الثلاثاء 7 أبريل 2020 م - ١٣ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / المغفور له السُّلطان.. وأُزْدُ عُمان

المغفور له السُّلطان.. وأُزْدُ عُمان

علي عقلة عرسان

ليس بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاة المغفور له ـ بإذن الله تعالى ـ السلطان قابوس بن سعيد، بل منذ وفاته حتى اليوم والعُمانيون يشيدون بشخصه ومناقبه وسياساته وعلاقاته التي بناها مع دول عربية وإسلامية، فقد ضم عُمان لجامعة الدول العربية عام ١٩٧٠، ولمجلس التعاون الخليجي عام ١٩٨١ وللتعاون الإسلامي، وأقام علاقات مع شعوب ودول ومؤسسات دولية في قارات العالم.. ويذكرون إنجازاته التي نقلتهم من الجهل والفقر والظلم، إلى التعليم والعلم والمعرفة والكفاية والعدل، ومن النظام القبيلي إلى الدولة، بقوانين ومؤسسات وسلطات ومسؤوليات وعلاقات وخدمات، ومن تقطّع أصال البلاد والعباد بالخلافات والصراعات ومشقة الحياة وبالمسالك والطرقات والمواصلات والاتصالات، إلى وحدة الأرض والشعب وسهولة العيش وتوافر الخدمات والطرقات والسيارات والمطارات والطائرات وعصر المعلوماتية والفضائيات، واستثمار في التعليم يشكل قفزة نوعية بالبلاد خلال خمسين سنة مضت على حكمه.. فـ”من مدرسة واحدة هي المدرسة البوسعيدية في صلالة أو ثلاث مدارس في عموم البلاد قبل النهضة”، إلى مئات المدارس للذكور والإناث، وإلى جامعات ومراكز أبحاث ومشافٍ ومصحات وعيادات، وإلى عناية بالإنسان واستثمار فيه وفي العلم والمعرفة من خلاله، لأنه هو الغاية والوسيلة، وهو من يطور البلاد والعباد ويصنع النهضة بالعلم والعمل والرأي الرشيد والعزم الشديد.. ومن شُحِّ في المصادر والموارد إلى دخل قومي من النفط والغاز والزراعة والسياحة وغيرها، يرتدُّ على الناس دخلا وخدمات وتخفيفا لأعباء الحياة، ونهوضا بمجالات وأقاليم ومناطق وأماكن لم يكن يقع عليها نظرُ الحُكم والحكام.
وهذا الإنجاز الذي يذكره العُمانيون بسخاء، وكل هذا الذي يبدونه من وفاء.. أداء شعبي متميز لم يكن لكثير من الأئمة والسلاطين الذين تولوا أمر عُمان منذ أن بايع العُمانيون والي صَحار ومحيطها الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي عام ١١٥٩هـ ـ ١٧٤٤م إماما عليهم، رغم أنه شيّد وحرَّر عُمان من سيطرة للفرس الذين كانوا يفرضون على عُمان أتاوة، ويسمونها “مُزون”، والمزون هم المَلاحون، وعُمان بلد المِلاحة والملاحين بلد ابن ماجد أسد البحار وغيره من المكتشفين العرب والمسلمين.. ليبدأ مع الإمام أحمد عهدُ أسرة “البوسعيدي” التي ما زالت تحكم عُمان منذ ذلك التاريخ، وانتقَلَت بعاصمتها من الرّستاق إلى مسقط.. وقد أصبح حكم الأسرة البوسعيدية وراثة في نسل تركي بن سعيد بن سلطان الذي من أحفاده المرحوم السلطان قابوس والسلطان هيثم بن طارق الذي خَلَفَ السلطان قابوس بعد وفاته.
والبوسعيديون مِن أُزْد عُمان، وأزد عُمان من أُزد اليمن، سبئيون قحطانيون، وقد جاء اسم الـ”أُزْد، وفي لهجة أُسد” من لقب كان لـجدٍّ من جدودهم هو “دِراء بن نَبتِ بن مالك بن زيد بن كَهلان”، وقد حملوا الاسم جميعا، وتفرقوا بانهيار سد مأرب وسكنوا مساكن في الوطن العربي. وأذكر ذلك هنا لأنني قرأت في نسب آل “بوسعيدي” أن في آبائهم وأجدادهم المُهلّبُ بن أبي صُفْرَة الأزدي من أزد عُمان، وهو المُهلَّب بن ظَالم، وظالم هو الذي أمره رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بأن يغير اسمه من ظَالم إلى أبي صُفْرة، وكنيته أبو سعيد، والمهلّب أصغرُ أولاده.. ومن المعروف أن المُهلب هو من ولاة الأمويين، عَيَّنه الحَجاج بن يوسف الثقفي عاملا على خراسان عام (78هـ – 697م) وقام بفتوحات واسعة في بلاد ما وراء النهر.. وكان المهلب صاحب فرادة وقوة وحكمة ورأي.. ولا بدَّ أن السلطان قابوس قد اطّلع على سيرة أجداده ومنهم المُهلب فيما اطلع عليه من تاريخ أزد عُمان وتاريخها وتاريخ العرب والمسلمين.. فقد “أشار في أحد أحاديثه إلى أن إصرار والده على دراسة الدين الإسلامي وتاريخ وثقافة عُمان كان لها الأثر العظيم في توسيع مداركه ووعيه بمسؤولياته تجاه شعبه العُماني والإنسانية عموما”.