السبت 28 مارس 2020 م - ٣ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / بين خطابين: ولاء وعهد واستبشار (2 ـ 2)

بين خطابين: ولاء وعهد واستبشار (2 ـ 2)

د. عزيزة بنت عبدالله الطائية:

عهد الخطاب الحزين..

مشهد عظيم تسجد له السماء، وتخر معه الجبال، وتنطق فيه الطير؛ مشهد سُيج بمحبة وهدوء، سكون وسلام هكذا استقبل العمانيون الخطاب الأول الذي وجهه جلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ طمأن شعبه معاهدًا له رغم جرحه وحزنه وتأثره على المصاب الجلل الذي أوجعه وهزَّ البلاد؛ إلَّا أن ذاك التأثر امتزج بصلابة عالية، واتزان كبير، وحس نبيل جدًّا مكَّنه من إلقاء خطاب سياسي تأبيني واعد بامتياز. كلمات بها إشارات مشرقة بسكون عبق يتجلى فيها الوعد والطمأنة والأمنيات الصادرة من سلطان محب إلى شعب الذي نعته بـ”الكرام”، معرجًا على سياسته الداخلية، ومركزًا على سياسته الخارجية التي سيسير عليها قوامها الدعم والحياد والأمن والسلام؛ وهي سياسة محمودة عُرِفت بها أرض عُمان على مر الأزمان. بُثَّ مباشرًا في كل مكان، مواجهًا بحضوره المتطلع العازم حشد الجمهور الفاقد الحزين مثله ليقوي من أزرهم ويطمئنهم، ويعزيهم ويأخذ بيدهم برحيل صانع الدولة العمانية العصرية الحديثة “أعزِّ الرجال وأنقاهم” ـ كما وصفه ـ وهو وصف يليق حقًّا بالموصوف في قلوبنا جميعًا. وبدت ملامحه تعكس حجم المسؤولية العصيبة، والأعباء الجسام الملقاة على عاتقه، لكنه بدا رجلًا جلدًا للمهمات الصعاب، والأيام الثقال. كان مدركًا لكل صغيرة وكبيرة يتطلع إليها شعبه في الأمانة التي حمَّلها إياه الأب القائد جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيب الله ثراه ـ، وبقي الشعب مؤمنًا بقدراته، واثقًا بأهدافه، مستنيرًا بخططه. فالمقام لا يسمح بأكثر من هكذا بنود ليطرحها في خطابه الأول مع وقع الابتلاء والعزاء.

والمتأمل لخطاب جلالة السلطان هيثم بن طارق ـ أيده الله ـ يرى جلال الرؤية، فبعد الاستهلال بالحمد والسلام والإيمان بقضاء الله وقدره، والتسليم بأمره، وذكر مآثر المُتوفى، والدعاء له. جاء عرض المضامين والركائز التي استند إليها خطابه، ولعل أبرزها: السياسة الداخلية في السير على خطى السلطان الراحل من خلال ذكر إنجازاته في بناء الدولة العصرية، والمحافظة على مكتسباتها الحيَّة في إطار واضح قوامه تأسيس دولة القانون والتشريعات، والعدالة والحريات، والاهتمام بالتعليم بجميع مستوياته وتخصصاته باعتباره ركيزة التطور والنماء، ودفع بنية الاقتصاد والتنمية المستدامة، والاهتمام بزيادة الإنتاج وتنوع مصادر الدخل، غير غافل عن رسم السياسة الخارجية لعمان مؤكدًا السَّير على خطى السلطان الراحل منطلقًا من المحلية إلى العربية حتى العالمية، مستندًا إلى مبدأ التعايش السِّلمي بين الأمم والشعوب، والوفاق الأخوي مع الأشقاء، والمحافظة على حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد كان، مع تعميق التعاون مع الأشقاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبناء علاقات طيبة مع زعماء الدول العربية، واستمرار دعمه لجامعة الدول العربية في سبيل تحقيق الأمن والأمان، وفضِّ النزاعات، والعمل على تحقيق تكامل اقتصادي يخدم تطلعات الشعوب العربية. وعلى الصعيد العالمي أكد الخطاب على احترام المواثيق مع الأمم المتحدة، والالتزام باستمرارية علاقات الصداقة بين دول العالم، ونبذ الصراعات والخلافات، والعمل على احترام العقود والقوانين والاتفاقيات، لتبقى عمان كما شهد لها العالم محطة للخير، شاهدة للسَّلام. مقرًّا بضرورة العمل والمشاركة للأمانة العظيمة، والمسؤوليات الجسام التي تحتاجها عمان؛ حاثًّا شعبه على ضرورة العمل قدمًا لحياة أفضل، ولن يتأتى ذلك إلَّا بتضافر الجهود؛ كون هذا كله سيعود بالخير للأجيال، والمحافظة على الإنجازات والمكتسبات للوصول إلى الغاية الوطنية التي ترقى بها غاية وراية البلاد. خطاب به من الإضاءات المقتضبة يوجهه جلالة السلطان هيثم ـ أعزه الله ـ ليس للشعب العماني فحسب، بل للأمة العربية، والعالم من خلال رسائل بها توجهات مقتضبة تضمنها الخطاب.

