الثلاثاء 7 أبريل 2020 م - ١٣ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / المتاريس والسندات وغسل اليدين

المتاريس والسندات وغسل اليدين

عادل سعد

منذ أن دشن بان كي مون الأمين العام السابق للأمم المتحدة الحملة العالمية لغسل اليدين لمواجهة شرور الجراثيم والبكتريا السامة، لم يبقَ من تلك الحملة أية معالم بنيوية، رغم أن الابتسامة الخجولة الهادئة المتميزة باختصاص كوري جنوبي كانت رسوله إلى الرأي العام العالمي خلال انطلاق حملته بفيلم تسجيلي قصير تضمن لقطات وهو يغسل يديه على وفق الطريقة الناجحة لغسل اليدين تطبيقا لإرشادات منظمة الصحة العالمية بعد أن تفاقمت المخاوف من إنفلونزا الطيور وإنفلونزا الخنازير، وإيبولا، وقائمة أخرى من الأوبئة المعدية.
وبعيدا عن التوصية العراقية التي تنص (اغسل يديك منه) في الإشارة إلى الشخص الذي لا فائدة ترجى من مواقفه وقد كثر استخدامها توصيفا لعينات سياسيين فاسدين طائفيا وإثنيا ممهورين بمتلازمة (أنا وحاشيتي) وما بعدي الطوفان أقول، في منأى من ذلك (الحسم) العراقي، نشطت الدعوة مجددا إلى غسل اليدين هذه الأيام على هامش المفاجأة ذات العيار الثقيل المتمثلة بمخاطر فيروس كورونا، ولكن من دون رعاية إيضاحية من أنطونيو جويتريش الامين العام الحالي للأمم المتحدة المشغول بقائمة طويلة من المشاكل المستعصية بدأت بالمتغيرات المناخية والقتال الليبي ـ الليبي بأذرع إقليمية ودولية، ولم تنتهِ، لا في إدلب، ولا في العزاء الإفريقي المتكرر على إيقاعات متوالية من خصومات الحدود ومتلازمة الفقر والجوع والإيدز والنزعات الأصولية.
لقد تأكد بالوصفة الطبية الحاسمة أن غسل اليدين بالماء والصابون شرط مهم لا يمكن تجاوزه لمواجهة انتشار (كورونا) مثلما تعد الكمامات التي توضع على الوجوه شرطا ثانيا ضمن شروط الوقاية من هذا الخطر الذي أدى إلى خلط الاهتمامات العالمية فزعا منه.
السؤال هنا: هل هناك شكوك معينة بشأن وجوب نظافة الأيدي؟ وفي سياق ذلك أيضا هل تعرضت ضرورتها للتفريط؟ يبدو أن الأمر أخذ هذا المنحى بعد سلسلة استطلاعات بينت بما لا يقبل الشك أن هناك تملصا واضحا من الآليات الجدية لإجراء غسل اليدين عدة مرات في اليوم الواحد، وقد تطبع أغلب الناس على هذا التملص نتيجة هيمنة ضغوط السرعة على سلوكهم.
هناك مئات الملايين منهم لا يلتزمون بالضرورات الأساسية للسلوك الحياتي القائم على منظومة أولويات، وإلا لماذا أعلن رئيس وزراء الهند شعارا لبرنامج بلاده (بناء المراحيض قبل بناء المعابد)، الأسبق؟ لماذا حذر الفيلسوف الألماني ايريك فروم من وحش السرعة صاحب السطوة الكبرى في تهشيم فضائل العيش، يعني، الهدوء والتأني، تعايشا مع الاستدراك القائل (ما أبطأ سيارة الإسعاف برغم سرعتها الجنونية)، ترتبط بذلك أيضا، الطريقة المهلهلة لغسل اليدين رغم أنها تمثل نصف الوقاية وأحيانا أكثر؟
على وفق الشرط الصحي، يتطلب الأمر غسل باطن الأيدي وظهرها وبين الأصابع مع إعطاء أهمية لغسل مواقع الأظافر لأنها تعد (متاريس) الجراثيم، مع ملاحظة أن مشتركات اللمس الجاهزة لتسيير العدوى، النقود، المصافحات، المقاعد، الأبواب، الأطعمة الجاهزة، الأواني، العيادات، محلات الحلاقة، المقاهي، وكل الأماكن المكتظة، والقائمة تطول……
إجمالا، من ملاحظات توصلت إليها، بعض الناس، لا يفقهون مضاربات الاستخفاف والهلع، إنهم يستسلمون لضغط التشويش، أما الحكيم فهو من ينتصر للصحيح، حين يتقدم الاستخفاف يسيطر الإهمال على المشهد، وخلاف ذلك، عندما يركب الهلع النفوس تتحكم المصيبة.
على أي حال، بلغة الاقتصاد، غسل اليدين سندات تستحق الدفع الآن.

إلى الأعلى