الثلاثاء 31 مارس 2020 م - ٦ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الألوان فـي القرآن «7»

الألوان فـي القرآن «7»

محمود عدلي الشريف :
توقف بنا الحديث في المقال السابق ـ قرائي الكرام ـ عندما أظهره لنا العلماء من بديع صنع الله تعالى في الألوان التي أودعها هذا الكون الفسيح، وأنه تعالى لم يخلق حيّاً ولا نباتاً ولا جماداً إلا وضمنه من الألوان الجميلة العجيبة التي تجعل الإنسان يقف أمامها مُدركاً عجزه وحدود قدرته، ولا يسعه إلا أن يقول:(سبحان الله)، وهذا يدعونا أن نتأمل في كتاب الله تعالى سوياً حول مادة (لون) في القرآن الكريم، ولو تأملنا في كتاب الله تعالى لوجدنا أن مادة (ل و ن) وردت في كثير منآي القرآن الكريم، فقد ذكر لفظ ألوان وهو جمع كلمة لون جاءت في القرآن الكريم بصيغة الإفراد، وأيضاً بصيغة الجمع، ولا عجب .. فقد جاء ذكرها على النحو التالي: أولاً: ورد لفظ (لون) بالإفراد: جاء لفظ لون بالإفراد مكرراً مرتين في آية واحدة في قصة بقرة بني إسرائيل الآية رقم (69) من سورة البقرة (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) (البقرة ـ ٦٩)، وثانياً: ورد لفظ (ألوان) بالجمع: جَاءَ لَفْظُ أَلْوانٍ بِالْجَمْعِ فِي سَبْعَةِ مَواضِعَ فِي القُرْآنِ الكَريمِ: 1 ـ مِنْهَا مَا جَاءَ ضَميرًا مُتَّصِلًا (لِلْمُفْرَدِ الغائِبِ) مَبْنيًّا فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضافٍ إِلَيْهُ، هَكَذَا (أَلْوانُهُ) وَجَاءَ مُكَرَّرًا فِي أَرْبَعَةِ مَواضِعَ في أربع آيات كريمات، الأولى: ما خلق الله من ألوان في المخلوقات فوق الأرض إجمالاً، والثانية: ما خص الله تعالى من ألوان لثلاثة أشياء (الناس والدواب والأنعام) خاصة، والثالثة: ما خص الله تعالى من ألوان للمزروعات والنباتات خاصة، والرابعة: ما خص الله تعالى من ألوان لعسل النحل خاصة، 2 ـ ومنها ما جاء مضافاً إلى هاء المفردة الغائبة هكذا (ألوانها) وهو ما خص الله تعالى من ألوان لنوعي (الثمرات والجبال) خاصة، 3 ـ ومنها ما جاء مضافاً إلى كاف الخطاب مقترناً بميم الجمع هكذا (ألوانكم) وهو ما خص الله تعالى به ألوان البشر خاصة، وكأني بكم ـ قرائي الكرام ـ تفكرون في مثل ما أفكر فيه، جاء التكرار لألوان المخلوقات في سبعة مواضع، وكان التكرار سبع مرات، أليس في هذا إشارة ـ في رأيي ـ إلى ألوان الطيف السبعة الأساسية، التي هي أصل كل الألوان، ويبقى السؤال: ما هو أصل الألوان؟ هل هو الأبيض؟ هل هو الأسود؟ هل هو الأخضر؟ هل .. هل .. ؟!.
وحول الإجابة عن هذا السؤال، نجد اختلافاً بين أهل التخصص، ويأتي تقسيم آرائهم على النحو التالي: أولا:ً من قال أن أصل الألوان (الأبيض): وإليك ـ أخي القارئ الكريم ـ بعضاً من أقول أصحاب هذا الرأي: ـ يقول الإمام بدر الدين العينيفي (عمدة القاري شرح صحيح البخاري 17/ 24) يقول في وصف البراق، وهي الدابة التي ركبها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في رحلة الإسراء قَوْله:(أَبيض) صفة دَابَّة والتذكير بِاعْتِبَار أَنَّهَا الْبراق، أَو بِاعْتِبَار أَنَّهَا المركوب وَكَونه أَبيض بِاعْتِبَار أَنه أصل الألوان، لَهُ خد كخد الْإِنْسَان وَعرف كالفرس وقوائم