الأحد 29 مارس 2020 م - ٤ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / بين خطابين: ولاء وعهد واستبشار (1 ـ 2)
بين خطابين: ولاء وعهد واستبشار (1 ـ 2)

بين خطابين: ولاء وعهد واستبشار (1 ـ 2)

د. عزيزة بنت عبدالله الطائية:

لعُمان الولاء..
قال تعالى: “وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب” صدق الله العظيم
إن لجمالية جنس الخطاب السَّردي المتمثل بالخطابة دوره البارز في تاريخ الأدب العربي على مرِّ عصوره. فقد عرفته العرب وأدركتْ مراميه ووظيفته البالغة في تحريك المشاعر، وشحذ الهمم، وتحفيز العمل، والمبادرة بالولاء والطاعة، فغدتْ الخطابة الجنس الفاعل والمؤثر في المهمات الصعبة. لذلك اتكأت العرب قديمًا وحديثًا على هذا الجنس الأدبي، وتمثله ملوكهم لتحقيق غاية الكلام، وإبلاغ مقاصده، والوصول إلى هدفه بأسلوب بلاغي قوامه حسن التأثير على المتلقي أو السامع بشفافية وصدق حميمين.
ولعل الخطابات السلطانية التي اعتادها الشعب العُماني منذ بزوغ فجر النهضة المباركة في الثالث والعشرين من يوليو المجيد، والتي استفتحت بخطاب عميق الفحوى، جليل المعنى، شفيف الروح وجَّهه القائد السلطان الراحل قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيب الله ثراه ـ لشعبه آنذاك بكلمات مؤثرة وعبارات واعدة، تجلتْ ترجمتها وآثارها على مدار خمسين عامًا؛ كانت هذه السنوات كفيلة بترجمة العلاقة الخالصة والصادقة التي تكونت بين القائد الأب وشعبه الفذِّ ركيزتها الضمير مع الله، والحب لعُمان، والعرفان للسلطان. وما يؤكد ذلك إصرار الأب/القائد الخروج للشعب أثناء معاناته رغم ما ألمَّ به من مرض عضال بغية توجيه الحديث لهم وطمأنتهم عبر شاشات التلفاز بين فينة وأخرى، كان يطل عليهم موجِّهًا مرشدًا مستبشرًا بكل حب وألفة واعتزاز (أيها الأعزاء، أبناء عمان الأوفياء، و…) محفزًا للسير قدمًا من أجل أرض عُمان الأبية العريقة على مدى الأزمان.
لا شك كان لتلك الخطابات وقعها الخاص، وأثرها البالغ، ودورها الكبير في التواصل الإيجابي بين القائد وشعبه في سبيل دفع مسيرة النهضة، وكان انتظار الشعب (صغيرا وكبيرا) لخطاب من قائدهم بلهفة وشغف إلى كل كلمة وإيماءة تصدر بين ثنايا الحديث المسموع أو الخطاب المقروء عبر نصف قرن من الزمان. هكذا أصبحت كلمات كل خطاب ومضامينه فكرًا ملهمًا، ودستورًا خاصًّا، وجزءًا لا يتجزأ من منظومة البناء للسلطنة الحديثة، ميثاقًا وعهدًا لحياة رغيدة في مسعى متماسك، ونهضة متجددة، ومسيرة متطورة ظل أثرها قويًّا، وشاهدًا على ذلك على مرِّ السنوات، حتى بعد رحيل ذاك القائد الملهم والرَّمز العماني الفذِّ.
تلك الخطابات بالغة الأثر ـ كما ذكرتُ سلفًا ـ بما حملته من رؤى عازمة، ومواثيق واعدة للشعب، حيث بقي العمانيون ينتظرون مع كل عيد وطني لبلادهم إطلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ بحضوره الألق وأنفته وعزته وصرامته وأبوته، مترقبين إشراقة خطاب منه مستلهمين توجيهاته، ونصائحه، وإرشادته بكل حب وامتنان، وعهد وولاء؛ للسير على خطى علاقة تأسستْ دون حاجز أو سياج بين الأب والأبناء؛ حتى غدتْ عُمان زينة الأوطان، ومفخرة للدول الصديقة والمجاورة، ومنظومة واعدة ينظر إليها المواطن أينما حلَّ وارتحل، منظومة لصناعة الوطن والإنسان معًا. وصارت هذه العلاقة محط الأنظار ـ حتى بعد وفاته ـ تتدفق عند الصغير قبل الكبير شعورًا تلقائيًّا بولائهم وعرفانهم للوطن والسلطان، وتمنحه إحساسًا لا شعوريًّا بانتمائه إلى الأرض؛ فغدت المسؤولية تقع على عاتق الجميع، ليكون كل فرد شريكًا في بناء عمان، وصناعة منجزاتها، والحفاظ على مكتسباتها. ولعل هذا سبب كافٍ، بل رئيس لفاجعتهم عند رحيله.
