السبت 4 أبريل 2020 م - ١٠ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / التخادم بين التنمية وسوق العمل

التخادم بين التنمية وسوق العمل

عادل سعد

أن تضع يدك على موضوع سوق العمل لمعالجة ركود، أو مناخ (رمادي) قد يكتنفه، فإن ذلك يتطلب البحث في الإلغاءات والمقاربات، ومن ثم رسم سياسات تلبي حاجة البلد ـ أي بلد ـ من الأيدي العاملة والموظفين المؤهلين، أشير إلى ذلك وقد لفت نظري التأكيد الذي تصدر البيان الوزاري للحكومة الجزائرية الجديدة في إعلان العزيمة على التصدي للاختلالات التي يعاني منها سوق العمل، وما لفت نظري مجددا دلالة اللافتة التي ما زالت تتصدر احتجاجات أصحاب الستر الصفراء والآخرين الرافضين للنظام التقاعدي الذي يريد الرئيس الفرنسي ماكرون تمريره، إذ تقول العبارة (لو كانت المدارس تعلم لوجدنا عملا)، بل والأسبق من كلتا الحالتين، الخلل المزمن الذي تعاني منه ظروف العمل في العراق وفي بلدان أخرى حتما، حيث تتفاقم الأخطاء فيها نتيجة عدم الانتباه إلى الأسبقيات الأساسية، أو اعتماد معالجات إرضائية وقتية على حساب السياسات الإجرائية بعيدة المدى ليس في توقيتات طويلة الأمد، وإنما المدى في سعة التطبيقات المطلوبة بوصفها الحل المناسب.
البعض يرى في سوق العمل سوقا افتراضيا لا هيكلا ماديا ملموسا له، لكن المعاينة الدقيقة لا بد أن توفر لك المعرفة عنه، هناك باحثون عن عمل، وهناك مؤسسات تحتاج إلى عمال وموظفين يتولون تشغيلها وتحقيق إنتاج فيها، بضائع، خدمات، إنجاز معاملات متنوعة، وهناك شروط تنظم العلاقة بين هذه الأطراف، وبمعنى مضاف هناك عرض وطلب وتلك من مفردات وجود هذا السوق.
التسمية منطقية، والإصرار على وجود هيكلية له تتماشى مع هذا المنطق.
مكانية السوق تكمن في نفوس الباحثين عن عمل، كما تكمن في ذات الوقت في رؤية المؤسسات، وأرباب العمل، وفي مجموعة القوانين التي تنظم العلاقات بين كل أطرافه.
إن ما يحكم سوق العمل ثلاثة مؤشرات متداخلة ومتكاملة، الأول يكمن في طبيعة أي اقتصاد إن كان يعاني الركود وما يتبع ذلك من انكماش، أو يتمتع بالنشاط المعتاد القابل للتطور، وهكذا تتوافر لديه قدرة استيعاب المزيد من العمال والموظفين في أعمال تستجيب لحاجات التنمية.
الثاني، التناسب الموضوعي بين عدد الباحثين عن فرص عمل، والمتاح منها في البلد، لأن أي تذبذب يحصل في هذه المعادلة على حساب النسبة المتزايدة من الباحثين عن عمل يعني وجود خلل في القدرة الاستيعابية للاقتصاد على تلبية حاجات التشغيل الذي هو جوهر التنمية البشرية المستدامة.
إن الربط الرقمي بين مخرجات التعليم وحاجة سوق العمل من الخريجين يعد مفتاح سوق العمل، أما إذا كانت القدرة الاستيعابية أرجح من حجم عدد الباحثين عن أعمال فالوضع أهون، ويمكن سد الفجوات فيه، علما أن هذا الربط الرقمي بين مخرجات التعليم وحاجة سوق العمل من الخريجين وكذلك من الشباب الجاهزين للعمل عموما يمثل القاعدة الذهبية لضمان انضباط السوق.
المؤشر الثالث، القراءة الذكية للواقع الاقتصادي بنسخه الثلاث، الوطني، الإقليمي، الدولي، إذ لا يمكن لاقتصاد أي بلد أن يكون بمعزل عن الحالتين الإقليمية والدولية بدليل واقع العقوبات الاقتصادية التي تلجأ إليها الولايات المتحدة الأميركية بحكم قوة نفوذها الدولي والإملاءات التي تسعى لفرضها، وهناك عينات أخرى لا حاجة لسردها، أو في إطار المنافسات التجارية وما يحكمها أحيانا من مضاربات على غرار البيع بأسعار مخفضة غير متوقعة لكسب سوق معينة، الوضع الذي يحدث كسادا في بضائع من مناشئ أخرى، وبالتالي إفلاس شركات مرتبطة بهذا الواقع وصرف العاملين، ولنا في القضايا المعروضة على منظمة التجارة العالمية ما يؤكد ذلك، وربما يختل سوق العمل بسبب كوارث الطبيعة عندما تخرج مؤسسات من الخدمة نتيجة الخراب الذي يحل بها، وتباعا يفقد الكثيرون وظائفهم.
إن النموذج الصالح لسوق العمل لا بد أن تتوافر فيه أطر قانونية تتكيف مع تطور التنمية وصيانة حقوق الجميع، مواطنين، ومؤسسات، وأرباب عمل، على أساس التكاتف المجتمعي بوصفه الذاكرة التي لا يجوز التفريط بها؛ أي أن يقوم على جدلية التعاون، وليس على جدلية التناقض التي هي وباء الاقتصاد بما يحمل من نزعات تفكيكية حصصية.

إلى الأعلى