الأحد 29 مارس 2020 م - ٤ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / البحث عن اللا شيء

البحث عن اللا شيء

فوزي رمضان
صحفي مصري

محبوب الجماهير، الأكثر شعبية ورغبة، الغاية والمنتهى، الكل خاضع لسلطته، الجميع عبيد في محرابه، به يمتلك كل شيء البشر قبل الحجر، الذمم قبل القمم، النفوس قبل العروش، من ملكه أصابه الغرور، ومن فقده أذله الحقد، إنه المال مشيد الحواجز بين الناس، وباني الجدر بين البشر، معه انعدم التواصل بين مكتنزيه وبين عراياه، فلا جامع بينهم سوى الحسنة أو العطية، سوى الهبة أو المنحة، يد فوق يد، وقدم فوق رأس، نفس متعالية على أخرى ذليلة كسيرة.
هناك نفوس راضية، سلكت السبل وأخذت بالأسباب، نفوس لا تملك سوى الستر، وتؤمن أن الله هو مقسم الأرزاق، وصابغ النعم، فوجدت في التعليم ضالتها، وفي العلم مخرجها، وفي الاستقامة مسارها، فكانت لهم الرفعة والقيمة، فحصدوا المنزلة الكريمة والمكانة الرفيعة، وكسب بعضهم بجانب ذلك، المال إلى حد الثروة وحافة الغنى، اجتهدوا إلى حد التعب، وثابروا إلى حد الإرهاق، والجزاء (…إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا).
ما زالت السمعة الجيدة رزقا، الكلمة الطيبة رزقا، الصدق والاحترام رزقا، ما زالت الناس تبحث بشغف عن الإنسان الصادق الأمين، يبحثون عن صانع ماهر يجيد صنعته، وعامل كفء يعشق مهنته، هؤلاء المهرة رزقهم سمعتهم، فكانوا الملجأ لكل ذي حاجة، وكانوا المسعى لكل ذي مطلب، قد سبقتهم سمعتهم الطيبة على ألسن البشر، وجالت أخلاقهم الطيبة أركان المجتمع، فكسبوا المال بقيمهم وطيبتهم إلى حد الستر، بل الوفرة وزيادة.
هناك نفوس فاجرة، لا علم اكتسبوا، ولا أخلاق تربوا، نفوس هاجسها المال ليس إلا، لا لديهم ما ينتفع به، ولا يستفاد منه وبضاعتهم (اللا شيء)، رصيدهم من تعمير الأرض سالب واحد، كل إنتاجهم في الحياة لا يقبل القسمة إلا على صفر، انتزعوا المال من الحياة نزعا، وأضافوا إلى خزائنهم وافر الأرصدة، كل شيء مباح طالما يد العدالة بعيدة إلى حين، نهب سرقة تهريب تزوير لا مانع، دعارة مخدرات تجارة سلاح ممكن، فلا حدود لطغيانهم، ولا خطوط حمراء لطموحاتهم، شعارهم في سبيل المال فليسحق الجميع.
لكن شياطين هذا العصر أكثر ذكاء وعلما، وإن كان نصيبهم من العلم القشور، لكنهم عباقرة، وإن كانت بضاعتهم علما لا ينفع ولا ينتفع به، وإن كانت سلعتهم الوحيدة التجارة في (اللا شيء)، إنهم يبيعون التفاهة لكل البشر، وفي عصرنا البشر يبحثون عن كل ما هو تافه، يبحثون عن اللا شيء، فإن كان البعض يبحث عن المخدرات للكيف، وعن الدعارة للهو والتكسب، وعن السلاح للانتقام والثراء، هناك من البشر ممن يبحثون عن اللا شيء، عن اللا مضمون، عن اللا معنى، عن الشيء خارج قوالب التقاليد وعن ثوابت المجتمع، فاجتمع البائع والمشتري في سوق واحد من أجل هدف مشترك.
في زمن بات التفكير غريبا، لا أحد يريد أن يفكر أو يشغل عقله، لا أحد يشغله الجد كثيرا، قدر ما يملأ رأسه توافه الأمور، وصغائر الحقائق، في زمن الجميع، يبحث عن الشيء الجاهز.. شخوص هذا الزمان يديرون عوالمهم بهاتف في أكفهم، في الزمان هذا يطحن البشر، وتقهر النفوس، ويعتصر الطموح، فبات اللجوء إلى كل ما هو تافه، والبحث عن كل ما هو مسف، فالتقى الأخيبان، لكن تفوقت عبقرية التوافه، فقد حصدوا الأموال حصدا، من جيوب جماهير مغيبة، تجد ضالتها في البحث عن الغريب، والعجيب والمختلف والشاذ أحيانا.
صادمة كانت مقولة المفكر كارلوس زافون حد قوله (لن يفنى العالم بسبب قنبلة نووية كما تقول الصحف، بل بسبب الابتذال والإفراط في التفاهة، التي ستحول العالم إلى ترفة سخيفة، صادمة، عندما بات إنسان تافه وجاهل رمزا وقدوة في المجتمع، بل صاحب رأي ومشورة، أصبحت الفضيلة خطيئة، والطيبة حمقا والخبث عبقرية، وصادمة عندما بات مهرجو هذا العصر نجوما للمجتمع، ومثالا وقدوة لشباب العصر، فقد جمعوا من الثروات ما يثير لعابهم نحو طريق التفاهة والإسفاف والابتذال، وطالما شبق المال يسيطر على الجميع.
إذًا على حد فكرهم، كل شيء في سبيله مباح، وكل قيم تداس، وكل ثوابت تقهر.
شاعرنا محمود درويش أكمل لنا المعنى حين يقول:
هو اللا شيء يأخذنا إلى لا شيء
حدقنا إلى اللا شيء بحثا عن معانيه
فجردنا من اللا شيء شيء يشبه اللا شيء
فاشتقنا إلى عبثية اللا شيء
ومع ذلك سيظل الجميع يبحث عن اللا شيء

إلى الأعلى