الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / .. لكي تكون ولكي نكون فبغير كينونتها لا نكون

.. لكي تكون ولكي نكون فبغير كينونتها لا نكون

علي عقلة عرسان

” لقد تعب السوريون من هذا الوضع الذي ينزّ دماً وكآبة، ولم يرحمهم ولا يمكن أن يرحمهم، تجار ” الثورات” والسياسات والأيديولوجيات، ولا طلاب المناصب والمكاسب وزعماء الفتنة وأمراء الحروب وتجار الأزمات.. فأؤلئك لا يهمهم سوى ما يدخل إلى جيوبهم وكروشهم من مادة هي سقوط الروح التام بعينه، يضاعفه في هويه بهم إلى الدرك الأسفل ادعاؤهم الفارغ بأنهم الرفعة والإنقاذ والمعرفة والحكمة والوطنية و.. إلخ؟!”
ــــــــــــــــــــــــــ
لم أكن أتصور أن يأتي يوم يعم فيه سورياَ عنفٌ مجنون كهذا العنف المجنون الذي يجتاحها منذ ثلاث سنوات ونصف، ولا أن تصبح ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتحقيق المصالح والترجيحات الاستراتيجية الدولية على حساب شعبها وعمرانها ووجودها ذاته، ولا أن تكون مرتعاً لكل فتاك حامل غاية وسلاح وكل مسكون بالحقد والفتنة والفكر المريض والرؤى الشاذة العقيمة.. وعلى الرغم من ظهور مؤشرات كثيرة خطرة فيها خلال العقود القليلة الماضية، منها حالات السفاهة المتفاقمة وتطاول الأقزام والجهلة والمدعين الأيديولوجيين وفتكهم بالقيم الوطنية والقومية والدينية والأخلاق، ومنها أيضاً فساد الإعلام وطغيان الحكام واعتلاء المنافقين والفاسدين والمفسدين والمنطوين على ضغائن وصغائر، ومن لا كفاءة ولا علم لهم .. اعتلاءهم مناصب وارتقاءهم درجات عليا.. وكنت كلما ادلهم خطب بسبب ذلك أقول: غيوم عابرة تنقشع والبقاء للأصلح، ولن يكون وطني ووعي شعبي فريسة للخاطئين..!؟ نعم كان هناك انحطاط في بعض مناحي التفكير والتعبير والممارسة، وكان هناك انحلال وفساد، وسيطرة معايير مختلة وقيم فاسدة يتم في فضائها تدبير يستهدَف منه تغيير هو نوع من التدمير، تقوم به فئات وشخصيات يحكمها قصر النظر والانفعال القتال ويأخذها الغرور إلى شطط بعد شطط.. ولكن لم أكن أتوقع أن يستعصي ذلك كله على الإصلاح ويفشو بهذه السرعة داء عضالاً، وأن يصل البلد إلى ما وصل إليه اليوم، وإلى ما هو فيه الآن، من فوضى واقتتال وتطرف مذهبي كاسح وإرهاب وجنون تدميري للعمران والإنسان، ،لا أن يطفو بسبب ذلك كله المعتوهون والمتخلفون والانتهازيون على السطح ويعمون مفتونين بجرائمهم وخطاياهم فوق بحيرات من الدم السوري البريء الذي يُراق بظلم ووحشية واستهداف مقصود لسوريا وما تمثله ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، ويغرِقون البلاد والعباد في المأساة!! ولم أكن أتوقع أن يصل الأمر إلى حد أن يستنسر البُغاث في أرض الشام فيصول ويجول ويعمل على تفتيتها وجلب البغاة والمجرمين العتاة والمستعمرين والصهاينة العنصريين ومن هو في حكمهم من أهل الشر إلى مدن سوريا وبلداتها وقراها، سهولها وحقولها وجبالها وأنهارها.. ليتخذوا فيها مواقع نفوذ، ويقيموا هناك دويلات على حساب الدولة السورية الأم وشعبها، وينتهكوا كل حرمة للإنسان والوطن والأمة والدين في سبيل تحقيق ما يتطلعون إلى تحقيقه من أهداف، مدعومين بقوة من أعداء سوريا التاريخيين ومن المناهضين لخياراتها وثوابتها الوطنية والقومية والنضالية..؟! نعم لم أكن أتصور أن يحدث ذلك، ولم يكن يغيب عني، حين يمر بي خاطر من هذا النوع بعد انتشار هشيم النار في أقطار عربية فيما أسميته وأسميه” ربيع الشجون العربية”، أن الوعي التاريخي الذي يملكه السوريون سوف يشكل وقاية وحماية وحصانة لها من ذلك وأمثاله.. لكن قد حصل ما حصل ويستمر ما يحصل الآن، ودخلت سوريا أو أُدخلت أتون حربٍ مجنونة تجتاح الأرض ولا تستثني الأنفس، وتؤسس لما بعد ويلاتها من ويلات أكبر ومما لا يمكن تصور أبعاده وحصرها الآن، لا سيما بعد أن استيقظ في داخل كثير من الناس وحش التطرف المذهبي وأخذ ينشر الرعب والموت.
