركتها رؤية المغفور له بإذن الله تعالى مولانا جلالة السلطان قابوس بن سعيد، في كل مواقع ومنصات العمل الإنساني العالمي، لقد أحبه الجميع وأشاد بنهجه السامي العالم كله في مختلف بقاعه وأصقاعه، أنموذجا عالميا مؤثرا ملهما للإنسانية في عالم مضطرب يعيش السقطات ويتجه إلى نفوق الأخلاق.
رحل السلطان قابوس بجسده لكنه لم يرحل من حياة الأمة العمانية التي أحبته عن بكرة أبيها ولسان حال كل واحد منهم يقول: بأبي أنت وأمي مولاي صاحب الجلالة ما أطيبك حيا وما أطيبك ميتا، وأدرك العمانيون بأن حبهم لقابوس إنما بالسير على النهج الذي رسمه لبناء عمان والحفاظ على الأمانة وصون عمان، والثبات على المبدأ ووحدة الصف، ومصداقية السياسة التي انتهجها مع الجميع، في الداخل والخارج، ومع القريب والبعيد والشقيق والصديق، وسعى لبناء عالم يسوده السلام العادل، وترفرف على شطآنه رايات الأمن والأمان، والوئام والاستقرار، وطن يعيش الوحدة والتعاون والتكامل والتعايش والتسامح، فقد ترك لهم النهج، وبنى لهم أدوات العمل، ويسر لهم طريق القوة، وحدد لهم المسار، وعزز فيهم الثقة والأمل والقوة والعزيمة والإرادة والعطاء والصبر والطموح والمنهج السليم والرؤية الواضحة للعمل، التي هي أدوات لبناء الوطن والاستمرار في مسيرة التطوير، رحل وهو يعلم أن أبناء عمان يمتلكون مستوى جيدا من الوعي والثقافة والفهم للكثير من الأحداث التي يعيشها العالم، وأن الإنسان العماني يمتلك الممكنات التي تتيح له فرص الاستفادة منها في إعادة إنتاج واقعه القادم ومستقبله المنظور تحت قيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وهم بذلك في قوة ومنعه، وشموخ وسؤدد، ونهضة وتطور، وفكر ورقي، فحدد معالم الدولة ورسم مجريات الأحداث القادمة، وأسس موجهات التطوير، وهي موجهات بات على أبناء عمان العمل بها والمحافظة عليها والتعاطي الواعي معها واحترام مبادئها وتقدير هذا المنجز، لذلك سار كل شيء بعد وفاته على أكمل ما يكون، في سلاسة وطمأنينة، وتخطيط وتنظيم، ويسر وبساطة، وحكمة وحسن إدارة، ونهج ورقي، وأسلوب في الأداء الرصين والمنهج السليم، تنفيذا لما ورد في المادة (6) من النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (101/98)، والدور الاستراتيجي الذي قدمه مجلس الدفاع في الانتقال السلس للسلطة، والتعاطي الواعي للعائلة المالكة الكريمة مع متطلبات الموقف، وما أفصحت عنه رسالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ للأسرة الحاكمة، وانتهاء بتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليد الحكم في البلاد، وتنصيبه سلطانا لعمان.
رحل مولانا السلطان قابوس ـ رحمه الله ـ وقد ترك للعمانيين فرصا كثيرة للعيش بآمال عراض وأحلام كبيرة، وإيجابية لن تنسيها السنون والأيام، كانت ترافقهم في كل خطوات العمل رغم التحديات والصعاب التي واجهت النهضة، إلا أن عزيمة السلطان الراحل وسعيه الحثيث، وما أوقده في شعبه من عزيمة الإرادة وخلق التحمل والصبر والتضحية من أجل عمان، قد ولد فيهم شغفا أكبر في مواجهة المخاطر والأزمات والتعامل مع الصعوبات والتحديات، فخرجت منها عمان منتصرة بتوفيق الله ونصره وإرادة أبناء عمان وآمالهم وأحلامهم وتضحياتهم، إذ القيادة الحكيمة لجلالته ـ رحمه الله ـ كانت تسبقهم في موقع التنفيذ ومقدمة الركب، يتابع خطوات الإنجاز ويرصد حركاته ويبني مساراته، فقد منحهم هذا الشعور بقيمة المواطنة وحب الوطن وهو بينهم يرعاهم ويحفظ حقوقهم ويلبي احتياجاتهم، وينقل بهم عمان من طور إلى طور، ومن مرحلة إلى أخرى وهم يشاهدون بأُم أعينهم ويلمسون في واقعهم هذه الإنجازات في تطورها وتقدمها وملامستها لشغاف النفوس حتى استقرت في النفس ورسمت مسار التوجه، فأعطت الإنسان العماني مددا يستقي منه دافع التطوير للمستقبل، ورصيد تستشرف منه الأجيال القادمة حياة الكرامة والعزة ونهضة البناء والتطوير، فكان لهم ما أرادوا وتحقق لهم ما تمنوا في كل مجالات الحياة.
