السبت 4 أبريل 2020 م - ١٠ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / خفوت “صوت الامبراطورية”

خفوت “صوت الامبراطورية”

د. أحمد مصطفى أحمد:
دخلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مرحلة صعبة، ربما تكون أصعب ما تمر به منذ إنشائها قبل أكثر من قرن من الزمن. ورغم أن هناك بعض الحقيقة في أن حكومة حزب المحافظين تترصد للمؤسسة العريقة، التي ما زالت تعد أكبر وأهم خدمة إعلامية عامة في العالم، إلا أن المؤسسة تعاني بالفعل منذ نهاية القرن الماضي وتحديدا بعدما احتفلت بالعيد الماسي لها في 1997. ولم يكن طرح إمكانية الحد من طريقة تمويلها من الشعب البريطاني قاصرا على المحافظين، بل طرح من قبل في وقت حكومة حزب العمال برئاسة توني بلير. لكن حكومة المحافظين الحالية بقيادة بوريس جونسون عازمة فيما يبدو على حسم موضوع “رخصة التلفزيون” التي تدفعها كل أسرة بريطانية مقابل وجود تلفزيون لديها وتذهب لتمويل (بي بي سي). وتوفر تلك الضريبة غير المباشرة للـ(بي بي سي) ميزانية سنوية تصل إلى 3.7 مليار جنيه استرليني (ما يقارب 5 مليار دولار).
وما تطرحه حكومة جونسون هو بداية إلغاء تجريم من لا يدفع تلك الرسوم (إذ تعتبر الآن جناية تصل عقوبتها للسجن مع الغرامة)، وبالتالي سيعني ذلك بداية تقلص الميزانية العامة للـ(بي بي سي) مع إحجام كثيرين عن الدفع. وفي مرحلة لاحقة إما ستلغى تلك الضريبة غير المباشرة أو تقسم عائدتها بين (بي بي سي) ومنافسيها من الشبكات الأخرى. ومنذ انطلاق الهيئة عام 1922 وهي تمول مباشرة من الناس لضمان حيادها السياسي وتقديمها محتوى غير تجاري (ليس بها إعلانات ولا رعايات) حفاظا على الهوية الوطنية البريطانية. ولطالما وجد الشعب البريطاني مقابلا جيدا من (بي بي سي) لما يدفعه من رسوم سنوية، ليس فقط في تغطياتها الإخبارية للأحداث والشؤون السياسية وإنما أيضا بما أنتجته من دراما ووثائقيات وبرامج مختلفة. وكانت (بي بي سي) مواكبة للتطور التكنولوجي فبدأت موقعها الإخباري (بي بي سي دوت كوم) مبكرا بنهاية القرن الماضي ليكون أول وأكبر موقع إخباري عالمي على الإنترنت.
الآن، تريد حكومة جونسون تقليص وجودد الهيئة الرقمي، وأيضا تخلصها من نحو 40 إذاعة إقليمية ومحلية للحد من ميزانيتها وزيادة هامش التنافس التجاري لشبكات أخرى. كما تريد الحكومة من (بي بي سي) تمويل الخدمة العالمية “بي بي سي وورلد سرفيس” التي توقفت الحكومة عن تمويلها منذ 2014 وما زال مصيرها معلقا منذئذ. وفرت الحكومة 270 مليون جنيه استرليني (أكثر من 350 مليون دولار) كانت تدفعها سنويا لـ(بي بي سي) لتنتج لها الخدمة العالمي التي كانت تبث بأكثر من 40 لغة حول العالم. وشكلت الخدمة العالمي، التي أطلقت في 1932 أهم وأقوى أداة “دبلوماسية ناعمة” لبريطانيا حول العالم، وكان اسمها في البداية “صوت الامبراطورية” وقتما كانت بريطانيا تحتل مساحات واسعة من العالم في قاراته المختلفة حتى وصفت مرة بأنها “الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”. لم يبقَ من مجد الامبراطورية سوى التاج والمجلس البريطاني و(بي بي سي)، لكن “صوت الامبراطورية” أخذ في الخفوت منذ نهاية القرن الماضي وسط تحولات عدة كان أهمها الضغط على المؤسسة العريقة لتعيد هيكلة نفسها و”تواكب العصر”. وكانت النتيجة للأسف أن أتوا بمجموعة من المحاسبين الماليين والإداريين الذين لا علاقة لهم بالإعلام والصحافة ولا قياس الإنتاجية بحجم التأثير طويل المدى ليقرروا بشأن “التغيير”.
وبدأ تراجع الجودة إلى حد يقترب من فقدان الهوية مع تولي جون بيرت (البارون بيرت) منصب مدير عام هيئة الإذاعة البريطانية في 1992. استمر جون بيرت حتى عام 2000 ليلتحق برئيس الوزراء البريطاني وقتذاك توني بلير مستشارا له حتى غادر بلير الحكومة. ومنذ وقت البارون بيرت و(بي بي سي) ككل تعاني، وخصوصا الخدمة العالمية، حتى قررت الحكومة وقف تمويلها في 2014 والآن تريد حكومة جونسون تمويل الخدمة العالمية من أموال الرسوم العامة التي تحصلها (بي بي سي) من الشعب البريطاني. وخلال العقود الثلاثة الأخيرة تقلصت الخدمة العامة لـ(بي بي سي) وشهدت عمليات إعادة هيكلة متكررة وحتى جودتها التحريرية لم تعد كما كانت، وإن ظلت (بي بي سي) من بين الأفضل عالميا في الإعلام الموجه بلغات أخرى. ويبدو أن ذلك الخفوت وصل الآن إلى ذروته، وربما تكون حكومة حزب المحافظين برئاسة بوريس جونسون مجرد أداة أخيرة للإجهاز على هذا الصوت، كما يحدث مع أشياء كثيرة في عالمنا في السنوات الأخيرة: مهن تندثر، قيم تختفي وتتسيد عكسها، دول تضيعها جماعات…إلخ، فلماذا إذًا نتصور أن يظل صوت الإمبراطورية؟!
ربما لا تختفي (بي بي سي) تماما، وربما تصبح منفذا إعلاميا ما بين العام والخاص، وربما وربما.. لكن الأكيد أن (بي بي سي) كما عرفتها الأجيال السابقة انتهت أو على وشك. ومعها ينتهي الكثير من معايير مهنة كانت تعرف بأنها “السلطة الرابعة”، أي العين الناقدة على السلطات الثلاث في نظم الحكم الشائعة: التنفيذية، التشريعية، والقضائية. ورغم وجود العديد من الشبكات الإعلامية الكبرى في العالم، إلا أن الـ(بي بي سي) وصوت الامبراطورية مؤشر أهم على استمرار أو تراجع الصحافة والإعلام التقليدي لأسباب عديدة لا يتسع لها المقام هنا.

إلى الأعلى