سوريا القوية المتماسكة العفية الجميلة الداعية إلى وحدة الأمة العربية معرضة اليوم للتمزيق وكل ترابها منتهك، وكثير من الناس فيها قاتل أو مقتول باسمها وباسم الدين، ومعظم أهلها بين جلادين وضحايا، ومن يقع منهم خارج تينك الدائرتين أو يقف منهما على مسافة أو بين بين، يتعرض لأنواع من السلب والاستلاب والإذلال والتشرد والرعب والعذاب، ومن كان فيها مواطناً يشعر بفخر الانتماء إليها والاعتزاز بها، أصبح يحار اليوم بين البقاء فيها مهدداً بالعنف والإرهاب والبؤس وبأفعال عدوانية مأساوية أخرى يقوم بها أشخاص ذوو أمزجة دموية وحشية.. وبين الهرب منها ملاحقاً بالغربة والشقاء والحنين والاحتقار وبالغرَق في مياه البحار، في رحلة شقاء بحثاً عن ملاذ آمن أو مزار.. وفي كل من الحالتين قهر ورعب وموت.. موت الروح، أو موت الجسد وفناء الروح.؟! لقد أصبحت سوريا الجميلة أو كادت تصبح اليوم مقبرة كبرى ليس للأحلام والآمال والقيم والعقل المدبِّر والوجدان فقط بل مقبرة للأحياء وهم في أشد لحظات الحياة توقاً إلى العيش، ومدافن للأحرار وهم في أعلى درجات تطلعهم إلى الأمن والكرامة والسيادة والاستقرار في ديارهم، والتخلص من ساسة تجار ومن “تجار الثورات” المشعوذين الدافعين وطنهم وشعبهم إلى إتون النار.
لقد تعب السوريون من هذا الوضع الذي ينزّ دماً وكآبة، ولم يرحمهم ولا يمكن أن يرحمهم، تجار ” الثورات” والسياسات والأيديولوجيات، ولا طلاب المناصب والمكاسب وزعماء الفتنة وأمراء الحروب وتجار الأزمات.. فأؤلئك لا يهمهم سوى ما يدخل إلى جيوبهم وكروشهم من مادة هي سقوط الروح التام بعينه، يضاعفه في هويه بهم إلى الدرك الأسفل ادعاؤهم الفارغ بأنهم الرفعة والإنقاذ والمعرفة والحكمة والوطنية و.. إلخ؟! يا لتفاهة الإنسان عندما يُغرِق وطنه وشعبه في الدم والشقاء والدمار والفتنة ويبقى منتشياً وهو “يعوم فوق مستنقعات الدم، رافعاً رأسه مثل ديك على مزلة التاريخ”، يصيح بالويل والثبور وعظائم الأمور، بينما يدفع غيرٌه ضريبة الدم وهو غارق في برازه في مستقر واسع مريح.؟!.
العيش في المأساة ودفع ضريبة الدم والعيش في شقاء ورعب.. هو على الأقل حال كثيرين من السوريين في بلدي الحبيب الجميل، أو الذي كان جميلاً، وهو حال بلدي العزيز بين البلدان وشعبي الكريم بين الشعوب .. وأنا جزء من هذه الحالة بكل إبعادها وتفاصيلها ومنعكساتها ونتائجها، أنتمي إليها وأتفاعل معها وتتفاعل عضوياً في داخلي، وتعيد صهري في بوتقة الحدث الزلزالي، وتصبح حاضري ومستقبلي..