(عن ويكبيديا). وقد وضعتني هذه الإشارة أمام مقاربة أمور ومواقف متشابهات أو متواشجات بين أحد الأجداد الأزديين “المهلب” وأحد الأحفاد “قابوس”، في بعض الأمور التي ربما يجوز أن تقارب على هذا النحو أو لا يجوز، لكنها نوافذ على فضاء حياتي ـ سياسي ـ حضاري ـ تربوي عربي وإسلامي وإنساني واحد، وأذكر من ذلك:
* أن السلطان قابوس، بوصيته المكتوبة لمن يخلفه، وهو إنسان يوقن بمصير كل حي، قد جنب العائلة المالكة الكريمة خلافات وصراعات غالبا ما تنشأ بين الأسر الحاكمة حول وراثة الحكم، فالسلاسة التي تأتّت بإجماع مجلس العائلة الكريمة على اختيار مَن أوصى به السلطان قابوس في وصيته المكتوبة، جاءت أو حدثت نتيجة ثقتهم به وبحكمته ومعرفته بالصالح العام والخاص من المصالح، فكانت تلك قدرة له على ضبط هذا الأمر حتى حين لم يعد له نهي وأمر.. وبذلك جمع الأسرة في وحدة موقف ورؤية فيهما خير لها وخير للبلاد.
وبالمشابهة أو المواشَجَة في الهدف والمآل أشير إلى أنه: “حين حضَرت المُهلَّبَ الوفاةُ، دعا إليه ابنه حبيبا ومن حضره من ولده، ودعا بسهام فحُزمَتْ ثم قال: “أفترونكم كاسريها مجتمعة؟” قالوا لا، قال: “فهكذا الجماعة، فأوصيكم بتقوى الله وصلة الرّحم، فإن صلة الرحم تُنْسِئُ في الأجل وتُثري المال وتُكثر العدد، وأنهاكم عن القطيعة فإن القطيعة تعقب النار وتورث الذّلة والقلّة، فتحابوا وأجمعوا أمركم ولا تختلفوا وتباروا تجتمع أموركم”.
** ويذكر العمانيون عن السلطان المرحوم المُحتَفى بذكراه اليوم، أنه كان سياسيا مُحنَّكا، وصاحب رأي ورؤية واختيار وقرار، يعرف كيف يدير ويدبِّر، وكيف يتخذ المواقف ويرسم الخطط بحسابات وبُعد نظر واستقلالية رأي، ويدرك جيدا متى يعْمَدُ إلى الّلين ومتى يلجأ إلى الشِّدة.. ويذكرون له مواقف وأمثلة تجلت فيها تلك الصفات والقدرات والخيارات.. وأهل مكة أدرى بشعابها..
وفي هذا المجال من مجالات التشابُه والتواشج التي أشرت إلى مقاربتي لها، أذكر ما قاله قَطَريُّ بن الفُجاءَة في المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة، قال: “المهلب مَن عرفتموه: إن أخذتم بطرف ثوب أخذ بطرفه الآخر: يمده إذا أرسلتموه ويرسله إذا مددتموه ولا يبدؤكم إلا أن تبدؤوه، لا أن يرى فرصة فينتهزها فهو الليث المبر والثعلب الرواغ والبلاء المقيم..”
وبعد فهل هناك وجه لهذا الذي استجَزته لنفسي وأشرت إليه؟! إن الله سبحانه وتعالى أعلم، فإذا كان هناك شيءٌ من ذلك فأرجو أن يكون خيرا، وإذا لم يكن فلا أظنّ أن في ما استَجَزْتُه أو اجترحتُه ما يضر أو يضير. وأسأل الله الرحمة للسلطان المتوفّى ولجميع أموات المسلمين والناس أجمعين، وأسأله المغفرة للأحياء والعبرة لمن يعتبر، وأختم بكلمات قالها المُهَلَّبُ بن أبي صُفْرَة، قال: “الحياة خيرٌ من الموت، والثناءُ خيرٌ من الحياة، ولو أُعطيت ما لم يُعطَه أحدٌ لأحببتُ أن تكون لي أُذنٌ أسمع بها ما يقال فيَّ غدا إذا مت..” لكن.. لكن..
ما كلُّ ما يَتمنّى المَرءُ يُدرِكهُ تَجري الرِّياحُ بما لا تَشتهي السُّفُنُ
و”إنا لله وإنَّا إليه راجعون”، والحمدُ لله على كلِّ حَال.

إلى الأعلى