لكن عام 2019 عام حزين أحزن هذا الشعب على والده، إنها شهور وأيام عصيبة قضاها الوطن، ومرتْ على هذا الشعب الوفي المحب، سنة قضاها كل عماني في وجل ودعاء حتى دخل عام 2020 ليعلن الحداد في يوم السبت الحادي عشر من يناير لتنقضي الخمسين، ويطوي التاريخ صفحته ليسجل سيرة رجل شهم همام، فكان فجر هذا اليوم مختلفًا على عُمان وفضائها قاطبة بكل ما تحمله أرضنا الطيبة من ظلال وأشياء وتفاصيل. كان صباحًا ليس ككل الصباحات التي اعتاد عليها أبناء عمان الكرام من سعي وجد وعطاء واجتهاد، بل كان صباحًا مربكًا ساكنًا، حزينًا متألمًا حتى آل إلى مغبر أسود على الشجر والصخر والماء والرمل. ولكن بقدرة الله وبهمة الشعب العظيم، والصناديد الأحرار، وولاة الأمر غدا متقبلًا لقضاء الله وراضيًا بما قدَّره. وحمل معه بارقة أمل جميلة لعهد جليل لما شاهده المواطن من تنظيم، وكان لسلاسة انتقال الحكم وتتويجه حكمة بالغة الأثر على نفوس العمانيين جميعًا، وهم يواسون أنفسهم رغم وجعهم على فقيد الوطن. لكن ظل يحيطهم سياج من السكينة والطمأنينة، الهدوء والسكون، والرضا والطاعة بما أوصى به الأب في رسالته التي نعدها خطابًا موجَّهًا للشعب عامة: “فإننا بعد التوكل على الله، ورغبةً منا في ضمان استقرار البلاد؛ نُشير بأن يتولى الحكم السيد هيثم بن طارق؛ وذلك لما توسمنا فيه من صفاتٍ وقدراتٍ تُؤهله لحمل هذه الأمانة (…) فإننا ندعوكم جميعًا إلى مبايعته على الطاعة في العُسر واليُسر، والمنشطِ والمكره، وأن تكونوا له السند المتين، والناصح الأمين، مُعتصمين دائمًا تحت قيادته بوحدة الصف، والكلمة، والهدف، والمصير، متجنبين كل أسباب الشقاق والفرقة، والتنديد والتناحر، عاملين بقوله تعالى: “وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ..” صدق الله العظيم
مشهد رهيب تجلت من بين ثناياه معانٍ كثيرة انقاد لها المواطنون بحب ووفاء وولاء، وتقبلها ولاة الأمر بسلام وطاعة وتقدير. فسارت الأمور على صراط الحب، والحبل المتين بين ولاة الأمر وعامة المواطنين.. وما أجله من وفاق أبهر العالم أجمع! فقلما يحدث ذلك الوئام في أي بقعة من الأرض على مرِّ التاريخ. قدرها العمانيون وتقبلوها بأطيافهم وفئاتهم برضا ومحبة وتطلع وثقة، شمالًا وجنوبًا مقدمين الطاعة والولاء للسلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ ناهيك عن تلك اللفتات الكريمة التي بدت عند مراسم وداع الأب السلطان، وتنصيب السلطان هيثم بن طارق ـ سدد الله خطاه ـ في آن. ألا يحق لنا كعمانيين أن نفخر ونبتهج ـ ونحن محزونون ـ بتأبين العالم أجمع لشخص السلطان، ولهذا المشهد العظيم الذي أبرز تآلف قلوبنا وحبنا وولائنا لجلالة السلطان هيثم بسعادة وحب واستبشار واثقين بأنه خير خلف لخير سلف. فقلنا للعالم أجمع: إننا حامدون راضون ماضون سائرون على خطى كل من يصنع لعمان الخير والمجد والرفعة والسؤدد والأمان والسلام. هكذا تربينا ونشأنا وتجندنا في المدرسة القابوسية؛ عطاء وبذلًا وتضحية ووفاقًا لأجل رفعة الأم عمان الخير وعزَّتها وكرامتها، وأمنها وأمانها.

إلى الأعلى