لقد أسس مولانا السلطان قابوس بن سعيد ـ رحمه الله ـ دولة عظيمة، وأعدّ للمحافظة عليها إنسانا قادرا على حمل رسالة الوطن ورعاية مصالح المواطنين، وهم أبناء عمان المعقود عليهم الآمال العراض في إعادة رسم ملامح المستقبل، وأولى خطوات ذلك بتكاتف أبناء عمان وبناتها جميعا وولائهم لقيادتهم الجديدة وسلطانهم المفدى، حفاظا على عمان ونهضتها الشامخة ومنجزها المعاصر، وليؤكد لهم أن حياة الأمم والمجتمعات الناهضة لا تقوم إلا بوحدة الصف وتكامل العمل وترابط الإنجاز وتفاعل كل خطوط التأثير وتقاسم المسؤوليات؛ فكان قول الله تبارك وتعالى: “وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ” وصية الله في الخلق، وهي رسالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ للأسرة المالكة الكريمة ولأبناء شعبه الوفي، رسالة امتزجت بروح الحب والمسؤولية التي يكنها القائد العظيم لعمان وشعبها، وكما أراد أن تكون دولة قوية منتجة للسلام والقوة والوئام والتسامح والتعايش، قادرة على رسم ملامح التغيير في عالم مضطرب، للسير بها إلى بر الأمان، فعززت ثقة العمانيين في وطنهم، وتلبيتهم لدعوة مليكهم الراحل باختيار جلالة السلطان هيثم بن طارق سلطانا لعمان، فلبوا النداء وبايعوه على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره من أجل عمان: وحدتها وقوتها ونهضتها وإنسانها.
ويبقى الدور المعقود على أبناء عمان في السير على نهجه، وحفظ وده، وصون عهده، والمحافظة على ما أنجز وزيادة، مستنيرين بما تركه لهم من مآثر خالدة، وإنجازات عظيمة، منحت الإنسان العماني القوة والفرصة ليكتشف سر الإنجاز والإنتاج، في سهر القائد الذي وجد في عمان صحته وعافيته وحياته وحتى وهو على فراش الموت وهو يخدم عمان قلبا وقالبا فلا يشغله عن عمان وأهلها أي شيء؛ كأروع ما يكون الحب والعشق المبجل، فأنتجت سيرته العطرة نماذج واقعية، وتجارب عملية، وعملا متصلا دؤوبا، وأدوات مبتكرة وشراكة واقعية، وممارسة شورية أصيلة، وتواصلا دوليا حضاريا متوازنا، وعملا وطنيا متكاملا، وسياسة خارجية قائمة على ثبات المبادئ ومصداقية الثوابت، قواعد راسخة من العمل الجاد المثمر في بناء دولة المؤسسات والقانون، لتعبر هذه المنجزات الميمونة الخالدة عن ذاتها وتفصح عما بداخلها، فلا تحتاج لتبيان وكل شيء فيها يسعى إلى استقرار، فلقد بدأت نهضة عمان من الصفر، وها هو اليوم يودعها أرقاما يصعب حصرها، يفخر بها كل عماني تعاون مع قيادته حتى أصبحت عمان ملء السمع والبصر وحضن وحصن المواطن العماني وكل من يعيش فيها أو يزورها، فإن الذي تحقق على الأرض العمانية أقوى وأعلى صوتا من أي أقوال، وأن الذي أُنجز أروع وأصدق من أي كلام.