هي البلاد بلادي لا بديل لها
القلب والأرض فيها واحدٌ أحدُ
لا أستبدل وطني بوطن، ولا أنبذ بلدي ولا يمكن أن أنبذه من أجل ذاتي حتى لو نبذني، ولا أقبل أن ينبذني منه أحد.. فمن تراه يُنبَذ من وطنه ويعيش في الحق وعلى الحق، ومن تُراه يَنبُذ مواطناً من وطنه بغير حق ويكون على حق؟! من يَنْبُذُ مواطناً من وطنه باسم الوطن، من دون وجه حق وشرعة عدل لا يمكن أن يكون فعله وطنياً ولا أخلاقياً، وهو لا يدرك أبعاد المواطَنَة وحقوقها وواجباتها، ولا يعي جيداً معاني انتماء الإنسان إلى وطن ليس له سواه ولا يتعلق بسواه.. ولا يمكن أن يكون فعلٌ من هذا النوع فعلاً وطنياً أو فعل وطن، فالأوطان لا تنفي ولا تنبذ ولا يضيق صدرها ببنيها، وتعي معنى أن يكون خيرُ بنيها هم بُناتُها لا مدمروها، وهم من يشدُّون إليها أهلها ويؤمنونهم فيها وليس من يفرغونها منهم ويلاحقونهم بالرعب، وهم من يحببون الآخرين بوطنهم ولا ينفرونهم منه.. ومن نفَل القول أن نقول: إن من ينبذ وطنه أو يتآمر عليه ويستعدي عليه ويُشقي أهله ويصليهم بالنار، هو أردآ أنواع البشر، ولا يستحق وطنه، ولا أن يحتفي به وطن، لأنه ممن بيع بالأوطان ويشتري والأوطان لا تُباع ولا تُشترى، ولا تضيق بأهلها ومن يضيق بها فذاك شأنه.. وقد صدق ذلك الشاعر العربي الذي قال:
فوالله ما ضاقت بلادٌ بأهلها
ولكن أخلاق الرجال تضيقُ
ورحم الله من قال:
بلادي وإن جارت علي عزيزة
وأهلي وإن ضنوا عليَّ كرامٌ
أعشق وطني ولا أنبذه ولا أضيق به أو أضيِّق على الناس فيه، وأفديه حتى وهو يذبحني من الوريد إلى الوريد، “فحب الوطن من الإيمان”، هكذا قال نبينا رسول الإسلام الداعي إلى الإيمان.. وأنا أسعى ما استطعت إلى أن أكون من أهل الإيمان .. وفيما أعرف لا يُعَدُّ من يستعدي على وطنه أو يتآمر عليه أو يجيِّش ضده أو يشوه صورته وصورة الناس فيه ويشقيهم .. لا يُعَدُّ وطنياً يستحق وطنه، فهو الخائن والمتآمر والمستبد الباخس الخاسر، وفي مثل هذه الحال يؤخَذُ الشخص بفعله ويحكَم عليه بحكمه على نفسه، فهو ممن يجعل وطنه سلعة سياسية يبيعها ويشتري بها، والتاجر يمكن أن يخسر أو أن يفلس، وتلك حال تنطبق على تجار الأوطان والسياسة و” الثورات” والقيم والدين والأخلاق؟! كما لا يمكن أن يٌعَدُّ من يطغى ويستبد بأهله ويظلمهم ويهينهم ويقتلهم بذريعة الصد عن الوطن وعنهم، وادعاءً منه باحتكار الفهم والوطن والإخلاص والحكمة والقيمة.. لا يمكن اعتابر ذلك ممن تليق بهم صفة المواطَنة الصالحة وحمل شرفها، ولا ممن يوكل إليهم حمل الأمانة في الوطن.؟! لا يتخلى المرء عن انتمائه إلى وطنه حتى لو ظلمه وطنه ونبذه بغير حق، وعلى من يتعرض لهذه الحالة أن يدرك جيداً أن من ينبُذ بغير حق ولا عدل ولا شرعٍ ولا قانون هو معتد على الوطنية والوطن والحق والعدل والقانون، وأنه لا يمكن أن يكون هو الوطن ذاته، ولذا على من يتعرض لذلك أن يعزز انتماءه الوطني بكل قواه وقدراته، وأن يدعو إلى تعزيز ذلك الانتماء بعمل بنَّاء واستعانة على البناء بالمعرفة والمروءة والأمل والحلم.. وعليه أن يتطلع إلى أن يبقيه الوطن فوق ترابه نحلة ونخلة وزهرة وسنبلة يحنيها ثقل ما تَحمل إلى أرض خصبة وتربة ثقافية وحضارية غنية تتوق إلى ما يُحمَل إليها من خير، وإلى خير من حمل إليها الخير، وعليه أن يعمل على/ ويرغب في أن يكون في الوطن مشمولاً بسلام واستقرار، مصاناً من الوحوش التي تلبس لبوس البشر وتأكل لحوم البشر، ومن مسؤلين يفهمون المسؤولية سطوة وثروة وشهوة ومتعة وتسلطاً وطغياناً وشَرذَمة للناس وتفريقاً لهم وغرس الفرقة بينهم لكي يضمنوا ولاء الناس لهم والتحكم برقابهم، ولكي يبقى الواحد منهم فوق الناس، ينتمي إليه الوطن ولا ينتمي هو إلى أي وطن، فهو في غروره وجبروته فوق الأوطان والناس.؟! .
