الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العلاقات التجارية الدولية والخلل السائد

العلاقات التجارية الدولية والخلل السائد

عادل سعد

تحتل ظاهرة الحنث بالوعود في العلاقات السياسية والأمنية الدولية موقعًا متقدمًا ذات تأثير واضح في تشويه إن لم نقل في تعطيل بعض هذه العلاقات بانعكاسات سلبية كبيرة، سواء كان ذلك على صعيد الوعود في تحقيق السلام الدولي ونبذ الخلافات، أو كان بنشر ثقافة التسامح والاندماج والتضامن من أجل تحقيق الأمن الذي يضمن الاستقرار والحق بالحياة الآمنة، أو الحنث بالوعود على الصعيد الاقتصادي وما يتبع ذلك من ضرر مقصود يستهدف مصالح بعض الدول ويدفع باتجاه تشكيل المشهد التجاري العالمي على قاعدة الانتفاع المصلحي الضيق أي بالضد من المشروعية والتوازن، وهو ما يهمنا هنا في هذه المقالة.
لقد جاء في تقرير لمنظمة الشفافية الدولية أن نصف الدول الموقعة على اتفاقية مكافحة الرشوة في التجارة العالمية لم تلتزم بها، وأظهر التقرير حجم المشكلة بالإشارة إلى أن تلك الدول تسهم بما يزيد على ثلثي الصادرات في العالم، و90% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وذهب التقرير إلى أن 22 دولة من مجموع الدول المشار إليها لم تتخذ أية إجراءات بموجب ما ترتب عليها من واجبات قانونية بقدر ما يتعلق الأمر بتطبيق اتفاقية مكافحة الرشوة التي يرتكب أفعالها مسؤولون حكوميون في المعاملات التجارية، وهي اتفاقية دولية تتولى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الاضطلاع بمسؤولية تطبيقها.
إن ما فضحته منظمة الشفافية الدولية من صورة سيئة للعلاقات التجارية بين الدول يؤكد بما لا يقبل الشك أن فرصة إصلاح واقع التجارة العالمية ضئيلة نسبيًّا؛ لأن هذا المنهج المنحرف الذي تعتمده بعض الدول يصب لصالحها فوائد كثيرة لكنها في كل الأحوال فوائد غير نظيفة وتنتقص من حقوق الدول الأخرى، وهذه بحد ذاتها إحدى المثالب التي تحول دون وجود مصالح عادلة تضمن حقوق جميع الدول.
وإذا أردنا دعم هذا التشخيص بالأمثلة فلنا أن نشير إلى الواقع التجاري للعراق حيث ابتلي ببعض المسؤولين الذين لم يتورعوا من التستر على استيراد بضائع مغشوشة وفاسدة مقابل عمولات مالية قبضوها بعد أن غضوا النظر عن مرور تلك البضائع إلى العراق، وحسب إحصائية لهيئة النزاهة العراقية فقد بلغ عدد الوزراء الذين ارتكبوا أفعالًا من هذا النوع خمسة، هم الآن خارج العراق ولا تستطيع الحكومة أن تستجلبهم للتحقيق معهم لأنهم يتمتعون بجنسيات أخرى، وإذا بحثنا عن العدد في أوساط رؤساء المؤسسات أو مديرين عامين أو موظفين آخرين، فالعدد يزيد على ذلك، مع ملاحظة أن العدد الذين تم إلقاء القبض عليهم وإحالتهم إلى المحاكم لا يتعدى أصابع اليد.
إن (النموذج) من موظفي الخدمة العامة في العراق الذين أصابهم وباء الرشوة والتلاعب بالمال العام لا يمثل المشهد الوحيد لما يجري في دول عربية بل وفي دول نامية أخرى، الأمر الذي ترتب عليه الكثير من التراجع الحاد في الحصول على فرص عادلة للتنمية وفي مقدمتها التنمية المستدامة التي تكفل إنتاجية متصاعدة وتسويق لهذه الإنتاجية والتبادل الصحيح في المنافع.
ومن المخاطر الأخرى التي تحكم هذا الواقع التجاري الدولي السائد، أن أفق التعاون فيه يتعرض بين الحين والآخر إلى هزات كبيرة ضمن مساعي الدول المتضررة من أجل تصليح الواقع مما يؤدي إلى تفاقم التعارض بينها وبين الدول التي تتحاشى تطبيق الاتفاقية المشار إليها، وهذا بحد ذاته ما يؤكد أن حجم التضليل التجاري بالنسخة الحالية كبير جدًّا، أما كيف يمكن معالجة تلك الأخطاء والانحرافات فالوضع يحتاج إلى معاينة دولية يترتب عليها عقوبات صارمة ضد الدول التي تتمادى في رفض الإصلاح وإلزامها بالانخراط في إجراءات واضحة لتطبيق تلك الاتفاقية والكف عن نزعة التمرد عليها، أما كيف يكون ذلك فالأمر ينبغي أن يناط بالأمم المتحدة مع وجود معيار قانوني ضامن يضع مصلحة جميع الدول على خط شروع واحد.

إلى الأعلى