لقد أنهت الخمسون عاما مددها، ورفعت أقلامها، وجفت صحفها لتأخذ مسيرة الحياة فصلا آخر، وسطرا انتهى إلى الصفحة الخمسين، وتشاء إرادة الله أن ينتقل إلى جواره من شيّد أركان الدولة العمانية، وأسّس معالمها، وصاغ رؤيتها، ورسم خريطة نجاحها، من بنى في العمانيين روح الإرادة والمسؤولية وأصل فيهم شعور المواطنة وحب عمان والولاء لها، مولانا صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيب الله ثراه ـ وقد ترك شعبا محزونا في وفاته، مفجوعا في فقده، وها هو اليوم الأربعون من رحيله، آخر أيام الحداد الرسمي، ولكنها لن تكون نهاية عزائنا فيه، فهو باقٍ حي في قلوب أبناء وطنه ما بقيت الحياة، لن تسلب السنون والأعوام والشهور والأيام قابوس السلام والأمان والأمل من وجدان أبناء عمان الأوفياء وبناتها، ولن يسقط التاريخ يوم مولده ويوم وفاته من ذاكرتهم، سيظل محفورا في القلب، محفوظا في الذاكرة، يسري في أرواحهم وأجسادهم سريان الدم في العروق، ويبقى الأمل الذي صنعه فيهم، والإرادة التي استنهضها في عزائمهم، والقيم التي استنطقها في أخلاقهم ومبادئهم نبراسا يضيء طريق المجد لبناء عمان المستقبل، كما أضاء نورها وأوقد شمعة عطائها في خمسة عقود مضت حتى حازت عمان قصب السبق وتحدث العالم عنها بإعجاب وإبهار، مددا يبني في العمانيين جسور الأمل بقادم مشرق، ويعزز فيهم مسيرة العطاء والإنجاز لغد مزهر، ويصنع فيهم قيم الخيرية والولاء والانتماء والحب لعمان: الأرض والدولة والإنسان، لقد رسم جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيب الله ثراه ـ منهج حياة للسالكين، ودليل سلوك للعاملين، وبرنامج عمل صنع التقدم والرخاء على هذه الأرض الطيبة.. وأنت هناك في روح وريحان، نم قرير العين، فقلوبنا معك وتفكيرنا فيك وسلوتنا، وعزاؤنا بأن نبحر بفكرك الشامخ في جلاله وجماله وصدقه وموضوعيته واعتداله وتجدده ورقيه وسموه في سفينة العطاء الممتدة لعمان شاقة طريقها باسم الله مجريها ومرساها، وسيظل نهجك السامي الذي رسمته لمستقبل بلادنا، وساما على صدورنا، وتاجا فوق رؤوسنا، ومظلة أمان تحتوينا، ورابطة تجمعنا في صف الوحدة والألفة والتسامح والتعايش والوئام، لتبقى سيرتك طريقنا الذي نسلك، ونهجنا الذي نسير، ومستقبلنا الذي نمضي، مشمرين عن ساعد الجد، باذلين أقصى ما في الوسع، رافعين راية عمان شامخة سامقة في ذرى المجد، حافظين لها، عاملين مخلصين لأجلها، واضعين نصب أعيننا رسالة الله في خلقه ووصيتك لنا بعمان خيرا في أن نكون صفا واحد ويدا واحدة وروحا واحدة “وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ” الأنفال/46؛ سنتحدث عنك وما قدمته لعمان من إنجازات في صورة معجزات تبقى منهلا للأجيال القادم بكل الحب، ونحدّث الآخرين عن سيرتك العطرة بكل ثقة وفخر، وسنخبر تلك الأجيال التي لم تنل شرف ولادتها في عهدك، بأنك “أعز الرجال وأنقاهم”، وأنك من صنعت فينا الحياة وزرعت فينا الأمل، لنحيا في عزة وكرامة، ونعيش في أمان واستقرار وسلام، فلروحك السلام ولله ما أخذ وله ما أعطى، راضون بقدر الله الغالب وقضاؤه الذي لا يرد، وسلام لك يوم ولدت ويوم مت، بأبي أنت وأمي مولاي صاحب الجلالة، رحمك الله وأنزلك منازل الصديقين الأبرار، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

إلى الأعلى