كَالْإِبِلِ وأظلاف وذنب كالبقر وَكَانَ صَدره ياقوتة حَمْرَاء. قلت: الْبراق، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مُشْتَقّ من البريق وَهُوَ اللمعان سمي بِهِ لنصوع لَونه وَشدَّة بريقه، أَو هُوَ مُشْتَقّ من الْبَرْق، سمي بِهِ لشدَّة حركته وَسُرْعَة مَشْيه كالبرق، وَقَالَ ابْن أبي حَمْزَة:(خص الْبراق بذلك إِشَارَة إِلَى الِاخْتِصَاص بِهِ لِأَنَّهُ لم ينْقل أَن أحدا ملكه بِخِلَاف غير جنسه من الدَّوَابّ) .. اـ هـوجاء في (شرح عمدة الأحكام لعبدالكريم الخضير 43/ 8، بترقيم الشاملة آلياً) أقول: والمرأة ممنوعة من لباس الثياب المعصفرة والمصبغة بأصباغ تجمل الثوب، هذا محل اتفاق بين أهل العلم، لكن هل تلبس الأبيض لأنه الأصل وما عداه يكون مصبوغاً؟ إن التفصيل له دور في تجميل الثياب وعدمها، واللون وحده لايكفي، فلا يقال:(إن أصل الألوان الأبيض أو هذا ثوب قطن أصله أبيض ما دخل عليه شيء نفصله على ما نريد، أو أن الأسود ثوب حزن لا، والله المستعان)، وثانياً: من قال أن أصل الألوان (الأبيض والأسود): وهذا الرأي يجمع عليه الكثيرون من أهل العلم ، ويكاد يصل إلى إجماع، إليك ـ أخي القارئ الكريم ـ بعضاً من أقول أصحاب هذا الرأي: ـ يقول صاحب: (البحر المحيط في التفسير 3/ 284) الابيضاض والاسوداد معروفان، ويقال: بيض فهو أبيض. وسود: فهو أسود، ويقال: هما أصل الألوان، وجاء في (نكث الهميان في نكت العميان لصلاح الدين الصفدي ج1، ص: 14) على أن الكوفيين جوزوا: (ما أسوده وما أبيضه في هذين اللونين خاصةً، قالوا لأنهما أصل الألوان) وجاء في (شرح شذور الذهب للجوجري 2/ 733)، وأجاز الكوفيون التعجب من الأسود والأبيض، قالوا:(لأنهما أصل الألوان وذلك نحو أحمر وأسود وأعرج وأعشى، فلايقال: ما أحمر زيداً، (النحو الوافي لعباس حسن 3/399)، وأما القياس فإنما جوزناه في السواد والبياض لكونهما أصل الألوان، ومنهما يتركب سائر الألوان، إذا كانا هما الأصلين للألوان كلها جاز أن يثبت لهما ما لم يثبت لسائر الألوان) .. والحق أن الاقتصار على هذين اللونين لا معنى له بعدما قدمنا انظر: رقم: 2 من هامش ص: 351، وجاء في موقع (أرشيف منتدى الفصيح – 2 بترقيم الشاملة) مثلا لتعليل لجواز التعجب من السواد والبياض بأنهما أصل الألوان، والمانع من التعجب من الألوان هو كون الألوان صفات لازمة واللزوم أشد في الأصل أي السواد والبياض من الفرع وهي بقية الألوان (شرح ألفية ابن مالك للشاطبي، المقاصد الشافية 4/ 476 بتصرف) .. وقد استُعمل في (السَّوَاد) ذلك أيضاً، ففي الحديث عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قولُه:(لَهِي أَسْوَدُ مِنَ الْقَارِ) والاستعمال فيها كثير، فلابد من القول بالجواز .. وأيضاً فهما أصلُ الألوان، فَلْيُتصَّرْف فيهما، على ما عُهد في الأصول، ما لايُتَصَرَّف في غيرهما مما هو فَرْع، وجاء في (كتاب توجيه اللمع لأحمد بن الحسين بن الخباز ص: 387) وأجاز الكوفيون: التعجب من فعلي السواد والبياض, واحتجوا بأنهما أصل الألوان” .. ويبقى الحديث موصولاً ـ إخواني الكرام ـ حول آراء العلماء عن أصل الأوان، فهل السواد والبياض هما الأصل أم هناك من قال غير ذلك؟!.
.. وللحديث بقية.

إلى الأعلى