السبت 28 مارس 2020 م - ٣ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الاستجابة للخطاب السامي: من الفهم إلى الإدراك

الاستجابة للخطاب السامي: من الفهم إلى الإدراك

أ.د. محمد الدعمي

يتفق علماء الألسنية على أن “الفهم” يختلف عن “الإدراك”، وذلك لأن هذا التمييز ضروري للتفريق بين المعنى السطحي surface meaning وبين المعنى العميق deep meaning بالنسبة للتعامل مع أي خطاب.
لذا، فإن للمرء أن يباشر نص خطاب جلالة السلطان هيثم بن طارق (حفظه الله ورعاه) (فبراير 23/2) على أساس من التمييز أعلاه، وذلك لأن الفهم المسطح المبسط متاح للجميع، ولكن الإدراك الأعمق لا يظفر به إلا العارفون، خصوصا وأن هذا الخطاب إنما ينطوي على رؤيا؛ “رؤيا” تنأى بنفسها عن جميع الخطابات التقليدية التي غالبا ما تسقط في أفخاخ التكرار والإطناب.
وإذا كان الأساس في هذا الخطاب التاريخي يتجسد، كما لاحظنا في مقالتي المعنونة “خير خلف لخير سلف”، في مواصلة مسيرة النهضة العمانية المباركة على ضوء ما تركه جلالة المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ إلا أن ذلك لا ينفي تبلور رؤية شجاعة لعمان جديدة، وهي رؤية تبشر أهلنا في السلطنة المزدهرة بالوفير من الخير والسلام والرفاه. والحق، فإن جلالة السلطان هيثم بن طارق (مهندس رؤية 20-40) يختط للسلطنة رؤية بعيدة المدى، رؤية تعتمد حكومة رشيقة، حكومة لا يثقل كاهلها الترهل ولا البطالة المقنعة. ولا ريب في أن هذا المنظور يلامس ما تبتلى به أغلب البلدان المنتجة للنفط، ولكن دون معالجة ناجعة، للأسف.
كما ويلاحظ الخطاب السامي ما تكتنزه أرض السلطنة من كنوز ومعادن وموارد بشرية يمكن أن تجتذب إليها رؤوس أموال لا حد لها على سبيل الاستثمار، وتفجير طاقات السلطنة التي لم تزل بحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية، الخليجية خصوصا.
ولا يمكن للمرء إلا وأن يخلص إلى رصد حقائق ومعطيات دراسة جلالة السلطان لأوضاع البلاد والحكومة، وذلك من خلال ما حدده الخطاب التاريخي أعلاه: فإضافة إلى الدعوة إلى “الترشيق” الإداري، يحث جلالته أبناء البلد على تنشيط عملية التعمين أو “العمننة”، بمعنى إتاحة البرامج التربوية والتأهيلية من أجل أن يحل العمانيون محل العمالة غير العمانية. وهذه، لعمري، أهداف سامية وبعيدة المدى، تتطلب الإرادة الصادقة، زيادة على حاجتها للأموال والزمن والصبر، ناهيك عمّا تنطوي عليه من عناية قصوى بالشبيبة الواعدة التي يراهن جلالته عليها، بكل ثقة، لبناء مستقبل مشرق لسلطنة عمان. وكجزء من عملية الترشيق وإزالة الترهل، يلاحظ الخطاب السامي لجلالته النفقات العالية التي تحملتها الميزانية العمانية على سبيل حماية وتشجيع الشركات (في القطاعين العام والخاص) من أجل النمو والتطور. وإذا كانت هذه الشركات (على تنوعها) قد أخذت حصتها من النفقات أعلاه، فإن عليها الآن التفكير بجدية في الاعتماد على نفسها من أجل تحقيق التمويل الذاتي الذي يغنيها عن دعم الدولة؛ لأنه لا يمكن أن يتواصل إلى ما لا نهاية. وهذا هو المعنى الحقيقي لاقتصاد مزدهر، وليس اقتصادا معوقا يسير على عكازتين!

إلى الأعلى