السبت 28 مارس 2020 م - ٣ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التشكيل الصوتي للكلمة ودوره الدلالي (قراءة في بعض مشاهد يوم القيامة) (4)

التشكيل الصوتي للكلمة ودوره الدلالي (قراءة في بعض مشاهد يوم القيامة) (4)

د.جمال عبدالعزيز أحمد:
.. ونختم هنا بتلك الآية الكريمة التي سبق الاستشهاد بها من سورة محمد، الآية (15):(كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ)، فسنركَّز فيها على كلمتين فقط، هما (فَسُقُوا)، و(فقطَّع)، والفعل (سُقُوا) بوزن(فُعُوا) سقطت منه الياء، لأن أصل الفعل (سقى يسقي سقيا)، وأصل الكلمة:(فَسُقِيُوا)، حيث نُقِلَتْ ضمةُ الياء لثقلها على حرف العلة إلى القاف قبلها، بعد حذف كسرة القاف؛ حتى لا تجتمع حركتان على متحرك واحد، فصارت الضمة فوق القاف، بعد حذف حركتها، فسكنت الياءُ، وبعدها واو الجماعة، وهي ضمير مبني على السكون، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء الضعيفة، المقابلة للام الميزان، فصارت (فَسُقُوا) بوزن (فَفُعُوا)، حدث لها إعلالان، إعلال بالتسكين، تلاه إعلال بالحذف، وكلُّ ذلك لتيسير السقي، وسرعته، وتجرُّعه كثيرًا، ولكنْ، يا ويلتاه !، إنه ليس ماءً عاديًّا، بل هو ماءٌ حميم، شديد الغليان بمفهوم الآخرة، وبقوة الله، وقدرته، وبُنِيَ الفعل لما لمْ يُسَمَّ فاعله لكثرة من يسقيهم عددًا، وقوةً، وقدرةً، وسرعةً، فهم الملائكة المخولون بذلك، وقد بني الفعلُ لما لم يسم فاعله كذلك؛ لتتخيل النفس فيه كلَّ متخيل، وتذهب في تصوره كلَّ مذهب، ثم إن الفعل بعدها:(فقطع) بتشكيلته الصوتية، وتشديد عين ميزانه التي هي الطاء، فهو صرفيا بوزن:(فَفَعَّلَ) مضعف العين، أيْ مشدَّدها؛ ليبين أثر الماء الحميم، ونتائجه الرهيبة على هؤلاء، فهو يقطِّع أمعاءهم إرباً إرباً، قطعاً قطعاً، ثم يعود، فيقطِّع ما كان قد قطَّعه من قبل، فهو لا يفتأ يقطع حتى يقطع، ويظل كذلك، وهم يتألمون، ويتألمون، حيث لا ينفع ألم، ولات حين ألم، وحيث لا يُجْدِي الندم، فالفعل:(يقطِّع) لو تخيلْتَ طاءه المشددة، وتأملتَها، وهي تحدث، وتسمَّعْتَ إلى آثارها لذابت منك الأحشاءُ، ولسالت منك العيونُ، ولارتجف منك القلبُ، ولارتعد منك الفؤاد، ولسارعْتَ بالاستعداد ليوم المعاد، وتزوَّدْتَ ليوم البعاد، ولاجتهدْتَ ليوم التناد، ويوم محاسبة الله لكل العباد، ولفزعت إلى ربك، وعملت لمثل تلك اللحظات، وهاتيك المشاهد المرعبات، والمواقف المُذِيبات للقلوب،والأكباد، أسأل الله تعالى أن يجعلنا في ظله، وأن يرزقنا رحمته، ويبعد عنا غضبه، وبأسه، وانتقامه، وأن يكتبنا فيمن عفا عنهم، وأبعدهم عن تلكم المشاهد بفضل منهن وعفو، وكرم، وإحسان.
* جامعة القاهرة بكلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية.
Drgamal2020@hotmail.COm

إلى الأعلى