استبشار الخطاب الطَّموح..
يطل علينا سلطاننا هيثم بن طارق ـ حفظه الله ـ بكل حب واستبشار بتاريخ الـ23 من فبراير بعد انقضاء الحداد ببضعة أيام، لكأنَّه يقول لنا: استبشروا خيرا فرقم 23 فأله جميل عليكم، لا يأتي إلَّا بالخير العميم كما كان قبل خمسين عامًا انصرمت وتكللت بالازدهار والإشراق. أطل علينا سلطاننا هيثم ـ سدد الله خطاه ـ وهو واعٍ بالأمانة الوطنية وما تتطلبه من آمال وتطلعات وطموحات، أطل علينا مستشرفًا مؤمنًا بالمهمات الثقال، والأمور العظيمات التي أسندت إلى كاهله بعلامات وجهه المحبة والعصية المتأملة التائقة للإصلاح والتطوير، مستميلًا شعبه بعد تشخيص عميق لواقع الحال؛ من خلال خطاب تاريخي؛ لا أقول الثاني بل الأول والرسمي والحقيقي الذي وجهه لشعبه. نسج فيه منظومته ودستوره ورؤاه وطموحاته لأرضه وشعبه وناسه، مجددًا عهده وميثاقه بوعد وعزم جديدين، وحلم وأمل سعيدين ستتدفق كل الطموحات والرؤى، ويتحقق على ربوع عمان الخير والصلاح. هذا الخطاب رائع بطموحه، صادق بأهدافه المحددة، يرقى بآمال الشعب وتطلعاته وأمنياته وأحلامه وفق خطط واعية. همة متقدة لا يحيدها شيء عن هدفها، كاشفًا عن خطة قادمة قوامها الصالح العام. خطاب عظيم جلي لجلالة السلطان هيثم ـ حفظه الله ورعاه ـ أشرع أبوابًا عدة، وفتح مسارات متنوعة في سبيل تحقيق العدل والأمان والصلاح والإصلاح على أرض عمان الأصيلة بصوته الهادئ، وعزمه الأكيد، واتزانه المشع، وسحنته الصادقة.. قرأ خطابه بكل محبة واطمئنان وسكينة وثقة.

هذا خطاب يعنى بالشأن الداخلي جاء في وقته ليطمئن الشعب بالسير على ما توسموه فيه منطلقًا من الخطة التي أشرف عليها في عهد الأب السلطان ـ طيب الله ثراه ـ خطة (2020-2040) تلك الخطة التي اشتغل عليها جلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ بموضوعية واقتدار على أمل أن يراها الشعب بكل ما تضمنته من خطط مرسومة الأهداف، مقننة المعايير، ليبني عليها دعائم مسار سياسته إذ يتجلى فيها، وبشكل سابر منظومته المعرفية، وهذا كله جعل العلاقة تتعمق بينه وشعبه بكلامه الجزل والصريح، الحميم والصادق؛ علاقة قوامها الثقة برؤيته، والاطمئنان بسياسته التي سيسير عليها، ومواصلة النهج بالعطاء والوفاء، حتى ابتهجت الأرض، وغرَّد الشعب بالقادم الجميل، وعبَّر عن ذلك كله بفرحة وسرور.

كان استفتاح الخطاب مشحونًا بالعديد من الإضاءات اللافتة التي أراحت الشعب، واستبشرت الخير من تلك الكلمات المضيئات العازمات: فبعد تقديم الشكر والثناء على شعب عمان في مصابهم الجلل، وتثمين ما عبروا عنه من حب وإخلاص ووفاء وامتنان وتأكيده على الاستمرارية في السياسة التي أسسها السلطان الراحل، غير غافل عن تقديم الشكر والثناء لكل من واسى عمان وشعبها، وقام بالواجب عربيًّا وعالميًّا والمنظمات الدولية والعالمية الذي عدَّه جلالة القائد هيثم بن طارق ـ أيده الله ـ تقديرًا عربيًّا وعالميًّا للمكانة التي حظي بها جلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ وتقديرهم لجهوده الأصيلة في الكيان الذي صنعه لعمان بين دول العالم، مبينًا أن دور عمان ماضيًا في صناعة التاريخ القديم والحديث باعتبارها سفيرة للحضارة والثقافة والتراث والسلام كانت ولا تزال.

