السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. مركز سيدوف الثقافي بولاية مرباط

العين الثالثة .. مركز سيدوف الثقافي بولاية مرباط

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

علمنا من عدة مصادر رسمية مؤكدة أن صاحب السمو السيد هيثم بن طارق وزير الثقافة، قد قام مؤخرا بزيارة لمحافظة ظفار بصورة مفاجئة للمسئولين عن الثقافة الإقليمية، وقد قام بجولة لبعض الولايات التي تشتهر بمعالمها التاريخية والحضارية، ومن بينها ولاية مرباط التي تبعد عن صلالة (76) كم، ويبدو أن الهدف المستهدف من هذه الزيارة تحديدا الاطلاع على وضع بيت سيدوف التاريخية التي وضعها كاد يتحول إلى اثر بعد عين، بدليل، توجيه سموه بإعادة ترميمها، وتحويلها إلى مركز ثقافي تحت اسم ،، مركز سيدوف الثقافي، لكن متى؟ وكيف ؟ فالتساؤلان يطرحان اشكالية كبيرة انطلاقا من خلفيات تراكمية، ومهما يكن، فإننا سوف نتابع ونرصد سير وماهية التنفيذ الذي ينبغي أن يكون عاجلا وليس آجلا لوضع هذا المعلم الأثري المهم.
ومبادرة سموه خطوة في غاية الأهمية، لأنها مطلب محلي منذ عدة عقود، وكل الفاعلين في مؤسسات الدولة،، المحلية والمركزية ،، كانت تتفرج على تداعي هذا الكنز الأثري، وقد فتحنا ملف بيت سيدوف في عدة مقالات، وفي آخر مقالتنا عنها رسمنا بالكلمات صورة ذهنية عن تساقط واندثار أجزاء كبيرة منه، ودقينا ناقوس الخطر عليه، وتساءلنا، كيف نقبل أن نكون شهود عيان على نهاية معلم اثري يرجع تاريخه إلى (140) سنة ـ وفق بعض المصادر- وهو يعد من بين أهم المعالم الحضارية ليس في ظفار فقط وإنما البلاد كلها، فتدخل سموه الشخصي والميداني مقدر ومثمن عاليا، ولولاه، الآن بالذات، لتحول قريبا هذا الكنز الاثري /التاريخي إلى اطلال، فالتدخل يعني لنا الشيء الكثير،، توقيتا وجوهرا ،، فسموه بالتأكيد قد اطلع ميدانيا على ما آل إليه وضعه، وقد وجده يقبع عند مدخل مدينة مرباط القديمة يشكو حاله المهمل لكل زائر على غرار بقية البيوت الأثرية، ومرباط كلها تاريخ مفتوح، وحاضرها يعبق منه روائح تاريخية عميقة تحسها بروحك إذا تجرد الجسم عن الماديات، وتاريخها يتحدث عنه عدة مراجع عربية وأجنبية من بينها، ياقوت الحموي وابن بطوطة وابن حوقل،، وبالتالي، فإن زيارة صاحب السمو لها، نعتبرها تاريخية، ومن ثم ينبغي أن لا تنحصر نتائجها على بيت سيدوف فقط رغم أهميتها، وإنما تكون شاملة من وحي استدراك الاهتمام ببيت سيدوف، فمرباط كلها يمكن أن تشكل متحفا طبيعيا في الهواء الطلق مفتوحا على غرار متحف الهواء الطلق بهولندا، وكل من زارها أو سوف يزورها من مواطنين وسياح سوف يقر بذلك، ومرباط كذلك منطقة سياحية بامتياز، فأمامها الجزر والخلجان والشواطئ الفضية الناعمة التي ترتمي في احضانها مياه المحيط الهندي، وخلفها سلسلة جبال رائعة لم تخل بدورها من المعالم السياحية المهمة جدا، ككهف طيق الذي يعد أكبر الكهوف في العالم، وهو يشكل فرصة كبيرة لهواة المغامرة وتسلق الجبال والرحالات الاستكشافية، وكفى بهذا المعلم السياحي سببا لانتعاش وازدهار المنطقة، فكيف لو كان بها معالم أخرى يمكن أن تتكامل وتشكل اغراء سياحيا رفيعا وأصيلا، وحتى مرباط في وضعها الحالي مغرية وجاذبة، ربما لسحر شواطئها وخلجانها وجزرها، فكيف لو اهتممنا بمعالم السياحة التاريخية، كالبيوت التقليدية التي يقدر عددها بأكثر من (200) بيت بحاراتها القديمة وازقاتها الطبيعية، وحصنها الشهير المسمى باسمها، وكذلك كيف لوصنعنا فيها مقومات سياحية حديثة؟ ولو أي فرد زار مرباط خلال إجازتي الأسبوع من كل اسبوع، فلن يجد له موطئ قدم، فالأسر العمانية والوافدة تتخذها مكانا لقضاء إجازتها الأسبوعية، فلماذا لم نهيئ الأرض والحجر والشجر لهذه الجاذبية السياحية الداخلية؟ وتساؤل كبير يطرح كذلك حول مشروع ازدواجية طريق طاقة مرباط الذي يبلغ طوله (36) كم، لماذا تأخر تنفيذه حتى الآن رغم الاعلان عنه؟ سنتناوله في مقال لاحق، فالطريق الحالي ذو الحارتين المتقابلتين المظلم قد اصبح يسيء ليس للسياحة في ظفار فقط وإنما للتنمية في بلادنا عامة- وقد ذكرنا ذلك في مقال سابق- فالسياح عامة والأوربيين خاصة الذين يحرصون على زيارة مرباط يعانون اشد المعاناة حتى يقطعوا هذا الطريق ذهابا وايابا ، ولردايته وعدم انارته قد أصبح يهدد الحق في الحياة لكل من يقصد مرباط، من هنا، فإننا نرى من وحى تدخل صاحب السمو الشخصي، أن الاهتمام بمرباط ينبغي أن يأخذ مسارين، الاول، مباشر من توجيه سموه لترميم بيت سيدوف وتحويله إلى مركز ثقافي، ومفردة الثقافة أوسع دلالة وشمولة من مفردة أثري، والمركز كذلك له دلالة عميقة كمحتوى حاضن لتعدد مفهوم الثقافة، ففيه ينبغي أن يشمل قطاعات ثقافية وفنية واثرية وتاريخية وأمكنة مخصصة لعقد الندوات حفاظا على الذاكرة الوطنية من جهة، ودافعا لشباب هذه المنطقة على ممارسة هواياتهم المتعددة من جهة ثانية، واستغلالها سياحيا من جهة ثالثة، واعتبارها وسيلة لخلق فرص عمل جديدة لشبابنا من جهة رابعة، فتوجيه سموه يتحدث بصورة صريحة عن مركز وليس عن متحف فقط، وهذا حق لهذه الولاية العريقة ينبغي أن لا يتم تقزيمه عند التنفيذ، فعندنا اشكالية كبيرة في هذا الصدد، فالتوجيهات والأوامر العليا أو ما دونها تأتي دائما في مستوى الحدث، لكن المشكلة تكمن في التنفيذ، وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فيبدو أن مشروع ازدواجية طريق طاقة مرباط لن يسلم بدوره من التقزيم أو التقليل رغم الكشف عن حجمه والإعلان رسميا عن مبالغه، وتوقيع العقد مع الشركة المنفذة، وهذا ينبغي أن لا يحدث ابدا ـ سنتناوله في مقال مقبل – ونتمنى أن لا يتكرر هذا مع مركز بيت سيدوف الثقافي، كأن يقتصر العمل على تحويلها إلى متحف أثري وليس مركزا ثقافيا.
والمسار الثاني، هو مواز للمسار الأول، ويتعلق بمرباط عامة بحكم تاريخها وموقعها المميز المطل على البحر وأهميتها المعاصرة، وهي مؤهلة لأن تشكل دعما كبيرا للسياحة في بلادنا إذا ما توفرت الإرادة الصادقة والرؤية النافذة، ونجد في مبادرة صاحب السمو بتحويل بيت سيدوف إلى مركز ثقافي، نافذة قد ترشدنا إلى الرؤية السياحية الصحيحة، وهي تتجلى في تحويل عاصمة ظفار قديما ـ كما تقول بعض المصادر ـ إلى ولاية تراثية على شكل متحف في الهواء الطلق عبر ترميم بيوتها القديمة وتعبيد طرقها مع إدخال مجموعة خدمات سياحية جديدة يتم ربطها بمسار كهف طيق الجبلي وبالخلجان والجزر الساحلية بعد تهيئتها للسياحة العائلية، وهذا ينبغي أن يتم وفق تناغم وتكامل مع الرؤية السياحية لصلالة، فهل تجد وزارة السياحة نفسها هنا معنية بتوجيه سموه المباشر وغير المباشرة؟ فالاهتمام ببيت سيدوف فقط وجعلها مركزا للثقافة خطوة مهمة، لكن ينبغي ان تتزامن معها خطوات أخرى مهمة لها نفس الأهمية، وقد أشرنا إليها سابقا، فمرباط يوجد بها مجموعة كنوز اثرية يجب أن تستغل سياحيا؟ وبيت سيدوف يجسد العمارة العربية التقليدية، ويتكون من أربع طبقات ومخازن وأسوار وروشان ومجصص بالنورة الحمراء، واستمر بناؤه مدة عامين تقريباً.

إلى الأعلى