آتوق في وطني إلى السلم والأمن، وإلى أن يبسط الوطن ظله الوارف على الناس، وأن تُحمي السيادة ويستعاد الوعي بالمسؤولية الأخلاقية في كل شأن من شؤون البلاد والعباد..
فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وأتوق إلى عودة كل مشرَّد داخل الوطن وخارجه إلى بيته إلى نفسه في بيته فالبيت دار الجسد والجسد دار الروح.. وأشعر بالغَصّة تملأ حلقي وبالدموع تسحّ على وجنتي كلما فكَّرت وتذكَّرت، وأنا حالة من التفكّر والتذكّر لا تكل ولا تمل، بأن وطني مستباح، وشبه مقسم أو مقتَسَم بين قوى، وأن هناك من ينتهك حرمة أرضه وشعبه وسيادته، وأن من يفعل ذلك بعدوانية صارخة ليس دولاً وتحالفات دول فقط بل قوى نشأت وترعرت في حضن الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية وغيرهما من الدول الاستعمارية وتلك المعادية للعروبة والإسلام ولما تمثله سوريا في هذا المجال، ومنها ما لا يمكن أن يرقى إلى بلوغ مبلغ الحضيض في الارتفاع، إن هي ارتقت، بل تبقى أدنى من ذلك عند الحكم عليها وعلى آفعالها وانتهازيتها وعدوانيتها ووحشيتها بالمقاييس الأخلاقية والإنسانية وبالمعايير الوطنية والحكمة العقلانية.. وهي في أفعالها تلك خارجة على كل شرعية وقانون ومعيار خٌلٌقي.. وأشعر أن وطني العزيز أصبح مرتعاً لأجهزة مخابرات ولتنظيمات وشركات تمتهن القتل بالأجرة مثل شركة “بلاك ووتر” السيئة الذكر التي غيرت اسمها بعد أن ذبَّحت من العراقيين ما ذبَّحت في ظل العدوان الهمجي الأميركي – البريطاني على العراق عام ٢٠٠٣ وما بعده.. وأتطلع إلى آن أُساس في الوطن بمسؤولية وحنكة وحكمة وسعة أفق> وإلى أن يعي كل صاحب مسؤولية مهما كانت درجتها أنه في خدمة الناس والوطن والأمة، ويقدر معنى المسؤولية ويرتفع إلى مستوياتها كافة، ويدرك أنه مؤتمن على وطن وفيه وعلى أنسان وقيم، وأنه مؤتَمَن ويٌحاسب على ما أتُمِن عليه.. وأن هذا الوطن جوهر الأمة وخلاصة من أهمِّ خلاصات تكوينها، وأنه التاريخ المجيد والرأي المؤثر السديد، وبيت الإنسانية الثقافي – المعرفي، ومهد الحضارة العريق.. ويدرك من قبل ومن بعد أن للناس كافة وليس لفئة منهم، وأنه في خدمتهم وليس من يستخدمهم.. ويعي جيداً معنى ذلك وأبعاده وكيفية نرجمته من خلال الممارسات والآراء والرؤى، ومن خلال أداء المهام باقتدار والقيام بالواجبات بدقة وفهم وأمانة..
أتطلع إلى ذلك كله وأنا في خضم المحنة والامتحان والمأساة الكبرى، مثلي في ذلك مثل معظم السوريين الذين ليس لهم سوى وطن وحيد، وأمل كبير بأن تتخلص سوريا من مسيرة الدم، ويسود فيها السلام والأمن والعقل الحاكم بحكمة والضمير الحي، وأن تستعيد عافيتها مع الزمن لكي تكون ولكي نكون، فبغير كينونتها لا نكون..
والله من وراء القصد

إلى الأعلى