ولكن مضامين هذا الخطاب فتحت مسارات لم تأتِ عبثًا ـ في حد تصورنا ـ وينم عن قيادة واعية طموحة ساعية إلى الرغبة في الإصلاح، قوامها منظومة فاعلة تتطلب الصبر والأناة، والسعي والإصرار لكل ما فيه لصالح الشعب في سبيل تحقيق الخير والسخاء لعمان وشعبها. هكذا أطل علينا سلطاننا هيثم بن طارق ـ أيده الله ـ على شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا لشعبه أن عمان ستبقى كما كانت على موعد مع الحضارة، وصناعة التاريخ بعين مفتوحة حريصة واعية لتسير في سعادة ورخاء، مركزًا على مجموعة دعائم أساسية رغبة منه في تحقق الرفاهية والإصلاح، والرقي بالمواطن، والبحث عن كل ما يسعد بيوت عمان. خطاب عميق حمل العديد من الدلالات الرامزة، التي يرغب الإنسان العادي سماعها اليوم لغد أفضل، خطاب ارتكز على مهمات جليلة جسام، بها من التحديات الكثير يتطلبها واقع الحال في هذه الفترة التي يحياها الوطن والمواطن على السواء.

- إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة.
- تحقيق الازدهار وتعميق النزاهة لتسود قطاعات العمل كافة.
- توجيه الموارد المالية واستثمارها للصالح العام.
- إيلاء الأهمية لمنظومة التشريعات والقوانين، وبرامج العمل.
- تحقيق التوازن في خزينة المال، وتعزيز التنوع الاقتصادي.
- تطوير جهاز التعليم وإصلاحه، والرقي بمنظومته التربوية وهيكلته الفنية.
- الإيمان بقدرات الشباب ومنحهم الفرص التي تليق بهم.
- تدريب الشباب وتمكينهم في مشاريع الابتكار والإبداع، وتعزيز الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
- تعزيز دور المرأة وحضورها في شتى الساحات المضيئة والفاعلة.
- تطوير وطني شامل للتشغيل، ومراجعة نظم التوظيف في القطاع الحكومي، ومتابعة الشركات.
وأخيرًا.. إنه خطاب تاريخي شامل تشخيصي يرقى بالوطن والمواطن قوامه آمال وتوقعات وتطلعات، وإننا كمواطنين نستبشر خيرًا كبيرًا، فهنيئًا لنا ولعمان هذه الرؤية الفاحصة والحالمة والملمة والعازمة والواضحة، وبورك لمن وضع أصابعه على جروح الوطن ووجع مواطنيه. فسِر أيُّها الهمام ابن الهمام صاحب السمو السيد طارق بن تيمور ـ رحمة الله عليه رحمة واسعة ـ الذي سجَّل له التاريخ بصمات جليلة جميلة على أرض عُمان، وسِر ونحن وراءك أيُّها السلطان هيثم على مسار ابن عمك قابوس وأجدادك الصناديد الأحرار الميامين الذين أضاؤوا تاريخ عمان في الشرق والغرب حتى الهند والسند واليابان والساحل الإفريقي الشرقي، وسِر ونحن ماضون خلفك، وخلف كل رشيد مؤتمن محب لهذا الوطن العزيز، صامدون أمام كل من يحاول زعزعة أمن هذا الوطن العزيز.

وشكرًا لا تكفي، وامتنانًا لا يجزل يا ولاة أمرنا عندما جعلتم الأمن والسلام والحرية رايتكم بتوحدكم وحرصكم ومبايعتكم لجلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ حسب ما جاء في الرسالة في سكون ورضا وأمن وأمان، شكرًا لكم حين غلَّبتم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، فكانت إطلالة صاحب السمو السيد فهد بن محمود ـ أطال عمره الله ـ وحديثه لنا له بالغ الأثر والحب والوفاء لكم في نفوسنا كشعب عماني محب لكم. شكرًا للدرس المعتبر الذي علمتمونا إياه، وأدهش العالم أجمع بما أظهرتموه من بسالة وحب لنا جميعا، وقلتم: كلنا للوطن الأصيل والغالي عُمان، كلنا عُمان.. حفظ الله الوطن وعُمان والسلطان. ففاضت مشاعرنا بالحب والولاء والامتنان، والعرفان لكم جميعًا، حتى صغتم لعمان وشعبها إبريزة مطرزة نسجت هامها على فضاء مجد وعزة هذه الأرض العمانية العزيزة الكريمة.

يا عُمان الخير
يا أرض السلام
أشرقي فالغد
في هام السماء
وارتقي فالنجم
عانق التراب
واسعدي فالطير
بالبشر عاد
أزهري بالأمان
وانعمي بالسَّناء
رفرف السَّعد
بآمال عظام
إننا جند لك
لمسار بالخير عاد

إلى الأعلى